المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

477-. حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قالَ: حدَّثنا أبو مُعاويَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عن أَبِي صالِحٍ:

عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النِبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قالَ: «صَلاةُ الجَمِيعِ [1] تَزِيدُ علىَ صَلاتِهِ في بَيْتِهِ وَصَلاتِهِ فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ [2] ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لا يُرِيدُ إلَّا الصَّلاةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ [3] بها دَرَجَةً، وَحَطَّ [4] عَنْهُ [5] خَطِيئَةً، حَتَّىَ يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذا دَخَلَ المَسْجِدَ، كان فِي صَلاةٍ ما كانَتْ [6] تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي _يَعْنِي عَلَيْهِ_ المَلائِكَةُ [7] ، ما دامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ [8] ».

الأطراف



[1] في نسخة: «صلاة الجماعة».
[2] صحَّح عليها في اليونينيَّة.
[3] لفظ الجلالة ليس في رواية الأصيلي.
[4] في رواية الأصيلي وأبي ذر والكُشْمِيْهَنِيِّ: «أو حطَّ».
[5] في رواية الأصيلي زيادة: «بها».
[6] هكذا في نسخة عن أبي ذر أيضًا (و، ب، ص)، وفي روايته: «كان».
[7] لفظة: «يعني» ليست في [عط] ، وفي رواية الأصيلي: «تصلي الملائكةُ عليه» (ب، ص)، وبهامشهما دون تخريج زيادة لفظة: «عليه» مرموزًا عليها برمز رواية أبي ذر عن الحمويي والكشميهني، وبهامش (ب) : هذه الرواية ليس لها تخريج في اليونينية، والظاهر أنها بعد: «الملائكة». اهـ، وبهامش اليونينية: سقط: «يعني» عند أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السمعاني عن أبي الوقت، و«عليه» [أي: وسقط لفظ: «عليه»] عند ابن عساكر في نسخة، وثبت في نسخة عند ابن عساكر.اهـ.
[8] لفظة: «فيه» ليست في نسخة عند ابن عساكر (ب، ص)، وهو موافق لما في السلطانية، وفي رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت و [عط] : «ما لم يُوذِ؛ يحدثُ فيه».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

لا تتوفر معاينة

477# (تَزِيْدُ عَلَى صَلاَتِهِ في بَيْتِهِ، وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ) وليس في هذا للمسجد ذكرٌ، فكيف ترجم للصلاة في مسجد السوق؟.

قال ابن المنيِّر: أراد إثباتَ جواز بناء المسجد داخلَ السوق؛ لئلا يُتخيل أن المسجد في المكان المحجور لا يُشرع؛ كمسجد [1] الجمعة، فنبَّه بصلاة ابن عونٍ [2] على أن المسجد الذي صلى [3] فيه كان محجورًا، ومع ذلك فله حكمُ المساجد، ثم خص السوق في الترجمة؛ لئلا يُتخيل أنها لمَّا كانت [4] شرَّ البقاع، وبها يركزُ الشيطانُ رايته _ كما ورد _ يمنع ذلك اتخاذَ المسجدِ فيها، فبيَّن الحديث [5] أنها محلٌّ للصلاة، فيجوز بناء المسجد فيها، والله أعلم.

[1] في (ق): ((لمسجد)).
[2] في (ق): ((عوف)).
[3] في (ق): ((يصلي)).
[4] في (م) و(ج): ((كان)).
[5] في (د) و(ج): ((بالحديث)).





477- قوله: (حَدَّثَنا أَبُو مُعَاويَةُ): هو مُحَمَّد بن خازم- بالخاء المعجمة- الضَّرير، تقدَّم بعض ترجمته.

قوله: (عَنِ الأَعْمَشِ): تقدَّم أنَّه سليمان بن مهران، أبو مُحَمَّد الكاهليُّ، القارئ الإمام، مشهور الترجمة جدًّا.

قوله: (عَن أَبِي صَالِحٍ): تقدَّم مرارًا أنَّه ذكوان السَّمَّان الزَّيَّات، تقدَّم أنَّه شهد الدَّار، وروى عن عائشة [1] ، وأبي هريرة، وعنه: بنوه عبد الله، وسُهيل، وصالح، والأعمش، وكان من الأئمَّة الثِّقات، سمع منه الأعمش ألف حديث، تُوُفِّيَ بالمدينة سنة (101 هـ ) ، أخرج له الجماعة، وقد تقدَّم بعض ترجمته، ولكن طال العهد به [2] .

قوله: (عَن أَبِي هُرِيرَةَ): تقدَّم مرارًا أنَّه عبد الرحمن بن صخر، على الأصحِّ من نحو ثلاثين قولًا.

قوله: (خطْوَةً): هي بفتح الخاء وضمِّها [3] ، وقال شيخنا عن [4] القرطبيِّ: (الرواية بالضَّمِّ، وهي واحدة «الخطا»، وهي ما بين القدمين) ، قال شيخنا: قال ابن التِّين: (رُوِّيناه بفتحها: المرَّة الواحدة) .

قوله: (وَتُصَلِّي عَلَيْهِ الْمَلاَئِكَةُ): تقدَّم أنَّ العلماء قالوا: إنَّ الصَّلاة من الله رحمةٌ، ومن الملائكة استغفارٌ، ومن الآدميِّ تضرُّعٌ ودعاء.

قوله: (مَا لَمْ يُحْدِثْ): تقدَّم الكلام [عليه] غيرَ مَرَّةٍ، وأنَّ ابن أبي أوفى فسَّره: بحدث الإثم، وأنَّ أبا هريرة فسَّره: بحدث [5] الوضوء، وتقدَّم ما قاله فيه الدَّاوديُّ.

[1] زيد في (ب): (رضي الله عنها) .
[2] في (ج): (بها) .
[3] في (ب): (بضمِّ الخاء وفتحها) .
[4] في (ب): (وعن) .
[5] (وأن أبا هريرة فسره بحدث): سقط من (ج) .





477- (مَا لَمْ يُؤْذِ [يُحْدِث] ): (يُحْدِث): مجزومٌ بدَلٌ مِنْ (يُؤْذِ) [1] ، ومرفوعٌ بأنَّه استئنافٌ.

[1] في النسختين: («يؤذ»: مجزوم بدل من «يحدث»)، وهو مقلوب ما أثبت.





477- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهَدٍ (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازمٍ [1] الضَّرير (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلَاةُ الْجَمِيعِ) بياءٍ بعد الميم المكسورة، وفي روايةٍ: ((صلاة الجماعة)) (تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ)؛ أي: الشَّخص المنفرد (فِي بَيْتِهِ، وَ) على (صَلَاتِهِ) بانفراده (فِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) نُصِب على التَّمييز، و«خمسًا»: مفعول «تزيد»؛ نحو قولك: زدت عليه خمسًا، وسرُّ الأعداد لا يُوقَف عليه إِلَّا بنور النُّبوَّة، وسيأتي _إن شاء الله تعالى_ وجه المُناسَبة في التَّخصيص بعدد الخمس والعشرين في باب: «فضل الجماعة» [خ¦647] ، مع مباحث أخرى، (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ) الوضوء؛ بإسباغه ورعاية سُننه وآدابه، وأسقط المفعول؛ لدلالة السِّياق عليه. نعم؛ ألحق في «الفرع» لا في «أصله»: ((وضوءه)) بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خطِّ كاتب الأصل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ في [2] غير «اليونينيَّة»: ((بأنَّ أحدكم))؛ بالمُوحَّدة بدل «الفاء»؛ للسَّببيَّة أو للمُصاحَبة؛ أي: تزيد [3] بخمسٍ وعشرين درجةً، مع فضائلَ أخرى، هي رفع الدَّرجات، وصلاة الملائكة، ونحوهما (وَأَتَى الْمَسْجِدَ) حال كونه (لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ) أو ما في معناها؛ كالاعتكافِ ونحوه، واقتصر على الصَّلاة؛ للأغلبيَّة؛ (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً) بفتح الخاء (إِلَّا رَفَعَهُ اللهُ بِهَا دَرَجَةً) سقط لفظ الجلالة [4] للأَصيليِّ (وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً) نُصِبَ فيهما على التَّمييز، وللأَصيليِّ: ((وحطّ عنه بها))، وله وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أو حطَّ))، والواو أشمل (حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ) فالمشيُ إلى الجماعة يستلزم احتساب الأجْر بالخطوات، والتَّنصُّل عن الخطيئات، ومن توقَّى [5] عن دركات الهلكات [6] ؛ فقد ترقَّى إلى منجاة [7] الدَّرجات (وَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ؛ كَانَ فِي) ثواب (صَلَاةٍ مَا كَانَتْ) بتاء التَّأنيث، ولأبي ذَرٍّ: ((ما كان)) (تَحْبِسُهُ) الصَّلاة؛ أي: مدَّة دوام ذلك، وحُذِف الفاعل؛ للعلم به (وَتُصَلِّي _ يَعْنِي: عَلَيْهِ _ الْمَلَائِكَةُ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ)؛ أي: تستغفر وتطلب له الرَّحمة قائلين: (اللَّهُمَّ؛ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ؛ ارْحَمْهُ) وسقط عند أبوَي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر لفظ: ((يعني))، ولفظ [8] : ((عليه)) عند ابن عساكر في نسخةٍ، وثبت عنه في أخرى ((مَا لَمْ يؤذِ)) المصلِّي الملائكة، (مالم يُحْدِثْ) من الإحداث، بكسر الهمزة، و [9] بضمِّ أوَّل المضارعين مجزومين، واللَّاحق بدلٌ من سابقه، ولأبي ذَرٍّ وابن عساكر في نسخةٍ وأبي الوقت: ((يحدثُ))؛ بالرَّفع على الاستئناف، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ما لم يؤذِ بحدثٍ فيه))؛ بلفظ الجارِّ والمجرور متعلِّقٌ بـ: «يؤذ»، وفي نسخةٍ: ((ما لم يحدث فيه))؛ بإسقاط ((يؤذِ))؛ أي: ما لم يأتِ بناقضٍ للوضوء.

ورواة هذا الحديث ما بين بصريٍّ ومدنيٍّ وكوفيٍّ، وفيه التَّحديث والعنعنة، ورواية تابعيٍّ عن تابعيٍّ، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في باب «الجماعة» [خ¦647] ، ومسلمٌ وأبو داود والتِّرمذيُّ وابن ماجه في «الصَّلاة».

[1] في (د) و(س): «حازم»، وهو تصحيفٌ.
[2] في (م): «من».
[3] في (ب) و (ص): «يريد».
[4] في (د): «سقطت الجلالة».
[5] في (د): «يُوقَّى».
[6] في (د): «المهلكات».
[7] في (ص): «منجيات».
[8] زيد في (ص) و(م): «و».
[9] «و»: مثبتٌ من (ب) و(س).





477- (صَلاَةُ الجَمِيعِ): أي: الجماعة.

(فَإِنَّ أَحَدَكُمْ): للكشميهنيِّ: « بأنَّ » بباء سببيَّة.

( مَا لَمْ يُؤْذِ، يُحْدِثُ فِيْهِ ): للأكثر بالفعل المجزوم على البدليَّة، وللكشميهنيِّ: «بحدثٍ» بلفظ الجار والمجرور متعلٍّقًا بــــ«يؤذ»، والمراد به النَّاقض للوضوء، كما صرَّح به في رواية أبي داود، ويحتمل أن يكون أعمَّ من ذلك. [/ج2ص544/]


لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

477- وبالسند إلى المؤلف قال: ((حدثنا مسدد)) هو ابن مسرهد البصري ((قال: حدثنا أبو معاوية)) هو محمَّد بن حازم الضرير، ((عن الأعمش)) هو سليمان بن مهران الكوفي، ((عن أبي صالح)) هو ذكوان المدني، ((عن أبي هريرة)) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الصَّحابي الجليل رضي الله عنه، ((عن النَّبي)) الأعظم ((صلى الله عليه وسلم)) أنَّه ((قال: صلاة الجمِيع)) ؛ بتحتية بعد الميم المكسورة؛ أي: صلاة الجماعة كما في رواية، و (الجميع) في اللُّغة: ضد المتفرق، والجيش أيضًا والحي: المجتمع، ويؤكد به يقال: جاؤوا جميعًا؛ أي: كلهم، كذا قاله إمام الشَّارحين.

قال الكرماني: (صلاة الجميع؛ أي: في الجميع؛ يعني: صلاة الجماعة) ، واعترضه الشَّارح بأنَّه تصرف غير مرضي، وكذلك اعترضه ابن حجر بأنَّه تكلف لا حاجة إليه، انتهى.

وزعم العجلوني بأنَّ ما ذكره الكرماني تصرف مرضي، ولا تكلف فيه، فإنَّ الإضافة على معنى (في) انتهى.

قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ كلام الكرماني مبني على التكرار في معاني الألفاظ، كما هو ظاهر، وهو تصرف غير مرضي لأهل المعاني، ولا ريب أنَّه تكلف لا حاجة إليه عند أهل المعارف، وكون الإضافة على معنى (في) لا يدل على ما زعمه، فإنَّ تفسيره أيضًا صلاة الجماعة على معنى (في) لا كلام فيه، بل في التفسير المذكور؛ فافهم.

((تزيد)) ؛ بمثناة فوقية؛ أي: تفوق صلاة الجماعة ((على صلاته)) ؛ أي: على صلاة الشخص المنفرد المدلول عليه بالجميع الذي بمعنى الجماعة، ونقل الكفيري عن «الكاشف» أنَّه قال: (هو مبتدأ، والمضاف محذوف؛ أي: ثواب صلاة الرجل في الجماعة، والضمير في «تزيد» راجع إليه) انتهى، ((في بيته)) ؛ أي: منزله منفردًا، ومثله ما لو كان في أي مكان منفردًا، ((وصلاته)) : عطف على (صلاته) ؛ أي: وتزيد على صلاته بانفراده ((في سوقه)) ؛ أي: في مسجد سوقه على حذف مضاف، والقرينة الحالية والمقالية تعين أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق: الطريق، ولا كلام لنا فيه: فتعين أن يكون المراد به مسجد السوق؛ فافهم، والدليل على كونه منفردًا قوله: (في بيته) ؛ لأنَّه قرينة ظاهرة عليه؛ لأنَّ الغالب أنَّ الرجل يصلِّي في بيته منفردًا؛ فافهم، ويدل عليه ما عند ابن ماجه: «فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده...»؛ الحديث، ((خمسًا وعشرين)) ؛ بالنصب على أنَّه مفعول لقوله: (تزيد) ؛ نحو قولك: زدت عليه عشرة ونحوها ((درجةً) ؛ بالنصب على التمييز، وعند ابن ماجه: (جزءًا) .

وفي لفظ: (بضعًا [1] وعشرين درجة) ، وفي لفظ: (بضعة وعشرين جزءًا) .

وعند السراج: (تعدل خمسة وعشرين صلاة من صلاة الفذ) .

وفي لفظ: (خير من صلاة الفذ) .

وفي لفظ: (صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين يصلِّيهما وحده) .

وفي «سنن الكشي»: (صلاة الجميع تفضل على صلاة الفذ) .

وعند البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة) .

وعند ابن حبان من حديث أُبي بن كعب: (أربعة وعشرين أو خمسة وعشرين درجة، وصلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وصلاته مع الثلاثة أزكى من صلاته مع الرجلين، وما كثر؛ فهو أحب إلى الله عز وجل) .

وعند السراج من حديث أنس موقوفًا بسند صحيح: (تفضل صلاة الجميع على صلاة الرجل بضعًا وعشرين صلاة) .

وفي كتاب ابن حزم: (صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد سبعًا وعشرين درجة) .

وعند ابن حبان: (تكتب صلاته بخمسين درجة) .

وعند أبي داود: (بلغت خمسين صلاة) .

وعند أحمد بسند جيد عن ابن مسعود: (صلاة الجمع تفضل على صلاة الرجل وحده خمسة وعشرين ضعفًا، كلها مثل صلاته) .

وفي «تاريخ البخاري» من حديث الإفريقي عن قباث بن أشيم: (صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى) .

وعند ابن أبي شيبة عن عكرمة عن ابن عبَّاس: (فضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة، قال: فإن كانوا أكثر؛ فعلى عدد من في المسجد، فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف؟ قال: نعم) .

وفي «فضائل القدس» لأبي بكر الواسطي من حديث أبي الخطاب: (وصلاة في مسجد القبائل بست وعشرين، وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته على الساحل بألفي ألف صلاة، وصلاته بسواك بأربع مئة صلاة) .

وعند ابن زنجويه من حديث ابن الخطاب: (صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاته في المسجد الذي تجمع فيه بخمس مئة صلاة) ، كذا في «عمدة القاري» مختصرًا.

قال العجلوني: (قال الكرماني: وقد عبر عن الانفراد بكونه في البيت أو السوق؛ إذ الغالب أنَّ صلاة الرجل فيها تكون[/ص687/]

بالانفراد ويدل لأنَّ هذا هو المراد: ما رواه المصنف في (فضل الجماعة) عن أبي سعيد الخدري: أنَّه سمع النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة»، وليس فيه -أي لحديث الباب- ذكر المسجد في السوق، ولم أر في بعض طرقه ذكره، ولا من تعرض له من الشراح، فلا تحصل به المطابقة للتَّرجمة إذا أريد فيها المسجد الشرعي إلا ببعض التكلفات يراد به اللغوي، ولعل ذلك هو الحامل لما نقله الكرماني في تفسيره في التَّرجمة: بمواضع إيقاع الصلاة، وهو المناسب دون ما في «الفتح» و«العمدة»؛ فراجعه وتأمله) انتهى كلامهما.

قلت: كل منهما غير مصيب، وأراد بـ«الفتح» ما ذكره ابن حجر، و«العمدة» ما ذكره إمام الشَّارحين؛ لأنَّهما قالا: (ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله: «وصلاته في سوقه») انتهى؛ يعني: على حذف مضاف؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ مسجد السوق لا توجد فيه الجماعة في غالب الأوقات، فصلاة الرجل الواحد فيه كصلاته في بيته منفردًا.

وإنَّما جعل البيت ومسجد السوق في حكم واحد؛ لعدم وجود الجماعة غالبًا فيهما، وبهذا تحصل المطابقة للتَّرجمة، وهذا هو مراد المؤلف؛ لأنَّه ترجم بـ (الصلاة في مسجد السوق) ، وساق هذا الحديث، وأشار إلى أنَّ قوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: في مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق طريق العامة، والصلاة فيه مكروهة، ولا كلام فيها هنا، وإنَّما المراد: مسجد السوق، كما لا يخفى.

وكيف غفل العجلوني والكرماني عن هذا حتى قالا ما لا تقبله الطباع؟ على أنَّ ما ذكراه من قوله: (وقد عبر عن الانفراد...) إلى آخره؛ ليس على ما ينبغي.

ولا حاجة إلى حديث أبي سعيد، فإنَّ في رواية البخاري من حديث نافع عن ابن عمر: (صلاة الرجل في جماعة تفضل على صلاة الرجل وحده بسبع وعشرين درجة) .

وعند ابن ماجه: (فضل الصلاة على صلاة أحدكم وحده خمس وعشرون جزءًا) ، وقوله: (وحده) : صادق على ما إذا كان في بيته أو مسجد سوقه، كما لا يخفى، فهذا يوضح ويبين أنَّ المراد به الإنفراد؛ فافهم.

وقوله: (وليس فيه...) إلى آخره؛ ممنوع، فإنَّ ذكر السوق قرينة دالة على أنَّ المراد بقوله: (وصلاته في سوقه) ؛ أي: مسجد سوقه؛ لأنَّ السوق ليس بمحل للصلاة، وإنَّما هو طريق العامة، كما لا يخفى.

وقوله: (ولم أر في بعض طرقه..) إلى آخره؛ ممنوع؛ لأنَّه لا يلزم من عدم رؤيته له أن لا يكون موجودًا، على أنَّه لا يلزم التصريح بالمسجد؛ لأنَّه معلوم من المقام، والقرائن تدل عليه.

وقوله: (ولا تعرَّض له من الشراح..) إلى آخره: لا يخفى أنَّ عدم تعرضهم لذلك لكونه واضحًا غير خفي، وإنَّما يخفى على من يدعي الفهم وليس عنده منه شيء، وحصول المطابقة لحديث الباب لما ترجم ظاهرة، وأنَّ المراد بالمسجد: الشرعي، ولا تلكف فيه، وأنَّ المدعي للتكلف غير مصيب، بل في أنَّ المراد به: اللغوي تكلف لا يطاق، كما زعمه الكرماني؛ لأنَّ مواضع الصلاة لا إشارة إليها ههنا ولا تعرض، وهي غير مناسبة للمقام، كما لا يخفى، وقد ذكرنا ذلك فيما سبق بزيادة؛ فافهم، فما في «الفتح» و«العمدة» هو العمدة؛ فليحفظ.

((فإنَّ أحدكم)) : خطاب خاص، والمراد به العام، هكذا بالفاء رواية الأكثرين، وفي رواية الكشميهني: (بأنَّ أحدكم) ؛ بالموحَّدة، ووجهها: أن تكون الباء للمصاحبة، فكأنَّه قال: تزيد على صلاته بخمس وعشرين درجة مع فضائل أُخَر؛ وهو رفع الدرجات، وصلاة الملائكة، ونحوها، ويجوز أن تكون للسببية، قاله إمام الشَّارحين، ((إذا توضأ فأحسن)) ؛ أي: فأسبغ، كذا هو بدون مفعوله؛ والتقدير: فأحسن الوضوء، والإحسان إلى الوضوء: إسباغه برعاية السنن والآداب، كذا في «عمدة القاري».

قلت: وهذا تعليل لما سبق، ويدل على حذف المفعول السياق من الكلام؛ لأنَّه يقتضي أنَّ هناك مفعولًا محذوفًا، وقال القسطلاني: (نعم؛ ألحق في «الفرع» لا في «أصله»: «وضوءه» بعد «فأحسن»، ويشبه أن يكون بغير خط كاتب الأصل) .

وزعم العجلوني أنَّه يوجد في كثير من النُّسخ المعتمدة: (فأحسن الوضوء) ؛ بالألف واللَّام.

قلت: لم نر في النُّسخ هكذا مطلقًا ولو غير معتمدة، فالله أعلم بصحتها مع أنَّ القسطلاني ذكر لفظ: (وضوءه) مع عدم الاعتماد عليه، وما هذا إلا تصحيف من النَّاسخين؛ فافهم.

((وأتى المسجد)) أي: الجامع حال كونه ((لا يريد)) أي: بإتيانه ((إلا الصلاة)) ، فالجملة حالية، والمضارع المنفي إذا وقع حالًا؛ يجوز فيه الواو وتركه، وهو عطف على قوله: (فتوضأ) .

وزعم العجلوني أنَّه عطف على (فأحسن) .

قلت: ما قلناه هو الصَّواب؛ لأنَّ المراد: الوضوء وإتيان المسجد وهو متوضئ وإحسان الوضوء؛ أي: إسباغه من المكملات؛ فافهم.

قال الكرماني: (ومثل الصلاة الاعتكاف مثلًا؛ إذ المراد من الحصر: أنَّه لا يريد إلا العبادة، واقتصر على الصلاة؛ لأنَّها الأغلب) انتهى.

قلت: هذا غير ظاهر؛ لأنَّ الثواب المذكور إنَّما وَرَد في الصلاة خاصة، ولهذا اقتصر عليها؛ لأنَّها قد اشتملت على قيام، وركوع، وسجود، وذكر، وتسبيح، وقراءة قرآن بالاستقلال، أمَّا الاعتكاف؛ فليس كذلك؛ لأنَّه مكث في المسجد فقط، وهو وإن كان عبادة إلا أنَّها قاصرة، والصلاة أعم، فالمراد من الحصر إنَّما هو حصر الصلاة لا العبادة مطلقًا؛ فليحفظ.

((لم يخط خَطوةً)) ؛ بفتح الخاء المعجمة وضمها، روايتان، وقال السفاقسي: (رويناه بفتح الخاء) ، وقال القرطبي: (الرواية بِضَمِّ الخاء، فالمضمومة: ما بين القدمين، والمفتوحة: المرة الواحدة) ، وهي منصوبة على المفعول المطلق لقوله: (يخط) ، ويحتمل أنها مفعول به؛ لأنَّ المعنى: لم يفعل خطوة، قلت: وهو بعيد، والأول أظهر؛ فافهم، ((إلا رفعه الله بها)) ؛ أي: بالخطوة الواحدة، وسقط لفظ: الجلالة للأصيلي ((درجة)) أي: واحدة ((أو حطَّ)) ؛ بتشديد الطاء المهملة؛ أي: أسقط وأزال ((عنه خطيئة)) ؛ أي: واحدة، ونصب (درجة) و (خطيئة) على التمييز، قاله القسطلاني.

واعترضه العجلوني فقال: (والظَّاهر أنَّ نصب «درجة» و«خطيئة» على المفعولية لفعليهما، لا نصب على التمييز كما قاله القسطلاني مع أنَّه سيأتي له في باب«فضل الجماعة» أنَّه أعربهما نائبين عن الفاعل؛ لأنَّ الرواية هناك: «إلا رُفِعت له بها درجة، وحُطَّ عنه بها خطيئة») انتهى.

قلت: ما قاله القسطلاني أولى وأنسب، وهو الظَّاهر، وما ذكره عن باب (فضل الجماعة) مبني على الرواية، فإنَّ الإعراب على حسب العوامل المقتضية له، فإذا كانت الرواية هكذا؛ فالإعراب هكذا، أمَّا ههنا؛ فالفعل مفعوله موجود وهو الضمير، و (رفع) لا يتعدى إلى مفعولين، كما لا يخفى، فتجويز النصب على المفعولية غير ظاهر، كما لا يخفى.

وهكذا رواية الكشميهني بـ (أو) ، وللأصيلي: (وحط عنه بها خطيئة) ؛ بالواو، وزيادة: (بها) ، قال الشَّارح: (وهذا أشمل، وقد تكون «أو» بمعنى الواو، فلا تنافي) ؛ فليحفظ، والله أعلم، اللهم أحسن عاقبتنا في[/ص688/] الأمور كلها.

((حتى يدخل)) أي: أحدكم ((المسجد)) ؛ أي: الجامع، وهذا غاية لرفع الله له بالخطوة درجة ولحط الخطيئة عنه، فالمقتضي للرفع والحط المشي إلى المسجد، فإذا دخله؛ زال مقتضيها، فلهذا جعله غاية لهما، ولم يبق على عدم ثواب أصلًا، بل ثواب آخر، وترقي في الدرجات، ونجاة من الهلكات أشار إلى ذلك بقوله: ((وإذا دخل)) أي: الرجل المذكور ((المسجد)) أي: الجامع؛ ((كان في صلاة)) ؛ أي: حكمًا من حيث الثواب؛ أي: في ثواب ((ما كانت)) ؛ بالتأنيث؛ أي: الصلاة، ولأبي ذر: (ما كان) ؛ بالتذكير؛ أي: المسجد، كذا ذكره إمام الشَّارحين، وهو أعم مما فسره العجلوني بالفعل أو مكثه؛ لأنَّ المسجد مذكور في السياق، فالضمير في (كان) يتعين رجوعه إليه، أمَّا الفعل أو المكث؛ فغير مذكور، على أنَّ المسجد أعم وأشمل؛ فافهم، ((تحبسه)) ؛ بالفوقية على الرواية الأولى، وبالتحتية على الثانية، وكلمة (ما) مصدرية معناها المدة؛ والتقدير: مدة دوام حبس الصلاة أو المسجد إياه، وفاعل (تحبسه) ؛ بالفوقية: ضمير الصلاة، وبالتحتية: ضمير المسجد؛ فليحفظ.

وزعم القسطلاني: (وحذف الفاعل؛ للعلم به) .

قلت: هو غير ظاهر؛ لأنَّ الفاعل الضمير، فلا حذف للفاعل على أنَّه قيل: وجد في نسخة معتمدة التصريح بالفاعل، وعليها؛ ففيه تنازع، وفي بعض الأصول تقديمها على (تحبسه) ؛ فافهم.

وقوله: ((وتصلي)) أي: تدعو؛ ((يعني: عليه الملائكة)) : معطوف على جواب (إذا) ، وسقط لأبوي ذر والوقت لفظ: (يعني) ، وكذا لفظ: (عليه) أيضًا لابن عساكر، وثبت عنه في نسخة: (ما دام) ؛ أي: المصلي ((في مجلسه الذي يصلِّي فيه)) ؛ أي: ما دام المصلي في المجلس الذي صلى فيه الفريضة الأولى، أو تحيته المسجد، أو السنة القبلية، وهذا ظاهر الحديث.

وقيل: المراد بالمجلس: المسجد؛ والمعنى: ما دام المصلي في مسجده الذي صلى فيه، وهو مخالف للفظ الحديث، ويدل للأول ما ثبت في بعض الروايات: (ما دام في مصلاه) ، وهو مكان الصلاة، فهو المجلس الذي قد صلى فيه، قيل: إنَّ الثاني أرحج.

قلت: ليس في الحديث ما يدل على صحته فضلًا عن أرجحيته؛ فافهم.

وقوله: ((اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)) : جملة حالية، بتقدير: قائلين؛ والمعنى: وتدعو له الملائكة قائلين: اللهم؛ لأنَّه لا يصح المعنى إلا بذلك، وقيل: إنَّه بيان للصلاة، فالجملة مستأنفة، انتهى.

قلت: ليست الجملة مستأنفة، بل هي حالية، ويدل عليه تعلقها بما قبلها، كما لا يخفى، وزاد ابن ماجه: (اللهم تب عليه) .

وقوله: ((ما لم يؤذ)) : متعلق بـ (تصلي عليه) ، و (ما) ظرفية مصدرية؛ بمعنى المدة؛ أي: مدة عدم الإيذاء، وقال إمامنا الشَّارح: (يؤذ) ؛ بِضَمِّ التحتية أوله، وبالذَّال المعجمة، من الإيذاء، والضمير المرفوع الذي فيه يرجع إلى المصلى، ومفعوله محذوف؛ تقديره: ما لم يؤذ الملائكة، وإيذاؤه إياهم: الحدث في المسجد، ولهذا قال: ((يُحدثْ فيه)) ؛ أي: في مجلسه، وهو بِضَمِّ التحتية أوله، من الإحداث؛ بكسر الهمزة، وهو مجزوم في رواية الأكثرين على أنَّه بدل من (يُؤذ) ، وفي رواية الكشميهني: (ما لم يؤذ بحدث فيه) ؛ بلفظ الجار والمجرور متعلقًا بـ (يؤذ) ، وفي رواية أبوي ذر والوقت: (يحدثُ) ؛ بالرفع على الاستئناف.

وقال الكرماني: (وفي بعض النُّسخ: «ما لم يحدث»؛ بطرح لفظ: «يؤذ»؛ أي: ما لم ينقض الوضوء، والذي ينقض الوضوء الحدث) .

واعترضه ابن حجر، فقال: (يحتمل أن يكون أعم من ذلك) .

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (الحديث رواه أبو داود في «سننه»، ولفظه: «مالم يؤذ فيه»؛ والمعنى: ما لم يؤذ في مجلسه الذي صلى فيه أحدًا بقوله أو فعله، أو «يحدثْ»؛ بالجزم من الإحداث؛ بمعنى الحدث، لا من التحديث؛ فافهم، فإنَّه موضع تأمل) انتهى.

قلت: أشار بهذا إلى ما ذكره الكرماني وابن حجر، وكلاهما غير مصيب؛ لأنَّ الكرماني اقتصر على الحدث الناقض للوضوء، وهو ليس بمراد؛ لأنَّ الملائكة تتأذى [2] بغيره أيضًا، وابن حجر أراد الأعم من ذلك، وهو أنَّ معنى: «يحدث» [3] من التحديث؛ أي: ما لم يتكلم، وهو غير مراد، بل المراد الأعم؛ وهو ما لم يؤذ في مجلسه أحدًا بقوله أو فعله، وهو شامل للبطش باليد واللسان، والحدث شامل لخروج الدم والريح والبول، فالإيذاء شامل لإيذاء الملائكة، والمسجد، والآدميين؛ لأنَّ الملائكة لا ترضى بذلكولا الخالق عز وجل، فلهذا إذا فعل شيئًا مما ذكر؛ تترك الدعاء له وتنصرف، كما لا يخفى؛ فافهم.

قال إمام الشَّارحين: (وفي الحديث: الدلالة على فضيلة الجماعة، وفيه: جواز اتخاذ المساجد في البيوت والأسواق).

وقال ابن بطال: (وفيه: أنَّ الصلاة فيه للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة) .

واعترضه الكرماني بأنَّه لم يقل: يساوي صلاته منفردًا خمسًا وعشرين حتى يكون له درجة منها، بل قال: (يزيد) ، فليس للمنفرد من الخمس والعشرين شيء.

وردَّه إمام الشَّارحين فقال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، ولو كان وقف على الروايات التي ذكرناها؛ لما قال ذلك كذلك) انتهى.

واعترضه العجلوني بأنَّه على فرض أن إحدى الروايات التي ذكرها تفيد ذلك، لا يرد على الكرماني؛ لأنَّ اعتراضه على قوله: (فيه) ؛ أي: في حديث الباب؛ فافهم وأنصف، انتهى.

قلت: واعتراضه مردود عليه، وأمر بالفهم، ولم يفهم معنى الكلام، وأمر بالإنصاف، ولم ينصف في المرام، فإنَّ إمام الشَّارحين قال: (إنَّما قال ذلك بالنَّظر إلى الرواية المذكورة في الباب، وعذره بأنَّه لم يقف على الروايات التي ذكرها، فهي مسكوت عنها.

والحال أنَّ هذه الروايات توضح وتبين المراد من الحديث المذكور، فإنَّ الأحاديث تفسر بعضها بعضًا، كما لا يخفى، ولا مانع من جعله للمنفرد درجة منها، فإنَّ فضل الله واسع غير محصور، وقد ذكرنا فيما سبق بعض الروايات في ذلك، وأنَّها صريحة فيما قاله، فما زعمه الكرماني والعجلوني غير صحيح) ؛ فليحفظ.

على أنَّ حديث الباب مقيد بما في الروايات، فهي صريحة في أنَّ للمنفرد درجة من خمس وعشرين درجة؛ فافهم.

وقال إمام الشَّارحين: (وفيه ما استدل به بعض المالكية على أنَّ صلاة الجماعة لا يفضل بعضها على بعض بكثرة الجماعة، ورُدَّ هذا بما ذكرنا عن ابن حبان: «وما كثر؛ فهو أحب إلى الله تعالى»، وإلى مطلوبيَّةِ الكثرة ذهب الشَّافعي وابن حبيب) انتهى.

واعترضه العجلوني بأن يتأمل اقتصاره عليهما، فإنَّ مطلوبية الكثرة في الجماعة إذا لم يعارضها غيرها؛ يذهب إليه كل أحد على ما لا يخفى، انتهى.

قلت: إنَّما اقتصر عليهما؛ لأنَّه اشتهر عن الشَّافعي أنَّ الكثرة غير مطلوبة، ولا ثواب في الكثرة، ويحتمل اقتصاره عليهما؛ لما يشاهد من الزحام في صف الشَّافعية، فإنَّ الرجل يؤذي جاره بيده وجنبه ورجله، والإيذاء حرام، فأحدهم يظن نفسه أنَّه فعل مندوبًا، والحال أنَّه فعل محرمًا، فذهبا إلى مطلوبية الكثرة وإن كان زحام وضيق مع أنَّ درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، ويحتمل غير ذلك، والله أعلم.

تتمة: قال إمام الشَّارحين: (اختلفوا في الجمع بين رواية: «بسبع وعشرين درجة»، وبين رواية: «خمس وعشرين»؛ فقيل: السبع متأخرة عن الخمس، فكأنَّ الله أخبره بخمس ثم زاده، ورُدَّ هذا بتعذر التاريخ، وأجيب: بأنَّ الفضائل لا تنسخ، فتعين أنَّه متأخر.

وقيل: إنَّ صلاة الجماعة في المسجد أفضل من صلاة الفذ في المسجد بسبع وعشرين درجة، ورُدَّ هذا بقوله:

[/ص689/] عليه السَّلام: «وصلاة الرجل في جماعة تضعف على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفًا».

وقيل: إنَّ الصلاة التي لم يكن فيها فضيلة الخُطَا إلى الصلاة، ولا فضيلة انتظارها تفضل بخمس، والتي فيها ذلك تفضل بسبع.

وقيل: إنَّ ذلك يختلف باختلاف المصلين والصلاة؛ فمن أكملها وحافظ عليها؛ فوق من أخل بشيء من ذلك.

وقيل: إنَّ الزيادة لصلاتي العشاء والصبح؛ لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما، ويؤيده حديث أبي هريرة: «تفضل صلاة الجماعة صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا، ويجتمع ملائكة الليل والنهار في صلاة الفجر»، فذكر اجتماع الملائكة بواو فاصلة، واستئناف الكلام وقطعه من الجملة المتقدمة.

وقيل: لا منافاة بين الحديثين؛ لأنَّ ذكر القليل لا ينفي الكثير، ومفهوم العدد باطل عند جماعة من الأصوليين.

وقال ابن الأثير: إنَّما قال: «درجة»، ولم يقل: جزءًا، ولا نصيبًا، ولا حظًّا، ولا شيئًا من أمثال ذلك؛ لأنَّه أراد الثواب من جهة العلو والارتفاع، وأنَّ تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة؛ لأنَّ الدرجات إلى جهة فوق.

قلت: قد جاء فيه لفظ: الجزء والضعف، كما قدمناه، فكأنَّه لم يَطَّلع عليهما.

وقد قيل: إنَّ الدرجة أصغر من الجزء، فكأنَّ الخمسة والعشرين إذا جزئت درجات؛ كانت سبعًا وعشرين درجة.

قلت: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّه جاء في «الصَّحيحين»: «سبعًا وعشرين درجة»، و«خمسًا وعشرين درجة»، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ الدرجة.

وقد قيل: يحتمل أن يكون الدرجة في الآخرة، والجزء في الدنيا.

فإن قلت: قد علم وجه الجمع بين هذين العددين، ولكن ما الحكمة من التنصيص عليهما؟

قلت: نقل الطيبي عن التوربشتي: وأمَّا وجه قصر أبواب الفضيلة على خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين أخرى؛ فإنَّ المرجع في حقيقة ذلك إلى علوم النُّبوة التي قصرت عقول الألباب عن إدراك جملها وتفاصيلها، ولعل الفائدة فيما كشف به حضرة النُّبوة هي اجتماع المسلمين مصطفِّين كصفوف الملائكة المقربين، واقتداء بالإمام، وإظهار شعائر الإسلام، وغيرها، انتهى.

قلت: هذا لا يشفي الغليل، ولا يجدي العليل، والذي ظهر لي في هذا المقام من الأنوار الإلهية، والأسرار الربانية، والعنايات المحمَّدية: أنَّ كل حسنة بعشر أمثالها بالنص، وأنَّه لو صلى في بيته؛ كان يحصل له ثواب عشر صلوات، وكذا لو صلى في سوقه؛ كان لكل صلاة عشرًا [4] ، ثم إنَّه إذا صلى بالجماعة؛ يضاعف له مثله، فيصير ثواب عشرين صلاة، وأمَّا زيادة الخمسة؛ فلأنَّه أدى فرضًا من الفروض الخمسة، فأنعم الله عليه ثواب خمس صلوات أخرى نظير عدد الفروض الخمسة زيادة على عشرين إنعامًا وفضلًا منه عليه، فتصير الجملة خمسة وعشرين.

وجواب آخر: وهو أنَّ مراتب الأعداد آحاد، وعشرات، ومئات، وألوف، والمئة من الأوساط، وخير الأمور أوساطها، والخمسة والعشرون ربع المئة، وللربع حكم الكل.

وأمَّا زيادة السبعة؛ فقال الكرماني: «يحتمل أن يكون ذلك لمناسبة أعداد الركعات في اليوم والليلة؛ إذ الفرائض سبع عشرة، والرواتب المؤكدة عشرة» انتهى.

قلت: الرواتب المؤكدة اثني عشر؛ لحديث المثابرة، فيصير تسعة وعشرين، فلا يطابق الواقع، فنقول: يمكن أن يقال: إنَّ أيام العمر سبعة، فإذا صلى بالجماعة؛ يزاد له على العشرين ثواب سبع صلوات كل صلاة من صلوات كل يوم وليلة من الأيام السبعة، وأمَّا الوتر؛ فلعله شرع بعد ذلك.

ثم العلماء اختلفوا هل هذا الفضل لأجل الجماعة فقط حيث كانت، أو إنَّما يكون للجماعة التي تكون في المسجد لما يلازم ذلك من أفعال تختص بالمساجد؟ قال القرطبي: «والظَّاهر الأول؛ لأنَّ الجماعة هو الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم») انتهى كلام إمام الشَّارحين.

واعترضه العجلوني بأنَّ تعليله بقوله: (فإن أحدكم...) إلى آخره: يقتضي ترجيح الثاني لا سيما على رواية الفاء، انتهى.

قلت: بل الأظهر الأول؛ لأنَّ الجماعة سواء كانت في المسجد، أو في البيت، أو غيرهما لها هذا الفضل؛ لأنَّ الفضل محكوم به للجماعة مطلقًا، وأمَّا الحديث؛ فمبني على الغالب؛ بدليل ما رواه البخاري في «تاريخه»: «صلاة رجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عند الله من أربعة تترى، وصلاة ثمانية يؤمهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مئة تترى»، ويدل عليه أيضًا روايات تقدم ذكرها، فهذا كما رأيت غير مقيد بالمسجد، بل الفضل عام مطلقًا؛ فافهم.

واعترض العجلوني على قوله: (الرواتب المؤكدة اثني عشر) بأنَّ هذا لا يرد على الكرماني؛ لأنَّه مبني على مذهبه أنَّ الأربعة قبل الظُّهر مؤكدة.

قلت: هو ممنوع، فهو وإن كان موافقًا لمذهب الأئمة الحنفية إلا أنَّه يرد على الكرماني؛ حيث إنَّه ثابت في الحديث الذي ذكره، ويدل عليه ما في «الصَّحيحين»: «من ترك أربعًا قبل الظُّهر؛ لم تنله شفاعتي»، وهو شامل لما تُرِك بعضها؛ كأن صلى ركعتين، فإنَّه لا يكون مؤديًا بل تاركًا، فهو يدل على تأكيد الأربع، كما لا يخفى، ولم يرجع العجلوني عن تعصبه وعناده، والحق ما قاله إمام الشَّارحين، والعناد بعد ذلك مكابرة، والله أعلم.

[1] في الأصل: (بعضًا)، وهو تحريف.
[2] في الأصل: (تتأذ)، وليس بصحيح.
[3] في الأصل: (بحدث)، ولعل المثبت هو الصواب.
[4] في الأصل: (عشر)، وليس بصحيح.