المستند التنقيح المصابيح التلقيح الناظر الإرشاد التوشيح

806-. حدَّثنا أبو اليَمانِ، قالَ: أخبَرَنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، قالَ: أخبَرني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَعَطاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:

أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أخبَرهما: أَنَّ النَّاسَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ نَرَىَ رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: «هَلْ تُمارُونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ؟» قالُوا: لا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «فَهَلْ تُمارُونَ فِي الشَّمْسِ [1] لَيْسَ دُونَها سَحابٌ؟» قالُوا: لا [2] . قالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئًا فَلْيَتَّبِعْ [3] . فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّواغِيتَ، وَتَبْقَىَ هَذِهِ الأُمَّةُ فيها مُنافِقُوها، فَيَأتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذا مَكانُنا حَتَّىَ يَأتِيَنا رَبُّنا، فَإِذا جاءَ رَبُّنا عَرَفْناهُ. فَيَأتِيهِمُ اللَّهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ [4] الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئذٍ أَحَدٌ إلَّا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ [/ج1ص160/] مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدانِ؟» قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «فَإِنَّها مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلَّا اللَّهُ، تَخْطَفُ [5] النَّاسَ بِأَعْمالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّىَ إذا أَرادَ اللَّهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ اللَّهُ المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ على النَّارِ أَنْ تَأكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأكُلُهُ النَّارُ إلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا [6] فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءُ الحَياةِ، فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، ثُمَّ يَفْرُغُ اللَّهُ مِنَ القَضاءِ بَيْنَ العِبادِ، وَيَبْقَىَ رَجُلٌ بَيْنَ الجَنَّةِ والنَّارِ، وهو آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الجَنَّةَ، مُقْبِلٌ [7] بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ [8] النَّارِ، قَدْ [9] قَشَبَنِي رِيحُها، وَأَحْرَقَنِي ذَكاؤُها [10] . فَيَقُولُ: هَلْ عَسيْتَ إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ. فَيُعْطِي اللَّهَ ما يَشاءُ [11] مِنْ عَهْدٍ وَمِيثاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عن النَّارِ، فَإِذا أَقْبَلَ بِهِ على الجَنَّةِ رَأَىَ بَهْجَتَها سَكَتَ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قالَ: يا رَبِّ قَدِّمْنِي عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ والْمَيثِاقَ [12] أَنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟! فَيَقُولُ: يا رَبِّ، لا أَكُونُ [13] أَشْقَىَ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَما عَسيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ لا تَسْأَلَ [14] غَيْرَهُ؟ فَيَقُولُ: لا وَعِزَّتِكَ، لا أَسْأَلُ [15] غَيْرَ ذَلِكَ. فَيُعْطِي رَبَّهُ ما شاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إلىَ بابِ الجَنَّةِ، فَإِذا بَلَغَ بابَها، فَرَأَىَ زَهْرَتَها، وَما فيها مِنَ النَّضْرَةِ والسُّرُورِ، فَيَسْكُتُ ما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ أَدْخِلْنِي الجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: وَيْحَكَ يا ابْنَ آدَمَ، ما أَغْدَرَكَ! أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ العُهُودَ [16] والْمِيثاقَ [17] أَنْ لا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ؟! فَيَقُولُ: يا رَبِّ، لا تَجْعَلْنِي أَشْقَىَ خَلْقِكَ. فَيَضْحَكُ اللَّهُ عَزَّ وَجلَّ مِنْهُ [18] ، ثُمَّ يَأذَنُ لَهُ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ: تَمَنَّ. فَيَتَمَنَّىَ حَتَّىَ إذا انْقَطَعَ [19] أُمْنِيَّتُهُ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وَجلَّ: مِنْ كَذا وَكَذا [20] . أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ، حَتَّىَ إذا انْتَهَتْ بِهِ الأَمانِيُّ، قالَ اللَّهُ تَعالَىَ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قالَ أبو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «قالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثالِهِ». قالَ أبو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ [21] مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَوْلَهُ: «لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ». قالَ أبو سَعِيدٍ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يقولُ: «ذَلِكَ لَكَ [22] وَعَشَرَةُ أَمْثالِهِ».

الأطراف



[1] في رواية أبي ذر والأصيلي: «في رُؤيةِ الشمسِ».
[2] في رواية الأصيلي زيادة: «يا رسول الله».
[3] ضبطت في (ن): «فليتبَعْ»، وأهمل ضبطها في (و)، وفي رواية أبي ذر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «فَلْيَتْبَعْهُ».
[4] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «ويُضْرَبُ».
[5] في رواية الكُشْمِيْهَنِيّ: «فتخطِف» بالتاء والياء (ن، ق)، وضبطت روايته في (و) بالتاء فقط، وضبطت روايته في (ب، ص): «فَتَخْتَطِفُ».
[6] بضم التاء المثناة الفوقية وكسر الحاء، وبفتحهما أيضًا، هكذا بالضبطين في اليونينية.
[7] في رواية أبي ذر وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «مُقبِلًا» بالنصب.
[8] في رواية الحَمُّويي والمُستملي: «من».
[9] في رواية أبي ذر: «فقد».
[10] في رواية أبي ذر: «ذَكاها».
[11] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر: «ما شاء».
[12] في رواية أبي ذر والأصيلي: «والمَواثِيقَ».
[13] في رواية الكُشْمِيْهَنِيِّ: «لا أكُونَنَّ».
[14] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «أنْ تسأل».
[15] في رواية أبي ذر والأصيلي وابن عساكر ورواية السَّمعاني عن أبي الوقت: «لا أسألُكَ».
[16] هكذا في رواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ أيضًا: بالجمع، وفي روايته عن الحَمُّويي والمُستملي: «العَهْدَ» بالإفراد.
[17] في رواية أبي ذر والكُشْمِيْهَنِيّ: «والمَواثِيقَ».
[18] لفظة: «منه» ليست في رواية الأصيلي.
[19] في رواية الأصيلي ورواية أبي ذر عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: «انقطعَتْ».
[20] في رواية أبي ذر: «زِدْ من كذا وكذا»، وفي رواية ابن عساكر: «تَمَنَّ كذا وكذا».
[21] في رواية أبي ذر عن الحَمُّويي والمُستملي: «لم أحفظه».
[22] في رواية الكُشْمِيْهَنِيّ: «لك ذلك».





الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه
اسم المؤلف الكامل : البخاري أبو عبد الله محمد بن إسماعيل
تاريخ الوفاة : 256
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : اللجنة العلمية بدار الكمال المتحدة
الأجزاء : 9
حول الكتاب : قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:
اعْلَمْ علّمني الله وإياك، أنَّ آثارَ النبيّ صلى الله عليه وسلم لم تكن في عصر أصحابه وكبار تبعهم مُدَوَّنَةً في الجوامع ولا مُرَتَّبَةً لأمرين: أحدهما: أنهم كانوا في ابتداء الحال قد نُهُوا عن ذلك خشية أن يختلطَ بعضُ ذلك بالقرآن العظيم. وثانيهما: لِسَعَةِ حفظهم وسيلانِ أذهانهم، ولأنَّ أكثرهم كانوا لا يعرفون الكتابة. ثم حَدَثَ في أواخر عصر التابعين تدوينُ الآثار وتبويبُ الأخبار، لمّا انتشر العلماءُ في الأمصار، وكَثُرَ الابتداع من الخوارج والروافض ومنكري الأقدار.
فأولُ من جَمَعَ ذلك: الربيعُ بنُ صَبِيح، وسعيدُ بن أبي عَروبةَ، وغيرهما، وكانوا يُصَنِّفون كُلّ بابٍ على حِدَة، إلى أن قام كبارُ أهل الطبقة الثالثة فَدَوَّنوا الأحكام، فصنَّف الإمام مالك الموطأ، وتوخَّى فيه القَويَّ من حديث أهل الحجاز، ومَزَجَه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومَنْ بعدهم. وصنَّف أبو محمد عبد الملك بن عبد العزيز بن جُرَيْج بمكة، وأبو عَمْرو عبد الرحمن بن عَمْرو الأوزاعي بالشام، وأبو عبد الله سفيان بن سعيد الثَّوْري بالكوفة، وأبو سلمة حماد بن سلمة بن دينار بالبصرة. ثم تلاهم كثيرٌ من أهل عصرهم في النَّسْج على مِنْوالهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة منهم أن يُفْرِدَ حديثَ النبيّ صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك على رأس المئتين، فصنَّف عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسيُّ الكوفيُّ مُسْنِدًا، وصَنَّفَ مُسَدَّد بن مُسَرْهَد البصري مسندًا، وصنَّف أَسْدُ بن موسى الأموي مسندًا، وصَنَّفَ نعيم بن حماد الخزاعي نزيلُ مصر مسندًا، ثم اقتفى الأئمة بعد ذلك أَثَرَهم، فقلَّ إمامٌ من الحُفَّاظ إلاّ وصَنَّفَ حديثَه على المسانيد، كالإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم من النبلاء، ومنهم من صنَّف على الأبواب وعلى المسانيد معًا: كأبي بكر بن أبي شيبة, فلمّا رأى البخاريُّ رضي الله عنه هذه التصانيفَ ورواها، وانتشق رَيَّاها واستجلى مُحَيَّاها، وَجَدها بحسب الوضع جامعة بين ما يدخل تحت التصحيح والتحسين، والكثير منها يشمله التضعيف، فلا يُقال لِغَثّه سمين، فحَرَّك هِمَّتَه لِجَمْع الحديث الصحيح الذي لا يرتاب فيه أمين، وقوَّى عزمه على ذلك ما سَمِعَه من أُستاذه أميرِ المؤمنين في الحديث والفقه: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه، وذلك فيما رواه إبراهيم بن مَعْقل النَّسفي قال: سمعتُ أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري يقول: كنا عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتُم كتابًا مختصرًا لصحيح سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فوقعَ ذلك في قلبي، فأخذتُ في جَمْع الجامع الصحيح.
ورُوِينَا بالإسناد الثابت عن محمد بن سليمان بن فارس قال: سمعت البخاريّ يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وكأنني واقفٌ بين يديه وبيدي مروحةٌ أذبُّ بها عنه، فسألت بعض المُعَبِّرين، فقال لي: أنت تذبُّ عنه الكذب، فهو الذي حَمَلني على إخراج الجامع الصحيح.
وقال أبو الهيثم الكِشْمِيْهَنِي: سمعت الفَِرَبْرِي يقول: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وَضَعْتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك وصَلَّيْتُ ركعتين.
ورُوي عنه أنه قال: صَنَّفْتُ كتاب الصحيح لستّ عشرة سنة، خرَّجْتُه من ستّ مئة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً فيما بيني وبين الله تعالى.
وفي رواية: أخرجتُ هذا الكتاب - يعني الصحيح - من زُهاء ست مئة ألف حديث.
وروى الإسماعيلي عنه أنه قال: لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا، وما تركت من الصحيح أكثر، قال الإسماعيلي: لأنه لو أَخْرَجَ كُلّ صحيحٍ عنده لجمع في الباب الواحد حديث جماعةٍ من الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كُلّ واحد منهم إذا صَحَّتْ فيصير كتابًا كبيرًا جدًا.
وقال إبراهيم بن مَعْقِلْ النسفي: سمعتُ البخاريُّ يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صحّ، وتركتُ من الصحاح كي لا يطولَ الكتاب، انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وقال عُمر بن محمد بن بُجير البُجيري: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: صَنَّفْتُ كتابي الجامع في المسجد الحرام، وما أدخلتُ فيه حديثًا حتى استخرتُ الله تعالى، وصَلَّيْتُ ركعتين، وتيقنتُ صحته.
قال الحافظ ابن حجر: الجمعُ بين هذا وبين ما تقدَّمَ أنه كان يُصَنِّفُه في البلاد: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبَه وأبوابَه في المسجد الحرام، ثم كان يُخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويَدُلُّ عليه قوله إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يُجَاوِر بمكة هذه المدة كلها.
وقد روى ابن عدي عن جماعة من المشايخ أن البخاري حَوَّل تراجم جامعه بين قبر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبره، وكان يُصلِّي لكُلّ ترجمةٍ ركعتين.
قلت: ولا يُنافي هذا أيضًا ما تقدم، لأنه يُحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوَّله من المسودة إلى المبيضة.
وقال الفِرَبْرِيّ: سمعت محمد بن أبي حاتم ورّاق البخاري يقول: رأيتُ البخاريّ في المنام خلف النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يمشي، فكُلّما رفع النبيُّ صلى الله عليه وسلم قدمَه وضع أبو عبد الله قدمَه في ذلك الموضع.
وقال الفَِرَبْرِيّ: سمعتُ النَّجْمَ بن فُضَيْل - وكان من أهل الفهم - يقول: رأيتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خرج من قريةٍ والبخاريُّ يمشي خلفه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطا خطوةً يخطو محمدٌ ويضَعُ قَدَمَه على خطوة النبي صلى الله عليه وسلم ويتبع أثره. وقال أبو سهل محمد بن أحمد المروزي: سمعتُ أبا زيد المروزي الفقيه يقول: كنتُ نائمًا بين الركن والمقام، فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: يا أبا زيد ! إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي ؟ ! فقلت: يا رسول الله وما كتابُك ؟ قال: جامع محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن حجر: إسنادُ هذه الحكاية صحيحٌ، ورواتُها ثقاتٌ أئمة، وأبو زيد من كبار الشافعية، له وجهٌ في المذهب، وقد سمع صحيح البخاري من الفَِرَبْرِيّ وحَدَّثَ به عنه، وهو أجلُّ من حدّث عن الفَِرَبْرِي.
- بيان شرط البخاري وموضوعه وعدد أحاديثه:
قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى: اعلَمْ أنَّ البخاريَّ لم يُوجَدْ عنه تصريحٌ بشرطٍ مُعَيَّن، وإنّما أُخِذَ ذلك من تسميته للكتاب، الاستقراء من تصرُّفِه. فأمَّا أولًا فإنه سمَّاه: الجامع الصحيح المُسنَد المختصَر من أمورِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُنَنِه وأيامِه. فعُلِمَ من قوله " الجامع " أنه لم يخصّ بصنْفٍ دون صِنْف، ولهذا أورد فيه الأحكامَ والفضائلَ والإخبارَ عن الأمور الماضية والآتية، وغيرَ ذلك من الآداب والرقائق. ومن قوله " الصحيح ": أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإنْ كان فيه مواضع قد انتقدها غيرُه، فقد أجيب عنها، وقد صح عنه أنه قال: ما أدخلتُ في الجامع إلا ما صَحَّ. ومن قوله " المُسنَد": أنَّ مقصوده الأصليّ تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادها ببعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت من قوله أم فِعْلِه أم تقريره، وأنَّ ما وقع في الكتاب من غير ذلك فإنما وَقَعَ تبعًا وعَرَضًا لا أصلًا مقصودًا. وأما ما عُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفِه: فهو أنه يُخرج الحديثَ الذي اتَّصل إسنادُه، وكان كُلٌّ من رواتِه عدلًا موصوفًا بالضبط، فإن قصر احتاج إلى ما يجبرُ ذلك التقصير. وخلا عن أن يكون معلولًا: أي: فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحةٌ، أو شاذًّا؛ أي: خالف راويه من هو أكثر عدلًا منه أو أشد ضبطًا مخالفةً تستلزم التنافي ويتعذّر معها الجمع الذي لا يكون متعسّفًا. وعُرِفَ بالاستقراء من تصرُّفه في الرجال الذين يُخْرِج لهم أنه ينتقي أكثرهم صُحْبَةً لشيخِه وأعرفهم بحديثه، وإن أخرج في حديث من لا يكون بهذه الصفة فإنما يُخرج في المتابعات، أو حيث تقوم له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضبطه هذا الراوي، فبمجموع ذلك وصف الأئمة كتابه قديمًا وحديثًا بأنه أصح الكتب المصنفة في الحديث. وأكثر ما فُضِّل كتاب مسلمٍ عليه بأنه يجمع المتون في موضعٍ واحدٍ ولا يُفَرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامَّةً ولا يُقَطَّعُها في الترجمة، ويُفردها ولا يخلطُ معها شيئًا من أقوال الصحابة ومَنْ بعدهم. وأمَّا البخاري فإنه يَُفَرِّقُها في الأبواب اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديث ظاهرًا أو ربما كان خفيًّا، والخفيُّ ربما حصل تداولُه بالاقتضاء، أو باللزوم، أو بالتمسُّك بالعموم، أو بالرمز إلى مخالفة مخالف، أو بالإشارة إلى أنّ بعض طُرُق ذلك الحديث ما يُعطي المقصود.
وقال الإمام النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى: كانتْ له الغايةُ المرضيةُ من التمكُّن في أنواع العلوم، وأما دقائق الحديث واستنباط اللطائف منه فلا يكاد أحدٌ يُقاربُه فيها، وإذا نَظَرَتَ في كتابه جَزَمْتَ بذلك بلا شكّ. ثم ليس مقصوده هذا الكتاب الاقتصار على الحديث وتكثير المُتُون، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبوابٍ أرادها من الأصول والفروع والزُّهد والآداب والأمثال وغيرها من الفنون، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث واقتصر على قوله: فيه فلان الصحابي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو: فيه حديثُ فلان، ونحو ذلك... وإذا عرفتَ أنَّ مقصوده ما ذكرناه فلا حَجرٌ في إعادة الحديث في مواضع كثيرة لائقة به، وقد أطبق العلماء من الفقهاء وغيرهم على مثل هذا، فيحْتَجُّون بالحديث الوارد في أبوابٍ كثيرةٍ مختلفةٍ، رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل المقدسي قال: كان البخاري رحمه الله تعالى يذكرُ الحديث في مواضعه، يَسْتَخْرِجُ منه بحُسْنِ استنباطه وغزارة فقهه معنًى يقتضيه الباب، وقل ما يُورِدُ حديثًا في موضعين بإسناد واحدٍ ولفظٍ واحدٍ، بل يُورِدُه ثانيًا من طريق صحابي آخر أو تابعي أو غيره ليَقْوَى الحديث بكثرة طُرُقِه أو مختلف لفظه، أو تختلف الرواية في وصله، أو زيادة راوٍ في الإسناد أو نقْصِه، أو يكون في الإسناد الأول مُدَلِّسٌ أو غيره لم يذكر لفظ السماع، فيُعيده بطريقٍ فيه التصريح بالسماع، أو غير ذلك، والله أعلم.
وقال الإمام ابن الصلاح: جملة ما في كتابه الصحيح سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة.
قال العلامة الزركشي: هذا الذي جَزَمَ به من العدد المذكور صحيحٌ بالنسبة إلى رواية الفَِرَبْرِي. وأمَّا رواية حماد بن شاكر فهي دونها بمئتي حديث، ودون هذه بمئة حديث رواية إبراهيم بن معقل، نقل ذلك من خطّ الشيخ أبي محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصقلي.
وقال الإمام النووي: جملةُ ما في صحيحِ البخاريّ من الأحاديثِ المسندةِ سبعةُ آلافٍ ومئتان وخمسة وسبعونَ حديثًا بالأحاديثِ المكرّرةِ، وبحذف المكررة نحوُ أربعةِ آلافٍ. وقد رأيت أن أذكرها مفصَّلة لتكون كالفِهْرِسْت لأبواب الكتاب، ويسهل معرفة مظانِّ أحاديثِه على الطّلاب.
ثمَّ أوردَ عَدَّها بالإسناد الصحيح عن الحَمُّويي، وقال: وقد رُوِّينا عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي بإسناده عن الحَمُّويي أيضًا هكذا، وهذا فصلٌ نفيسٌ يغتبطُ به أهلُ العنايةِ، والله أعلم.
وقال الحافظ الذهبي في ترجمة عبد الله بن أحمد بن حَمُّويه الحَمُّويي: له جُزْءٌ مفردٌ، عَدَّ فيه أبواب الصحيح وما في كُلِّ بابٍ من الأحاديث، فأوْرَدَ ذلك الشيخ الدِّين النَّوَوِيُّ في أول شَرْحِهِ لصحيح البخاري.
وتعقَّبَ ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بابًا بابًا مُحَرَّرًا ذلك، وقال: فجميعُ أحاديثه بالمكرر سوى المعلَّقات والمتابعات على ما حَرَّرْتُه وأتقنتُه: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مئةٍ وسبعة وتسعونَ حديثًا، فقد زادَ على ما ذكروه مئة حديث واثنان وعشرون حديثًا، على أني لا أدَّعي العصمة ولا السلامة من السهو، ولكن هذا جهد من لا جهدَ له، والله الموفق.
قلت: عدد الأحاديث في طبعة فؤاد عبد الباقي: 7563، وفي طبعة الدكتور مصطفى البغا: 7124. على أوهام للاثنين في العدِّ جزاهما الله خيرًا.
- مرتبة الجامع الصحيح ومكانته
: قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: واتفق العلماء على أن أصَحَّ المصنَّفة: صحيحا البخاري ومسلم، واتَّفق الجمهورُ على أن صحيح البخاري أصَحُّهما صحيحًا وأكثرهما فوائد.
وقد قرَّرَ الإمام الحافظ أبو بكر الإسماعيلي في كتابه (المدخل) ترجيحَ (صحيح البخاري) على (صحيح مسلم).
ونقل ابن حزم عن الحافظ أبي علي النيسابوري شيخُ الحاكم أبي عبد الله أنه قال بأرجحية صحيح مسلم.
وقد أنكر العلماء ذلك، وشككوا في صحة النقل.
قال الحافظ ابن حجر: لم يُصَرِّحْ أبو عليّ بأنَّ كتابَ مسلمٍ أصَحُّ من كتاب البخاري، بل المنقول عنه ما قدمناه بلفظه....
ووافق أبا علي على ذلك ابنُ خلدون، وهو المراد في قول العلماء: ووافقه على ذلك بعض علماء المغرب، وموافقته لا تعني شيئًا لعدم تضلعه في علم الحديث، وقد ساق السيوطي في تدريب الراوي وجوه ترجيح البخاري على مسلم فراجعه.

حول المؤلف : اسمه ونسبه:
هو الإمام العَلَم الفرد، تاج الفقهاء، عمدة المحدِّثِين، سيّد الحُفَّاظ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجُعْفي مولاهم البُخاري، كان والده أبو الحسن إسماعيل بن إبراهيم من العلماء الوَرِعِين، سمع مالك بن أنس.
روى عنه أحمد بن حفص، وقال: دخلتُ عليه عند موته، فقال: لا أعلمُ في جميع مالي درهمًا من شبهةٍ.
قال أحمد بن حفص: فَتَصَاْغَرَتْ إليَّ نفسي عند ذلك. وُلِدَ الإمام البخاري بعد صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شوال سنة أربع وتسعين ومئة ببُخارى، ونَشَأ يتيمًا، وأضرّ في صِغَرِهِ.
قال محمد بن الفضل البلخي: كان محمد بن إسماعيل قد ذهب بصرُه في صباه، وكانتْ له والدةٌ متعبِّدة، فرأتْ إبراهيمَ خليلَ الرحمن عليه السلام في المنام، فقال لها: إنَّ الله تبارك وتعالى قد ردَّ بصر ابنِكِ عليه بكثرة دعائك. قال: فأصبحتْ وقد ردَّ الله عزَّ وجلَّ عليه بصرَه.
نشأته العلميه:
أول سماعه سنة خمسٍ ومئتين، وحفظ تصانيف ابن المبارك، وحُبِّب إليه العلم من الصغر، وأعانه عليه ذكاؤه المفرط.
ورحل في آخر سنةِ عشرٍ ومئتين، بعد أن سمع الكثيرَ ببلده.
قال أبو جعفر محمدُ بن أبي حاتم ورَّاق البخاري: قلتُ لأبي عبد الله: كيف كان بَدْءُ أمرِك في طلب الحديث ؟ قال: أُلْهِمْتُ حفْظَ الحَدِيث وأنا في الكُتَّاب، فقلتُ: كم كان سِنُّكَ ؟ فقال: عشر سنين أو أقلّ.
ثم خرجت من الكُتَّاب بعدَ العشر، فجعلتُ أختلِفُ إلى الدَّاخِليِّ وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأُ للناس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيمَ، فقلت لهُ: إنَّ أبا الزُّبير لم يَرْوِ عن إبراهيم، فانتهرني، فقلتُ له: ارجع إلى الأصل إن كان عندك، فدخل ونَظَرَ فيه، ثم خرج، فقال لي: كيف هو يا غلام ؟ فقلتُ: هو الزُّبيرُ بن عَدِيّ عن إبراهيم، فأخذ القلم مني، وأَحْكَمَ كتابه، وقال: صدقت، فقال له بعضُ أصحابه: ابن كم كنتَ حينَ رددتَ عليه ؟ فقال له: ابن إحدى عشرة سنة.
قال: فلما طعنتُ في ستِّ عشرة سنة حفظتُ كُتُب ابن المبارك ووكيع، وعَرَفْتُ كلام هؤلاء، ثم خرجتُ مع أمي وأخي أحمد إلى مكة، فلما حججتُ رجع أخي بأمي، وتَخَلَّفْتُ بها في طلب الحديث. فلمَّ طعنت في ثماني عشرة سنة، جعلتُ أُصّنِّفُ قضايا الصحابة والتابعين وأقاويلهم، وذلك في أيام عُبيد الله بن موسى، وصنَّفتُ كتاب (التاريخ) إذْ ذاك عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي المقمرة، وقَلَّ اسمٌ في (التاريخ) إلا وله عندي قصة، إلا أني كرهتُ تطويل الكتاب.
وقال ورّاق البخاري: سمعتُ البخاريَّ يقول: كنتُ أختلف إلى الفقهاءِ بَمَرْوَ وأنا صبيٌّ، فإذا جئت أستحيي أن أُسَلِّم عليهم، فقال لي مؤدِّبٌ من أهلها: كم كتبتَ اليوم ؟ فقلُ: اثنين، وأردت بذلك حديثين، فضحك من حضر المجلس، فقال شيخٌ منهم: لا تضحكوا، فلعلّه يضحك منكم يومًا، فكان كما قال الشيخ.
وقال أبو بكر الأعين: كتبنا عن محمد بن إسماعيل على باب محمد بن يوسف الفِرْيابي وما في وجهه شعرة، فقلنا: ابن كم أنت ؟ قال: ابن سبع عشرة سنة.
وقال أبو جعفر الورّاق: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: قال لي محمد بن سلام البِيكَنْدِي: انْظُرْ في كتبي، فما وجدت فيها من خطأ فاضربْ عليه كي لا أرويه، قال: ففعلتُ ذلك، وكان محمد بن سلام كتب عند الأحاديث التي أحكمها محمد بن إسماعيل: رضي الفتى، وفي الأحاديث الضعيفة: لم يَرْضَ الفتى. فقال له بعضُ أصحابه: مَنْ هذا الفتى ؟ فقال: هو الذي ليس مثله! محمد بن إسماعيل.
قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: وقد بَلَغَنَا أنَّ البخاريَّ فَعَلَ هذا بكتُبُ البِيكَنْدِي وهو ابن سبع عشرة سنة أو دونها، ولم يَزَلْ رحمه الله مجتهدًا من صِغَرِه إلى آخر عُمُرِه.
شيوخه:
كانت رحلة الإمام البخاري في طلب الحديث إلى معظم البلاد، وكَتَبَ بخُراسان، ومُدُنِ العراق كلها، وبالحجاز والشام ومصر، وأخذ عن الحُفَّاظ النُّقّاد.
لَقِيَ مكيّ بن إبراهيم بِخراسان، وأبا عاصم البصرة، وعُبَيْدُ اللهِ بنَ موسى بالكوفة، وأبا عبد الرحمن المقرئ بمكة، ومحمدَ بن يوسف الفِرْيابي بالشام.
وكَتَبَ عن خَلْقٍ حتى عن أقرانه كأبي محمد الدَّارِمِيّ، وأبي زُرْعةَ وأبي حاتم الرَّازِيَيْنِ، وأشباهِهِم، حتى كَتَبَ عَمَّنْ هو دونه.
قال أبو حاتم سهل بن السري: قال محمد بن إسماعيل البخاري: لقيتُ أكثر من ألف شيخ من أهل الحجاز ومكة والمدينة والبصرة و واسط وبغداد والشام ومصر، لقيتُهم قرنًا بعد قرن، وذَكَرَ أنه رحل إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقام بالحجاز ستة أعوام. قال: ولا أُحصي كم دخلتُ الكوفة وبغداد مع محدّثي خراسان.
وقال ورَّاق البخاري: سمعتُه يقول: دخلتُ بلخ، فسألني أصحابُ الحديثِ أَنْ أُمْلي عليهم لكُلِّ من لقيتُ حديثًا عنه، فأمليتُ ألفَ حديثٍ لألف شيخ ممَّن كتبتُ عنهم، ثم قال: كتبتُ عن ألف وثمانين نفسًا، ليس فيهم إلا صاحب حديث.
وقال البخاريُّ مرّةً لورَّاقه: لم تكن كتابتي للحديث كما كَتَبَ هؤلاء، كنتُ إذا كتبتُ عن رجلٍ سألتُه عن اسمه، وكُنْيَتِه , ونِسْبَتِهِ، وحَمْلِهِ الحديثَ إنْ كان الرجل فَهِمًا، فإْن لم يكن سألتُه أن يُخرج لي أصلَه ونُسْخَتَه، وأمّا الآخرون فلا يُبالون ما يكتبونَ ولا كيفَ يكتبونَ.
وقال جعفر بن محمد القطَّان: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ وأكثر، عن كُلِّ واحدٍ منهم عشرة آلاف وأكثر، ما عندي حديث إلاّ أذكرُ إسناده.
وقال العباس الدُّوري: ما رأيتُ أحدًا يُحْسِنُ طلبَ الحديث مثل محمد بن إسماعيل، كان لا يَدَعُ أصلًا ولا فرعًا إلا قَلَعَه، ثم قال لنا: لا تَدْعُوا من كلامه شيئًا إلاّ كتبتموه.
وقال التاج السبكي: وأكثَرَ الحاكمُ في (تاريخ نيسابور) في عَدِّ شيوخ البخاري، وذِكْرِ البلاد التي دخلها، ثم قال: وإنما سَمَّيْتُ من كلِّ ناحيةٍ جماعةٌ من المتقدمين ليُسْتَدَلَّ بذلك على عالي إسناده.
تلامذته:
أخذ الحُفَّاظُ عن الإمام البخاري، وسمعوا منه، وكتبوا عنه وما في وجهه شعرة.
روى عنه مسلمٌ خارج (الصحيح)، والترمذيُّ في (جامعه)، وأبو زُرْعة وأبو حاتم الرازيان، ومحمدُ بنُ عبد الله الحضرمي مُطيَّن، وابنُ خُزَيْمة، ومحمدُ بنُ نصر المروزي، وصالحُ بنُ محمد جَزَرَة، وأبو بكر بن أبي الدنيا، ويحيى بنُ محمد بن صاعد، وأُمّمٌ لا يُحصوَن.
منزلته وثناء العلماء عليه:
كان أهلُ المعرفة من البصريين يَعْدُون خلفه في طلب الحديث وهو شابٌّ حتى يغلبوه على نفسه، ويُجلسوه في بعض الطريق، فيجتمع عليه ألوف، أكثرهم ممن يكتب ُعنه، وكان شبًّا لم يَخْرُجْ وجهُه.
وقال أبو معشر حمدويه بن الخطاب: لمّا قدم أبو عبد الله من العراق قَدْمَتَه الأخيرة، وتَلَقَّاه من تَلَقَّاه من الناس، وازدحموا عليه، وبالغوا في بِرِّه، فقيل له في ذلك، وفيما كان من كرامة الناس وبِرِّهم له، فقال: كيف لو رأيتم يوم دخولنا البصرة ؟ !
وقال أبو علي صالح بن محمد جَزَرَة: كان محمد بن إسماعيل يجلس ببغداد، وكنتُ أستملي له، ويجتمع في مجلسه أكثرُ من عشرين ألفًا.
وقال محمد بن يعقوب بن الأخرم: سمعتُ أصحابنا يقولون: لمَّا قَدِمَ البخاريُّ نيسابور استقبله أربعةُ آلاف رجل رُكْبانًا على الخيل، سوى من ركب بغلًا أو حمارًا وسوى الرَّجَّالة.
وقال سليم بن مجاهد: سمعتُ أبا الأزهر يقول: كان بسمرقند أربعُ مئةٍ يطلُبون الحديث، فاجتمعوا سبعة أيام، وأحبُّوا مغالطة محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسنادَ الشام في إسناد العراق، وإسنادَ اليمن في إسناد الحرمين، فما تَعَلَّقُوا منه بسَقْطةٍ، لا في الإسناد ولا في المتن.
وقال محمد بن يوسف البخاري: كنتُ مع محمد بن إسماعيل بمنزلة ذات ليلة، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج يستذكرُ أشياء يُعَلِّقها في ليلةٍ: ثمان عشرة مرة.
وقال محمد بن أبي حاتم الورّاق: كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر، يجمعنا بيتٌ واحدٌ إلا في القيظ أحيانًا، فكنتُ أراه يقوم في ليلةٍ واحدةٍ خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كُلِّ ذلك يأخذ القداحة، فيُوري نارًا ويُسْرج، ثم يُخرِج أحاديث فيُعلّم عليها.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ هانئ بن النضر يقول: كُنَّا عند محمد بن يوسف الفِرْيابي بالشام، وكنا نَتَنَزَّه فِعْلَ الشباب في أكل الفِرْصاد، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يُزاحمنا في شيءٍ مما نحن فيه، ويُكِبُّ على العلم.
وقال ابن عدي: وكان ابنُ صاعدٍ إذا ذكر محمد بن إسماعيل يقول: الكبش النَّطَّاح.
وقال الترمذي: لم أرَ أحدًا بالعراق ولا بخُراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم َمن محمد بن إسماعيلَ.
وقال محمد بن أبي حاتم: سمعتُ محمودَ بن النضرِ أبا سهلٍ الشافعيّ يقول: دخلتُ البصرة والشام والحجاز والكوفة، ورأيتُ علماءَها كلّها، فكُلّما جرى ذِكرُ محمد بن إسماعيل فَضَّلُوه على أنفسهم.
وقال حاتم بن مالك الورّاق: سمعتُ علماء مكة يقولون: محمد بن إسماعيل إمامُنا، وفقيهُنا، وفقيهُ خُراسان.
وقال خلف بن محمد: سمعتُ أبا عَمْرو أحمد بن نصر الخَفَّاف يقول: حدثنا محمد بن إسماعيل البخاريُّ التقيُّ النقيُّ العالمُ الذي لم أرَ مثله.
وقال أبو أحمد الحاكم: كان البخاريُّ أحدَ الأئمة في معرفة الحديث وجَمْعِه، ولو قلتُ إني لم أرَ تصنيفَ أحدٍ يُشْبِهُ تصنيفَه في المبالغة والحسن، لَرَجَوْتُ أَنْ أكونَ صادقًا.
وقال الترمذي: كان محمد بن إسماعيل عند عبد الله بن منير، فلمّا قام من عنده قال له: يا أبا عبد الله، جَعَلَكَ الله زَيْنَ هذه الأمةَ. قال الترمذي: استُجيبَ له فيه.
وقال حاشد بن إسماعيل: سمعتُ أحمد بن حنبل يقول: لم يجئنا من خُراسان مثل محمد بن إسماعيل.
وقال أبو حاتم الرازي: محمد بن إسماعيل أعلمُ مَنْ دخل العراق.
وقال أبو عبد الله الحاكم: محمد بن إسماعيل البخاري إمامُ أهل الحديث.
وقال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيْمة: ما رأيتُ تحت أديم السماء أعلمَ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظَ له من محمد بن إسماعيل.
وقال الحاكم: سمعتُ محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعتُ أبي يقول: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يدي البخاري يسأله سؤال الصبيّ.
وقال أحمد بن حمدون القصَّار: سمعتُ مسلم بن الحجَّاج وجاء إلى البخاري فقال: دَعْنِي أُقَبِّلْ رِجليك يا أُستاذ الأُستاذِين، وطبيبَ الحديث في عِلَلِه.
وقال إبراهيم الخوَّاص: رأيتُ أبا زُرْعة كالصبيّ جالسًا بين يدي محمد بن إسماعيل، يسألُه عن عِلَل الحديث.
وقال الإمام أبو العباس القرطبي: وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواء علم الحديث المنشور، صاحبُ (التاريخ) و (الصحيح)، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أحدُ حُفَّاظ الإسلام، ومن حفظ الله به حديثَ رسوله عليه الصلاة والسلام.
شَهِدَ له أئمةُ عصرِه بالإمامة في حِفْظِ الحديث ونَقْلِه، وشَهِدَتْ له تراجمُ كتابه بفَهْمِه وفِقْهِه.
وقال الإمام النووي: واعلم أنَّ وَصْفَ البخاري رحمه الله بارتفاع المحلّ والتقدُّم في هذا العلم على الأماثل والأقران مُتَّفقٌ عليه فيما تأخر وتقدَّم من الأزمان، ويكفي في فَضْلِه أن مُعْظَمَ مَنْ أَثْنَى عليه ونَشَرَ مناقَبه شيوخُه الأعلام المبرّزون، والحُذَّاقُ المُتْقِنُون.
وقال الحافظ المِزِّي: إمام هذا الشأن، والمُقْتَدَى به فيه، والمُعَوَّل على كتابه بين أهل الإسلام.
وقال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: تَخَرَّجَ به أرباب الدراية، وانتفع به أهلُ الرواية، وكان فَرْدَ زمانِه، حافظًا للسانِه، وَرِعًا في جميع شأنِه، هذا مع عِلمِه الغزير، وإتقانه الكثير، وشدَّةِ عنايتِه بالأخبار، وجَوْدةِ حِفْظِه للسُّنَنِ والآثار، ومعرفتِه بالتاريخ وأيام الناس ونَقْدِهم، مع حفظِ أوقاته وساعاته، والعبادةِ الدائمة إلى مَمَاتِه.
وقال أيضًا: ولقد كان كبيرَ الشأن، جليلَ القدر، عديمَ النَّظِير، لم يرَ أحدٌ شكلّه، ولم يُخلف بعده مِثْلَه.
وقال الحافظ ابن حجر: جَبَلُ الحفظ، وإمامُ الدنيا في فِقْه الحديث.
وقال الحافظ السخاوي: ومَنْ تأمَّلَ اختياراتِه الفقيهةَ في جامعه عَلِمَ أنه كان مجتهدًا، مَوَفَّقًا مُسَدَّدًا، وإنْ كان كثيرَ الموافقةِ للشافعي.
توفي الإمام البخاري ليلة السبت عند صلاة العشاء، ليلة الفطر، ودُفِنَ يوم الفطر بعد صلاة الظهر، يوم السبت مستهلّ شوال من شهور سنة ستّ وخمسين ومائتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ويم يُعقب ذكرًا، ودُفِنَ بخَرْتَنْك قريةٍ على فرسخين من سمرقند.

عملنا : التعريف بالنسخة اليونينية ومنهج عملنا فيها
شغلَت قضيةُ ضبط وإتقان نسخةٍ من الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله البخاري رحمه الله تكون عُمدةً لطلَّاب العلم المحققين ومثابةً للباحثين المدققين وأمنًا للقراء النابهين من زَلَّات الوهم والخطأ أو شطحات التحريف والتصحيف، شغلت هذه القضية ضمائرَ الكِبار من أئمة العلم - سواءً المختصين بالرواية منهم أو المتخصصين بالدراية - منذ طبقة تلاميذ الإمام البخاري رحمه الله فهُلُمَّ جرًا جيلًا بعدَ جيلٍ، إلى الحد الذي أوجب الرحلةَ على كثير من هؤلاء العلماء إلى آفاق الدنيا طلبًا منهم لتحصيل أصلٍ أصيلٍ متقَنٍ يُلجِمون به شِماسَ الاختلاف في ضبط ألفاظ وروايات هذا الكتاب الفَذِّ الذي أَذِنَ الله تعالى له أن يُرفَع.
وما زال العلماء على جادتهم في ذلك السعي المبارَك لاحِقًا تِلوَ سابقٍ حتى بلغَت تلك العُهدةُ المقدَّسةُ ذِمةَ الإمام شرَف الدين أبي الحُسين علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الهاشمي الحُسَيني الحنبَلي الشهير باليُونِينِيِّ (المولود ببعلبك سنةَ إحدى وعشرين وست مئةٍ، والمتوفى فيها سنةَ إحدى وسبع مئة) رحمه الله، فأولاها كلَّ اهتمامه، وبَذَل لأجلها خلاصةَ عُمره، وصَرف إليها جَهدَ جُهدِه، حتى كانت مسألَةُ ضبط صحيح البخاري قضيةَ حياته؛ فقد ذكَر تلميذُه الإمامُ الذهبي رحمه الله أنه قابَلَ الصحيحَ في سنةٍ واحدةٍ فقط بضعَ عشرةَ مرة !
وكان رحمه الله لصدق نيته وإخلاص قصده قد أُمِدَّ بعناية الله تعالى وأُعِينَ بتوفيقه سبحانه؛ فتحصَّل لديه من الأصول النفيسة والنسخ القيمة من صحيح البخاري ما شَدَّ أَسْرَه ورسَّخ عزيمتَه وآزَر هِمَّتَه لإتقان نسخةٍ كانت في حياته وبعدَ موته مقصَدَ رحلة الطلَّاب وقِبلةَ تحصيلهم، فقد حازَ الإمام اليونيني رحمه الله من نُسخ الصحيح المعتمَدة:
1- نسخةَ إمام ومحدِّث البلاد الشامية ومؤرِّخها: أبي القاسم ابن عساكر رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (س).
2- ونسخةَ الحافظ الجوَّال إمام مكة المكرمة: أبي ذَرٍّ الهَرَوي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ه).
3- ونسخة إمام المغاربة وقُطبِ رَحى رواياتهم: أبي محمد الأصيلي رحمه الله، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ص).
4- ونسخةً مسموعةً على حافظ المشرق الإمام أبي الوقت عبد الأول السِّجْزِي، وقد قرأها عليه - في ضمن مَن قرأها - الحافظ الإمام أبو منصور السَّمْعاني، رحمهم الله جميعًا، وهي الموقوفة في المدرسة السُميساطية، وهي المرموز لها عنده بالرمز: (ط).
فاعتَمَد على هذه الركائز وعلى غيرها من النسخ والروايات ليُقيم على أساسها صرحًا مُمرَّدًا طارت شهرتُه في الآفاق وسَدَّت سمعتُه مسَدَّ الليل والنهار، فرحل إليه الناس ليسمعوا منه الصحيح، ثم انضاف إلى ذلك أنه عَقَد إحدى نَوبات الإسماع لهذه النسخة بحضرة شيخه الإمام ابن مالك العلامة النحوي الشهير الذي كان قد سأله أهلُ العلم بدمشقَ عندما حَلَّ بها أنْ يوضِّح ويصحِّح لهم مشكلات ألفاظ روايات صحيح البخاري، فأجابهم إلى ذلك معتمِدًا في ضبط الروايات على حكومة الإمام اليونيني، فمن هاهنا ترسَّخَت عنايةُ مَن جاء بعد الإمام اليونيني من طلَّاب العلم بنسخته؛ لأنها صارت في حقيقتها بعد هذه النوبة نسخةً صادرةً عن مَجمَعٍ علمي بأكمله لا عن شخص منفردٍ؛ لأن الحاضرين لمجالس الإسماع كانوا ينظرون في نسخ معتمدة متابعين ومتتبعين لما يقرأه الإمام اليونيني كما وصف ذلك في آخر نسخته، ناهيك عن أنَّ أصول الإمام اليونيني كانت هي الأخرى نسخًا مقروءة ومصححة على أصحابها من الحفاظ.
ثم تتابعت الجهود من قِبَل العلماء في نَسخ هذه النسخة والنقل عنها فتعدَّدت بذلك الفروع المنقولة عنها ووقع فيها هي الأخرى الاختلافُ الذي وقع مِن قَبلُ في روايات الصحيح، حتى كانت سنةُ إحدى عشر وثلاث مئةٍ بعد الألف، حيث صَدَر الأمر السلطاني إلى مشيخة الأزهر بالقاهرة من قِبَل السلطان عبد الحميد الثاني رحمه الله بطباعة هذه النسخة المؤيَّدة بالقَبول، فقامت اللجنة العِلمية المُكلَّفة بذلك المشروع بجمع أفضل الفروع المنقولة عن اليونينية التي استطاعوا الوقوفَ عليها، ثم قاموا بتحقيق نص اليونينية وضبطه على عدة نسخٍ مضبوطةٍ مصحَّحة فيما صَرَّحوا به في مقدمة طبعتهم، لكنهم - وللأسف - لم يُفيدوا المُطالِعَ شيئًا عن حقيقة تلك الأصول التي اعتمدوها ولا أشبعوا نهمةَ الباحث بوصفهم حالَ تلك الأصول وصفًا يرسِّخ الثقةَ بجهودهم، نقول هذا غيرَ مُنكرِي فضلِهم، بل نقولُه ونحن شاكرون لسعيهم في ما بَذَلوا، داعين الله تعالى أن يجزيهم أحسنَ ما يجزي عِبادَه الصالحين.
وقد لاقَت تلك الطبعةَ حظَّها الوافرَ من الشهرة والقَبُول والعَمادة والرَّواج في الأوساط العلمية والأسواق التجارية على حدٍّ سواء، بيد أن المحققين من العلماء لم يمنعهم ذلك النجاح ولا ردَّهم ذلك الانتشار أن يُعيدوا النظرَ بين المدة والأُخرى في ضبط نص اليونينية، أو ضبط رموز الروايات التي لا تخلو من وقوع بعض الاشتباه في قراءتها أو في تحديد مواطن ورودها، أو إبداء بعض الملاحظات وتوجيه بعض الانتقادات إلى الطبعة السلطانية، معتمدين في كَرِّهم ذلك على نسخ جديدة يقِفون عليها لم يكن محققو السلطانية قد اعتمدوا عليها أو لم يرَوها أصلًا حالَ مباشرتهم العمل، كما في الطبعة التي أشرف عليها العلامة أحمد محمد شاكر رحمه الله، أو معتَبِرين لبعض الفوائد العلمية المتممة لجهود محققي السلطانية والتي لا دخلَ لها بضبط اليونينية؛ كالإحالة إلى مَن وافق البخاري في تخريج الحديث مِن باقي أصحاب الكتب الستة أو ربط الكتاب بأهم شروحه، كما في الطبعة التي قدَّم لها الشيخ الفاضل محمد زهير الناصر، أو مراعِين لتنسيق فصول وتقاسيم الصحيح (الكتب والأبواب) مما أخلَّ به مَن سبقهم إلى تحقيق الصحيح، كما في الطبعة التي قدَّم لها العلامة عبد الغني عبد الخالق رحمه الله.
وعلى الرغم من كل هذه الجهود التي بُذلت في إعادة طباعة السلطانية إلا أن بعض أهل العلم ما زال يرى أنها بحاجة إلى إعادة نظر؛ نظرًا إلى وقوع الخطأ والسهو اللذين لا يخلو جهدٌ إنسانيٌّ منهما، وقد ارتأت دار الكمال إعادة العمل في تحقيق النسخة اليونينية راكنةً إلى عِدة دوافع وأسباب، يمكِن إجمالُها بالتالي:
السبب الأول: الوقوف على بعض فروع اليونينية العالية الجودة والبالغة الدقة والفائقة الضبط والإتقان، وهي:
أولًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم؛ منهم: أبو حيان النحوي، وابن التركماني، وابن سيد الناس، والحافظ العراقي، والبُلقيني، وابن الملقن، والهيثمي، وأبو زرعة العراقي، والدجوي، والأشموني، وغيرهم، كما هو مثبَت في حواشيها، خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري، وقد جاء وصفها بالبطاقة المرفقة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ ن ] .
ثانيًا: أصل خطي نفيس؛ منقول عن نسخة اليونيني، وهو أصل مُعتنى به متداوَل تعاقَبَت عليه قراءات كِبار أئمة العلم أيضًا؛ خطه واعتنى به الأديب المؤرخ أحمد بن عبد الوهاب النويري أيضًا ، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ و ] .
ثالثًا: نسخة لعلها نسخة العلامة إمام الحجاز عبد الله بن سالم البصري (ت 1134)، ونسخته من أشهر فروع اليونينية وأتقنها عند العلماء، وهي أحد أهم الأصول المعتمَدة من قِبَل محققي الطبعة السلطانية، وقد اكتسبت عَمادَتَها من حيث كونها منقولة عن أصل اليونيني ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، وهي مقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
رابعًا: نسخة بخط العلامة إبراهيم بن علي القيصري المكي الحنفي، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ألف ومئة وسبعة عشر في مكة المكرمة، تجاه الكعبة المعظمة ، وهي نسخةٌ نفيسة، لا تنزل عن نسخة البصري في الرتبة، بل تعلوها أحيانًا ، وهي منقولة من نسخة اليونيني أيضًا ومقابلة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة بالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة بعضها منقول عن الحافظ السخاوي، مما يشير إلى أنها منقولة من نسخة قرأت عليه، وهي المرموز لها في حواشينا بالرمز: [ب] .
كما استعنا بنُسخ أخرى منقولة عن اليونينية أو عن فروعها هي أقل دقةً وجودةً وإتقانًا من النُّسخ السابقة الذِّكر، لكنها تساعد عند اختلافهن، وأفضل هذه النُّسَخ:
نسخة بخط العلامة إسماعيل بن علي بن محمد البِقَاعي (ت 807)، وهي فرع عن اليونينية انتهى من كتابتها سنةَ ثمان مئة في دمشق، وهي نسخةٌ نفيسة قال عنها الحافظ ابن حجر: (مجلدةٍ واحدةٍ عديمة النظير).
نسخة من مصورات الشيخ ثناء الله الزاهدي، وهي نسخة جيدة منقولة ومقابلَة على عدة نسخ من فروع اليونينية، ومقارنة أيضًا بشروح الصحيح المشهورة كالفتح لابن حجر والإرشاد للقسطلاني، وعليها تعليقات مفيدة.
خامسًا: الوقوف على أصول تُقارب الأصول التي اعتمدها الإمام اليونيني نفسه في ضبط نسخته، وهي:
أ- قطعتان نفيستان من رواية أبي ذر الهروي:
- الأولى: قطعة نفيسة يرويها عنه ابنه أبو مكتوم.
- الثانية: قطع متفرقة من رواية ابن الحُطَيئة، وهذه الرواية إحدى عُمَد اليونيني كما جاء في آخر [ن] .
ب- نسخة كاملة من رواية أبي ذر الهروي، منقولة عن نسخة الحافظ أبي علي الصَّدَفي.
ج- نسخة كاملة من رواية أبي الوقت السِّجْزِي، جيدة الخط، وعليها سماعات مهمة.
د- قطع من رواية الأصيلي.
السبب الثاني: عدم مراعاة الطبعات السابقة (بما فيها الطبعة السلطانية) قضيةَ الحِفاظ على خصوصية النسخة اليونينية، والوقوع في خطأ خلط فكرة طباعة هذه النسخة بمسألة ضبط صحيح البخاري عمومًا، فكانت بعض الطبعات تحذف بعض الاختلافات التي قيَّدها اليونيني رحمه الله؛ ظَنًّا من المشرفين عليها أن مثل هكذا اختلافات غير ضرورية ولا مهمة، فارضين بذلك التصرف ظلالَ شخصياتهم على آثار شخصية اليونيني في اختياراته. وفي المقابل كانت هناك بعض الطبعات (كالسلطانية) تُضيف إلى الاختلافات التي قيَّدها اليونينيُّ اختلافاتٍ أخرى لم يُوردها؛ معتمدين في ذلك على كلام الأئمة الذين شرحوا صحيح البخاري كالحافظ ابن حجر والقسطلاني وغيرهما، فوقعوا بذلك في نفس الإشكالية.
وكذلك الحال في مسألة ضبط المتن الذي اختاره اليونيني لنسخته، فقد همَّش رحمه الله بعض الأحاديث الواردة في روايات الصحيح أو بعض الأبواب أو بعض العبارات والكلمات، فأدخلها القائمون على طباعة نسخته في المتن، وأحيانًا فعلوا العكسَ؛ فهمَّشوا ما أثبتَه في المتن.
وكذلك الحال في عَدِّ الكتب والأبواب وضبط المفرَدات الغريبة.
السبب الثالث: الحاجة العلمية الملحة إلى فَكِّ الرموز الموجودة في حواشي اليونينية؛ دَفعًا للالتباس الذي وقع فيه كثيرٌ من المعتنين بطباعة هذه النسخة، بل وحتى من المعتنين بشرحها كالإمام القسطلاني؛ وذلك نظرًا إلى انتفاء الحاجة إلى تلك الرموز التي أوجبتها على السابقين من العلماء ظروفٌ اقتصادية وتقنية بحتة قد انتفت مبرراتها في عصرنا الراهن ولله الحمد، وإلا فإن قضية الخوف من وقوع الخطأ لدى العلماء بسبب استخدام الرموز اختصارًا قد ناقشها أئمة العلم في مباحثهم المتعلِّقة بضبط النسخ والمخطوطات.
السبب الرابع: الاستجابة الواعية والتحرُّك الفعَّال للدعَوات التي نادى بها كثيرٌ من أهل العلم المعاصرين منبِّهين إلى ضرورة صَرف العناية إلى إخراج نسخةٍ متقَنةٍ مضبوطةٍ لصحيح الإمام البخاري رحمه الله، خصوصًا في خِضَمِّ هذه العاصفة الهوجاء التي يشنُّها أعداء الإسلام المشكِّكين بأصالة الجهود التي قام بها أئمة العلم في الحِفاظ على سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبط كلماته، ومما لا شكَّ فيه أن النسخة اليونينية هي أفضل ما يتدَرَّع به المسلمون اليومَ ضدَّ هذه السهام المسمومة الموجَّهة من قِبَل أذناب الشعوبيين والملحدين عن سبق إصرارٍ وترصُّد لقتل ثقةِ الضعفاء الخائرين الحائرين بنقاء وسلامة الشريعة الغراء من أي شائبة شكٍّ أو عدم اطمئنانٍ تشوبُ حياضها أو تعكِّر صفوَ واحتها للواردين على اختلاف مشاربهم.
أما منهج العمل في تحقيق النسخة اليونينية الذي اتبعناه فيمكن إجماله بالتالي:
أولًا: تدقيق وضبط رموز الروايات التي اصطلح عليها الحافظ اليونيني في نسخته؛ وذلك باتباع الخطوات الآتية:
أ- اعتماد النسخة [ن] أصلًا، وعدم مخالفته إلا فيما يتبيَّن لنا فيه خطأُه يقينًا.
ب- مراجعة الرموز الواردة في [ن] مع فروع اليونينية والنسخ المذكورة سالفًا، إضافةً إلى مراجعتها مع شروح الصحيح، وأهمها: فتح الباري لابن حجر، وإرشاد الساري للقسطلاني.
ج- مقارنة الرموز مع الطبعة السلطانية، وتتميم الرموز التي أهملَ بعضَها مصححو السلطانية.
د- التنبيه المجرَّد إلى الاختلافات التي تقع بين الأصول في ضبط الرموز فيما لم يتبيَّن لنا فيه وجه الصواب.
هـ- التنبيه إلى وقوع الخطأ أو الوهم في السلطانية أو في إرشاد الساري بعبارة: قارن بـما في الإرشاد أو بـما في السلطانية أو بهما معًا.
و- إهمال بعض فروق الروايات التي ذُكرت في بعض الأصول استدراكًا وإتمامًا للفائدة، والتي أهملها اليونيني ولم يقيِّدها في نسخته؛ مراعاةً لمقصدنا في ضبط النسخة اليونينية خصوصًا لا ضبطِ صحيح البخاري عمومًا.
ثانيًا: فكُّ الرموز التي استخدمها الحافظ اليونيني في ضبط اختلاف الروايات وذِكرُها مفروشةً؛ تسهيلًا وتيسيرًا على القارئ من معاناة مراجعة مقاصد الرموز حالَ الحاجة إلى ذلك.
إثباتُ المذكور في (أولًا وثانيًا) ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بضبط الرواية.
ثالثًا: ترقيم الأحاديث وأطرافها باعتماد ترقيم الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي، وكذلك الحال في ترقيم الكتب والأبواب؛ لاشتهار ترقيمه بين الناس واعتماد أغلب المحققين العَزوَ إليه، مع ترقيمنا الحديثي للكتاب على أساس الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الطرق في الحديث المتصل بالنسبة لشيوخ البخاري.
وقد نبَّهْنا في هامش نشرتنا إلى أماكن انتهاء صفحات الطبعة السلطانية بالعزو إلى الجزء والصفحة؛ مراعاةً لشهرتها وما حظيت به من القَبول والعَمَادَة في الأوساط العلمية، وحِفظًا لمرجعيتها عند الكثير من العلماء والباحثين والمحققين الأفاضل بعَدَم تفويت فائدة ما دَرَجوا عليه من الإحالة إليها على القارئ.
رابعًا: ذِكرُ مَن شارَك الإمامَ البخاريَّ تخريجَ الحديث من باقي أصحاب الكتب الستة، بمُراعاة موطِن الشاهد في الحديث والمتعلِّق بمقصد الإمام البخاري في تبويبه، دونَ مراعاة اختلاف الأسانيد والألفاظ بينهم إذا اتفقوا على الصحابي، مع الإحالة إلى تحفة الأشراف للحافظ المزي لِمَن أراد تقصِّي ذلك الاختلاف.
خامسًا: عَزو الأحاديث والآثار المعلَّقة التي أخرجها البخاري في صحيحه متصلة في موضع آخر إلى ذاك الموضع بذكر رقمه في نهاية المعلق، وذكر من وصل المعلق من أصحاب الكتب الستة في الحاشية وإلا إن لم يكن متصلًا في البخاري ولا في كتب أحد أصحاب الكتب الستة فنعزوه إلى كتاب تغليق التعليق للحافظ ابن حجر؛ ليتسنَّى لمَن شاء من الباحثين الاطلاعُ على مَن وصَلَ هذه الآثارَ من أصحاب الكتب والمصنَّفات.
سادسًا: تقييد الفوائد العلمية المهمَّة الواردة في هوامش اليونينية أو في حواشي أصولنا المعتمَدة.
إثبات المذكور في (ثالثًا) إلى (سادسًا) كلِّه ضمن حاشيةٍ مستقلَّة مختَصَّة بالفوائد العِلمية معزولةٍ عن حاشية ضبط الرواية.
سابعًا: المحافظة على رموز الضبط التي دَرَج على استعمالها أئمة العلم في نسخهم؛ كالتضبيب والتصحيح وعلامة الدائرة المنقوطة آخر كل حديث، وغيرها باستخدام التقنيات الإخراجية الحديثة؛ إحياءً لسنتهم ومَدًّا لظلال طريقتهم المبارَكة في إتقان الكتب.
هذا، ونسأل الله تعالى أن يتقبَّلنا بقَبولٍ حسَنٍ خُدَّامًا مُحرَّرين للدفاع عن حِياض شريعته، وأن يجعل عَملنا هذا سببًا لبلوغ أيدينا إلى يد رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عندَ ورودنا حَوضه لنشرب من يُمناه الشريفة شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا، إنه هو البَرُّ الرحيم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

806- ( وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ ) بالفتح.

( تُمَارُونَ ) بتخفيف الراء من المرية، وهي: الشك، وكلام الخطَّابي يقتضي أنَّه بفتح التاء؛ لأنَّه قال: أصله يتمارون. وقال السَّفاقُسِي: الذي ضبطته بضمها.

( فَلْيَتَّبِعْ ) بإسكان التاء المثناة وتشديدها، وروي: «فليتبعه».

( هَذَا مَكَانُنَا ) بالرفع على الخبرية.

( ظَهْرَانَيْ ) بفتح النون، أي: وسطها.

( أَوَّلَ مَن يَجُوزُ ) وَفِي رِوَايَةٍ: «يجيز»، وَهِيَ لغة [في يجوز] [1] ، يقال: جاز وأجاز بمعنى، أي: يقطع مسافة الصراط.

( السَّعْدَانِ ) بفتح أوله نبت ذو شوك من جيد مراعي الإبل يضرب به المثَل، يقال: «مرعىً ولا كالسعدان». [/ج1ص220/]

( تَخْطَفُ ) بفتح الطاء في الأفصح ويجوز كسرها.

( يُوبَقُ ) قال ابن قرقول: بموحدة، أي: يهلك، وللطبري بمثلثة من الوثاق [2] .

( يُخَرْدَلُ ) بخاء معجمة ودال مهملة، أي: جعل أعضاءه كالخردل، وعن أبي عبيد بإعجام الذال، وللأصيلي بالجيم بمعنى الإشراف على الهلاك.

( امْتَحَشُوا ) بمثناة مفتوحة، ذكره القاضي عن المتقنين، وروي بضم التاء وكسر الحاء: انقبضوا واسودُّوا.

( الْحِبَّةُ ) بحاء مكسورة، سبق في كتاب العلم [خ¦22] [3] .

( قَشَبَنِي ) بقاف وشين معجمة وباء موحدة مفتوحات، أي: سمَّنِى، وكل مسموم قشيب. [4]

( فأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا ) بفتح الذال المعجمة والمد: لهبها، والأشهر في اللغة القصر، قاله النووي رحمه الله.

( هَلْ عَسِيْتَ ) بكسر السين، ويجوز فتحها.

( إنْ ) بكسر [إن] [5] مخففة.

( فُعِلَ ) بضم أوله. [/ج1ص221/]

( أَنْ تَسْأَلَ ) بفتح [أن] [5] المخففة.

( النَّضْرَةِ ) بنون مفتوحة وضاد معجمة ساكنة، البهجة.

( وَيْحَكَ ابن آدم ) بنصب ( ابن ) على النداء، ويروى: «يَا ابْنَ آدَمَ».

( الأَمَانِيُّ ) مشددة الياء، جمع أمنية.

[1] ما بين معقوفين زيادة من [ف] .
[2] قال ابن حجر رحمه الله: الطبري أحد رواة مسلم متأخر، وليس هو الإمام ابن جرير.
[3] قال ابن حجر رحمه الله: بل في الإيمان.
[4] قال محب الدين البغدادي: قال في «مجمع الغرائب»: وهو من القشب، وهو السم كأنه قال: سمني ريحها، ويقال: لكل مسموم مقشب وقشيب.
[5] ما بين معقوفين زيادة من ( ق ).





806# (تُمَارُونَ) قال الخطَّابي: أي: تتمارون من المِرْية، وهي الشَّك، فيكون بفتح التاء والراء جميعًا.

وقال السَّفاقسيُّ: الذي ضبطناه بضمِّها.

(فليتَّبِعْه) [1] روي بتشديد التاء المثناة من فوق وكسر الموحدة، وبتخفيف [2] المثناة وفتح الموحدة.

(هَذَا مَكَانُنَا) بالرفع على أنَّه خبر ((هذا)).

(أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) وفي رواية: <يُجيز>، وهي لغةٌ في جاز، يقال: جازَ، وأجاز [3] بمعنى؛ أي: يقطع مسافةَ الصِّراط.

قلت: وعلى الثانية جاء قولي في خطبة هذا التَّعليق:

@%ج1ص276%

((أول من يجيز)) واخترتها على: يجوز؛ لمكان المناسبة وإيهام التَّورية بألفاظ المحدِّثين.

(السَّعْدَانِ) بفتح أوله، نَبْتٌ له شوكٌ، من جيَّد مراعي الإبل، يضربُ به المَثَل: مرعىً ولا كالسَّعدان.

(تَخْطَفُ) بفتح الطاء في الأفصح، ويجوز كسرها.

(يُوبقُ) قال ابن قَرْقول: بموحدة؛ أي: يهلك. قال [4] الطبري: بمثلثة، من الوثاق.

(يُخَرْدَلُ) بخاء معجمة ودال مهملة؛ أي: تُجعل أعضاؤه كالخردل. قال الزركشي: وعن أبي عبيد بإعجام الذال، والأصيلي: بالجيم؛ بمعنى: الإشراف على الهلاك.

(وَحَرَّمَ اللهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكلَ أَثرَ السُّجُودِ) وهذا مما يشهدُ للترجمة [5] على فضلِ السجود، واستشهد له ابن بطَّال بقوله عليه السلام: ((أقربُ ما يكونُ العبدُ إذا سجدَ)). وهو واضحٌ.

قال [6] : ولُعِنَ إبليسُ لإبائِه عن السجود لعنةً أَبْلَسَهُ [7] بها، وأَيْأَسَهُ من رحمته إلى يوم القيامة. واعترضَه [8] ابن المنيِّر: بأن السجود الذي أُمر به إبليس لا تُعْلم هيئته ولا تقتضي اللعنة اختصاصَ [9] السجود بالهيئة العرفية، وأيضًا: فإبليسُ إنما استوجبَ اللعنةَ بكفره؛ حيثُ جحدَ ما نصَّ اللهُ عليه من فضلِ آدم، فجنح [10] إلى قياسٍ فاسدٍ يعارض به النصَّ ويكذِّبه، لعنه الله.

(امْتَحَشُوا): ضبطه [11] القاضي عن المتقنين بالبناء للفاعل، وروي بالبناء للمفعول؛ أي: احترقوا، وقال الدَّاودي: معناه [12]: انقبضوا واسودوا.

(الْحِبَّةُ) بحاء مهملة [13] مكسورة، وقد مرَّ في العلم.

(قَشَبَنِي) أي: سمني؛ وكلُّ مسمومٍ [14] قشيبٌ. قال الزركشي: هو بقاف وشين وباء موحدة مفتوحات. قلت: ظاهره أنَّ الشين

@%ج1ص277%

مخففة. وفي «الصحاح»: وقَشَبَني ريحُه [15] تقشيبًا [16] ؛ أي: آذاني؛ كأنه قال: سَمَّني [17] ريحُه.

(وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الذال المعجمة والمد؛ أي [18] : لهيبُها [19] . قال النووي: والأشهرُ في اللغة القصر.

(هَلْ عَسَيْتَ): بكسر السين، ويجوز فتحها.

(إِنْ) حرف شرط.

(فُعِلَ) مبني للمفعول.

(أَنْ تَسْأَلَ) بالنصب بأن المتقدِّمة. وقال الزركشي: بفتح أن المخففة. قلت: لو عبَّر بالخفيفة، لسلم من إيهام إرادة المخففة من الثَّقيلة.

(أليْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ) اسمُ ((ليس)) ضميرُ الشأن.

(فَيَضْحَكُ اللهُ) معناه عند العلماء: الرضا، لا ضحكٌ بلهواتٍ، وتعجبٍ كما هو منَّا، وسيأتي في كتاب: الاعتصام إن شاء الله تعالى ما يرفع مُشكلات هذا الحديث.

(الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء، جمعُ أُمنِيَّة.

[1] في (ق): ((فَلْيَتَّبِعْ)).
[2] في (ق): ((وتخفيف)).
[3] في (ق) تكرار: ((وأجاز)).
[4] في (ق): ((وقال)).
[5] في (د): ((يدل على الترجمة)).
[6] ((قال)): ليست في (ق).
[7] في (م): ((لعنة أنكسه)).
[8] في (ق): ((واعترض)).
[9] في (ق): ((باختصاص)).
[10] في (ق): ((فاحتيج)).
[11] في (ق): ((ضبط)).
[12] في (م) و(ج) و(د): ((معنى)).
[13] في (م) و(ق) و(ج): ((بمهملة)).
[14] في (ق): ((شمني وكل مشموم)).
[15] في (م) و(ج): ((بريحه)).
[16] في (ق): ((قشبني)).
[17] في (ق): ((شمني)).
[18] ((أي)): ليست في (ق).
[19] في (ق) و(ج): ((لهبها)).





806- قوله: (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ): تقدَّم مرارًا أنَّه الحكم بن نافع.

قوله: (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ): تقدَّم أعلاه أنَّه ابن أبي حمزة.

قوله: (عَنِ الزُّهْرِيِّ): تقدَّم أعلاه [1] .

قوله: (سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ): تقدَّم أنَّه بكسر الياء وفتحها، وأنَّ غيره لا يقال فيه إلَّا بالفتح.

قوله: (هَلْ تُمَارُونَ [2] ): هو بضمِّ التَّاء، وتخفيف الرَّاء؛ أي: تجادلون في ذلك وتخالفون، أو هل يدخلكم فيه شكٌّ؟ و (المرية): الشَّكُّ، قال شيخنا الشَّارح: (قال الخطَّابيُّ: وأصله: تتمارون، وليس من المراء، قال ابن التِّين: والذي ضُبِطَ في هذا الموضع: بضمِّ التاء، وهو خلاف قول [/ج1ص251/] الخطَّابيِّ، أصله: تتمارون، وهي رواية الأصيليِّ؛ بالفتح) ، انتهى، وفي أصلنا: بفتح أوَّله والرَّاء، وعلى فتح الرَّاء تصحيحٌ، وفي الهامش: (تُمارُون) ؛ بضمِّ التاء والرَّاء، وعلى الكلمة نفسِها (صح) ، وأمَّا (تُمارُون) الثَّانية؛ فبضمِّ التَّاء والرَّاء في أصلنا، ولم يصنع [3] في الهامش شيئًا.

قوله: (تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ): سأذكر في (كتاب التوحيد) رؤيةَ الباري عزَّ وجلَّ في الدار الآخرة، وأذكر فيها ثلاثة أقوال لأهل السُّنَّة إن شاء الله تعالى، وقد قدَّمتُ ذلك مُختَصَرًا [4] .

قوله: (يُحْشَرُ النَّاسُ): (يُحشَر): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (النَّاس): مَرْفوعٌ قائم مقام الفاعل.

قوله: (الطَّوَاغِيتَ): هي الأصنام، ويقال: بيوت الأصنام، ويكون الطَّاغوت واحدًا وجمعًا؛ كـ(الفُلْك) ، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ} [النساء: 60] ، وقال تعالى: {أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ} [البقرة: 257] .

قوله: (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ [5] فَيَقُولُ [6] : أَنَا رَبُّكُم): سأذكر هذا، والكلام عليه في آخر (الرَّقائق) إن شاء الله تعالى ذلك [7] وقدَّره، وأذكر كلام النَّاس فيه.

قوله: (فَيَدْعُوهُمْ [8] ): هو بإسكان الدَّال، من الدُّعاء، وفي أصلنا: (فيدَعوهم) بفتح الدَّال، من الوَدْع؛ وهو التَّرك، وهذه لا أعرفها أنا.

قوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ): هو بفتح النُّون، ولا يجوز كسرُها؛ أي: وسطها.

[قوله: (وَلاَ يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ [9] إِلاَّ الرُّسُلُ): قد ذكرت فيما يأتي بعيدًا من بعض «السُّنَن» ما يعارضه؛ فانظره من مكانه] [10] .

قوله: (وَفِي جَهَنَّمَ كَلاَلِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ): قال السُّهيليُّ: (سمعت شيخنا الحافظ أبا بكر - يعني: ابن العربيِّ رحمه الله - يقول: تلك الكلاليب هي الشَّهوات؛ لأنَّها تجذبُ العبد في الدُّنيا عن الاستقامة على سواء الصِّراط، فتمثَّل له في الآخرة على نحوِ ذلك) انتهى.

قوله: (تَخْطَفُ): هو بفتح الطاء [11] على الفصيح، وهي لغة القرآن، ويجوز الكسر، حكاها الجوهريُّ، قال: (وهي قليلةٌ رديئةٌ لا تكاد تُعرَف، وقد قرأ بها يونسُ قولَه تعالى: {يخطِف أبصارهم} [البقرة: 20] ) .

قوله: (يُوبَقُ بِعَمَلِهِ): أي: يُهلَك، وهو بالمُوَحَّدة، ورواه الطَّبريُّ بالمثلَّثة، من الوثاق.

قوله: (مَنْ يُخَرْدَلُ): هو بالخاء المعجمة؛ أي: يُقَطَّعُ، قال ابن قُرقُول في (الجيم والرَّاء) في (الاختلاف والوهم): (ومنهم المجردل؛ بالجيم للأصيليِّ في «كتاب الرَّقائق»، وللكافَّة بالخاء المعجمة، وكذا رواه السِّجزيُّ عن مسلم، وهو الصَّواب، من خردلت اللَّحم، وخرذلته أيضًا؛ إذا قطَّعته قطعًا صغارًا؛ يعني: بإعجام الذَّال وإهمالها، وهما لغتان معروفتان، قال: ومعناه: تُقطِّعهم الكلاليبُ، وقيل: بل المعنى: إنَّما تقطِّعهم عن لحوقهم بالنَّاجين، وهذا بعيد، وقيل: المُخردَل: المطروح، قاله الخليل، والأوَّل أظهر وأعرفُ، ولقوله في الكلاليب: تخطَف النَّاس بأعمالهم، وفي الحديث الآخر: «فناج مسلم ومخدوش»، وأمَّا جردلت _ بالجيم-؛ فقيل: هو الإشراف على السُّقوط، وحكى ابن الصَّابونيِّ عن الأصيليِّ: (مُجزذَل) ؛ بالجيم، والذال بعد الزاي، وهو وهم، ليس ذلك في كتاب الأصيليِّ، ورواه بقيَّة رواة «مسلم» سوى السِّجزيِّ: «والمُجازِي» من الجزاء، والرِّواية الأولى أصحُّ؛ أعني: رواية السِّجزيِّ، وكذلك الخلاف أيضًا في «البخاريِّ» في «كتاب الصَّلاة» في قوله: «يخردل ويجردل»؛ بالجيم لأبي أحمد، وبالخاء فقط، وجاء في كتاب «البخاريِّ» في «كتاب التوحيد»: «أو المجازي» على الشَّكِّ) انتهى، وقال شيخنا الشَّارح في (الرَّقائق): (قال ابن التِّين: المخردل؛ بالدَّال والذال جميعًا، وقرأناه بالمهملة) انتهى.

قوله: (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ...) إلى آخر الكلام: ظاهر هذا الحديث [12] : أنَّ النَّار لا تأكل جميع أعضاء السُّجود السبعة المأمور بالسجود عليها؛ وهي الجبهة، واليدان، والرُّكبتان، والقدمان، وكذا قاله بعض العلماء، وأنكره القاضي عياض رحمه الله [13] ، وقال: (المراد بأثر السجود: الجبهة خاصَّة) ، قال النَّوويُّ في «شرح مسلم»: (والمختار الأوَّل، فإن قيل: قد ذكر مسلم بعد هذا مرفوعًا: «إنَّ قومًا يخرجون من النَّار يُحرَقون فيها إلَّا دارات وجوههم»، فالجواب: أنَّ هؤلاء القوم مخصوصون من جملة الخارجين من النار؛ بأنَّه لا يسلم منهم مِن النار [14] إلَّا دارات الوجوه، وأمَّا غيرهم؛ فيسلم جميع أعضاء السُّجود منهم؛ عملًا بعموم هذا الحديث، فهذا الحديث عامٌّ، وذاك خاصٌّ، فيُعمَل بالعامِّ إلَّا ما خُصَّ) ، والله أعلم.

قوله: (قَدِ امْتُحِشُوا): قال ابن قُرقُول: (بضمِّ التاء، وكسر الحاء، وعند أبي بحر: بفتحهما، وكذا للأصيليِّ، يقال: محشَتْه النَّارُ، وامتُحِش هو، قال يعقوب: لا يُقال: «محشتْه»؛ إنَّما هو «أمحشته [15] »، والصحيح أنَّهما لغتان، والرُّباعيُّ أكثر) انتهى، وقد ذكر الجوهريُّ الثُّلاثيَّ، ثمَّ قال: (وفيه لغة أخرى) ، فذكر الرُّباعيَّ، قال ابن قُرقُول: (وامتُحِشَ غضبًا؛ أي: احترق) ، قال الدَّاوديُّ: (معناه: انقبضوا واسودُّوا) .

قوله: (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ): (يُصبُّ): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، و (ماء): مَرْفوعٌ قائم مقام الفاعل، قال شيخنا عن القرطبيِّ: (هو الذي مَن شربه أو صُبَّ عليه؛ لم يمُتْ أبدًا) انتهى، ولغيره نحوُه.

قوله: (الْحِبَّةُ): هي بكسر الحاء المهملة [16] ، وتشديد المُوَحَّدة، قال الفرَّاء: (هي بزور البقل) ، وقال الكسائيُّ: (هو حبُّ الرَّياحين) ، قال أبو عمرو: (هي نبت ينبت في الحشيش صغار) ، وقال النَّضر: (هي اسم جامع لحبوب البقل الذي ينتشر إذا هاجت [17] ، فإذا مطرت؛ نبت) ، وقد تقدَّم هذا؛ فانظره.

قوله: (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ): تقدَّم الكلامُ عليه.

قوله: (وَيَبْقَى رَجُلٌ): هذا الرجل، قال شيخنا الشَّارح: (في «الرُّواة عن مالك» للدَّارقطنيِّ من حديث ابن عمر: أنَّه جُهَينة من جُهَينة، فيقول أهل الجنَّة: عند جُهَينةَ الخبرُ اليقين، سلوه هل بقي من الخلائق أحدٌ) ، وقد قال السُّهيليُّ: اسمه هنَّاد) انتهى، وقد رأيت أنا في «التذكرة» كما هنا، وعزا كون اسمه جُهَينة من جُهَينة من حديث ابن عمر إلى الميَّانِشيِّ في كتاب «الاختيار من الأخبار والآثار»، وكذا عزاه من حديث ابن عمر إلى الخطيب البغداديِّ من حديث مالك بن أنس، عن نافع عنه، وعزاه أيضًا إلى الدَّارقطنيِّ في «الرُّواة عن مالك») ، ثمَّ قال: (وقيل: اسمه هنَّاد) انتهى، فلعلَّ أحدهما الاسم، والآخر اللَّقب، والله أعلم. [/ج1ص252/]

قوله: (قَدْ قَشَبَنِي [18] ): هو بفتح القاف والشِّين المعجمة والمُوَحَّدة، ثمَّ نونٍ، ثمَّ ياءِ الإضافة؛ أي: سمَّني، والقِشب: السُّمُّ، والقَشْبُ: خلطه، وقيل: أخذ بلطمي، يقال: قشبه الدُّخان؛ إذا ملأ خياشيمه، وقيل: قشبني [19] : أهلكني كأنَّه من السُّمِّ، وقال شيخنا الشَّارح: (قال ابن التِّين: هو بتشديد الشين في اللُّغة) ، وقال شيخنا في مكانٍ آخرَ: (نحفظه بتخفيفها) انتهى.

قوله: (ذَكَاهَا [20] ): قال ابن قُرقُول: (ذكاؤها؛ بالفتح والمدِّ عند العذريِّ، والمعروف في شدَّة حرِّ النَّار القصرُ، إلَّا أنَّ أبا حنيفة ذكر فيه المدَّ، وخطَّأه فيه عليُّ بن حمزة، يقال: ذكت النَّار تذكو ذكًا) انتهى، قال شيخنا الشَّارح حين ذكر الفتح والقصر: (وبه جزم خلقٌ منهم؛ يعني: من أهل اللُّغة) انتهى، قال النَّوويُّ: (وقد ذكر جماعاتٌ أنَّ القصر والمدَّ لغتان) انتهى.

قوله: (هَلْ عَسيْتَ): تقدَّم أنَّه بكسر السِّين وفتحها، مفتوح التَّاء على الخطاب.

قوله: (إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ بِكَ): (فُعِل): مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله.

قوله: (أَنْ تَسْأَلَ): (أن) النَّاصبة، و (تسألَ) مَنْصوبٌ بها، وقال بعضهم: (أن) مخفَّفة من الثقيلة، فعلى هذا؛ يكون (تسأل) مَرْفوعٌ، والله أعلم.

قوله: (إِنْ أُعْطِيتَ): هو مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعله، مفتوح تاء [21] الخطاب.

قوله: (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ): هو بالضَّاد المعجمة؛ أي: البهجة والحُسن.

قوله: (فَيَضْحَكُ اللهُ [22] مِنْهُ): قال ابن قُرقُول: (هذا وأمثاله من الأحاديث طريقها الإيمان بها من غير كيف، ولا تأويل، وتسليمها إلى عالِمها) انتهى، والضَّحك من صفات الربِّ جلَّ جلاله؛ ومعناه: الاستبشار والرِّضا، لا ضحك بلهوات وتعجُّب، والضَّحك: هو الرِّضا.

قوله: (حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ أُمْنِيَّتُهُ): إن قيل: فهل وردَ كَمْ يَلْبَث يتمنَّى؟ فالجواب: نعم؛ في «مسند أحمد»، وسأذكره في فراغي من هذا الحديث في قوله: (وَعَشْرَة أَمْثَالِهِ) .

قوله: (زِدْ [23] مِن كَذَا): (مِن): هي الجارَّة مكسورة الميم.

قوله: (قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ): تقدَّم أنَّه سعد بن مالك بن سنان الخدريُّ؛ بالدال المهملة، وهذا ظاهرٌ، وتقدَّم بعض ترجمته.

قول أبي سعيد لأبي هريرة: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ذَلِكَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ) ، وردَّ [24] أبو هريرة بأنَّه لم يحفظ إلَّا قوله: (ذَلِكَ لَكَ [25] ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ): وكذا في «مسلم»، وفي «مسند أحمد» على العكس من ذلك؛ قال أحمد: حدَّثنا عفَّان: حدَّثنا حمَّاد بن سلمة، عن عليِّ بن زيد، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي سعيد الخدريِّ وأبي هريرة رضي الله عنهما: (أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «آخر رجلين يخرجان من النَّار يقول الله لأحدهما: يا بن آدم؛ ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيرًا قطُّ؟ هل رجوتني؟ فيقول: لا يا ربِّ، [فيُؤمَر به إلى النَّار، وهو أشدُّ أهل النَّار حسرةً، ويقول للآخر: ما أعددت لهذا اليوم؟ هل عملت خيرًا قطُّ؟ هل رجوتني؟ فيقول: لا يا ربِّ] [26] ، إلَّا أنِّي كنت أرجوك، قال: فتُرفَع له شجرةٌ، فيقول: يا ربِّ؛ أَقِرَّني تحت هذه الشجرة، فاستظلَّ بظلِّها، وآكل من ثمرها، وأشرب من مائها، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، فيقرُّه تحتها، ثمَّ تُرفَع له شجرةٌ هي أحسن من الأولى، وأغدقُ ماءً، فيقول: يا ربِّ؛ أقرَّني تحتها، لا أسألك غيرها، فاستظلَّ بظلِّها، وأشرب من مائها، فيقول: يا بن آدم؛ ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها، فيقرُّه تحتها، ثمَّ تُرفَع له شجرةٌ عند باب الجنَّة هي أحسن من الأوليين وأغدق ماءً، فيقول: يا ربِّ؛ هذه أقرَّني تحتها، فيدنيه منها، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، فيسمع أصوات أهل الجنَّة، فلا يتمالك: أي ربِّ؛ أدخلني الجنَّة، فيقول الله عزَّ وجلَّ: سلْ وتمنَّه، فيسأل، ويتمنَّى مقدار ثلاثة أيَّام من أيَّام الدُّنيا، ويلقِّنُه الله ما لا علم له به، فيسأل ويتمنَّى، فإذا فرغ؛ قال: لك ما سألت»، قال أبو سعيد: «ومثله معهز، قال أبو هريرة: «وعشرة أمثاله معه»، قال: (حدِّث بما سمعت، وأُحدِّثُ [27] بما سمعت) ، قال شيخنا الحافظ نور الدين الهيثميُّ في إفراده حديث «المسند» عن الكتب السِّتَّة: (قلت: في «الصحيح» بعضه، وفي هذا زيادات ظاهرة؛ منها: أنَّه يتمنَّى ثلاثة أيَّام، ومنها: أنَّ أبا هريرة قال: وعشرة أمثاله، وأنَّ أبا سعيد قال: ومثله، وهو في «الصحيح» عكس هذا) انتهى.

وهذا الحديث رأيته في «المنتخب من [28] مسند عبد بن حميد»، وقد رُوِّيته عاليًا، قال فيه: (حدَّثنا الحسن بن موسى، عن حمَّاد بن سلمة...) ؛ فذكره، وأين يقع عليُّ بن زيد من رجال «الصحيح» والقول الصحيح وإن كان روى له مسلم والأربعة؟ وجواب آخر: وهو أنَّه عليه الصَّلاة والسَّلام أُعلم أوَّلًا بما في حديث أبي هريرة، ثمَّ تكرَّم الله، فزاد ما في رواية أبي سعيد، فأَخبَر به عليه الصَّلاة والسَّلام، ولم يسمعه أبو هريرة، وهذا جواب عن الذي في «الصحيح» من غير نظر لما في «المُسندين؛ أحمد وعبد»، والجواب الماشي [29] أنَّ كلًّا من أبي هريرة وأبي سعيد سمع: «ومثله معه»، و«عشرة أمثاله»، فحفظ هذا مرَّةً وأُنسي الأخرى مرَّةً، وكذا الآخر، هذا إن مشَّينا حديث عليِّ بن زيد؛ وهو ابن جدعان، فإنَّه مُختَلَف فيه، وحديثه حسن، ولكن له غرائب، وليس بالثبت، وإلَّا؛ فالقول قول «الصحيحين»، والله أعلم.

فائدة: ذكر الغزالي في (كتاب التوبة) من «الإحياء» حديثًا: «أنَّ آخر من يخرج من النار يعذَّب سبعة آلاف سنة»، وهذا رواه الحكيم التِّرمذيُّ في «نوادره» من حديث أبي هريرة بسند [30] ضعيف، كما قاله شيخنا العراقيُّ في «تخريج أحاديث الإحياء» في حديث، فإنَّ فيه: «وأطولهم مكثًا فيها مثل الدُّنيا من يوم خُلِقَت إلى يوم القيامة، وذلك سبعة آلاف سنة» انتهى، وأمَّا حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا: «أنَّ عبدًا في جهنم ينادي ألف سنة: يا حنَّان يا منَّان...»؛ الحديث؛ فذكر ابن الجوزيِّ في «موضوعاته» في (باب صفة جهنَّم): (أنَّه ليس بصحيح، في سنده أبو ظلال، واسمه هلال) ، ثمَّ ذكر تضعيفه عن ابن حِبَّان.

[1] في (ب): (قريبًا) .
[2] كذا في النُّسخ وهامش (ق) مُصحَّحًا، وفي «اليونينيَّة»: (تمارون) معًا، وفي (ق): (تَمارَون) .
[3] في (ج): (يصح) ، وهو تحريفٌ.
[4] (وقد قدَّمتُ ذلك مختصرًا): سقط من (ج) .
[5] (عَزَّ وَجَلَّ): ليس في «اليونينيَّة».
[6] (فيقول) سقط من (ب) .
[7] (ذلك): سقط من (ب) .
[8] في هامش (ق): (فيدعوهم: كذا قرأتها على شيخنا؛ أعني: كما في الأصل بفتح الدال، فقال: إنَّما هي فيدعوهم؛ بسكونها، كذا أحفظها) .
[9] زيد في «اليونينيَّة» و (ق): (أحدٌ) .
[10] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[11] في (ب): (التاء) ، وليس بصحيح.
[12] في (ب): (الكلام) .
[13] (رحمه الله): سقط من (ب) .
[14] في (ب): (من النار منهم) .
[15] في (ب) و (ج): (محشته) ، وليس بصحيح.
[16] (المهملة): سقط من (ب) .
[17] زيد في (ب): (الريح) .
[18] في (ج): (قشبي) ، وهو تحريف.
[19] زيد في (ب): (أي) .
[20] كذا في النُّسخ وهامش (ق) ، وعليها علامة روايها وهو أبو ذرٍّ، ورواية «اليونينيَّة» و (ق): (ذَكَاؤُهَا) .
[21] زيد في (ج): (على) .
[22] زيد في «اليونينيَّة»: (عَزَّ وَجَلَّ) ، وضُرِبَ عليها في (ق) .
[23] كذا في النُّسخ و (ق) ، وعليها علامة الزِّيادة وعلامة راويها وهو أبو ذرٍّ، و (زد): ليس في «اليونينيَّة».
[24] في (ج): (وزاد) .
[25] كذا في (أ) و (ب) ، وفي (ج) و«اليونينيَّة» و (ق): (لك ذلك) .
[26] ما بين معقوفين سقط من (ج) .
[27] في (ج): (وأخذت) ، ولعله تصحيف.
[28] (المنتخب من): سقط من (ج) .
[29] في (ب): (الحاشي) .
[30] في (ب): (فسند) .





806- (نَرَى): أي: رؤيةَ البصرِ، وإلَّا؛ فرؤيةُ العلمِ تحتاجُ لمفعولينِ، ولَمَا كانَ للتقييدِ بـ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فائدةٌ.

(مَكَانُنَا): بالرَّفعِ خبرُ المبتدأِ.

(ظَهْرَانَيْ): زيدتِ الألفُ والنُّونُ للمبالغةِ، وقيلَ: لفظُ (الظَّهْرِ) مقحَمٌ أيضًا.

(لَا يَعْلَمُ قَدْرَ): كذا في أصلِنا.

وقالَ ابنُ الملقِّنِ: («لَا يَعْلَمُ مَا قَدْر عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ»: قال القُرطبيُّ: قيَّدناهُ عن بعضِ مشايخنا بضمِّ الرَّاءِ على أنْ تكونَ «ما» استفهامًا خبرًا مقدَّمًا، و«قَدْرُ» مبتدأ، وبنصبِها على أنْ تكونِ «ما» زائدةً، و«قَدْرَ» مفعولٌ [لـ«يَعْلَمُ»] ).

(بِأَعْمَالِهِمْ): أي: بسببِ أعمالِهم القبيحةِ، أو على حسبِ أعمالِهم وبقدرِها.

(دُخُولًا): تمييزٌ، أو بمعنى: الدَّاخل حالًا.

(رَأَى بَهْجَتَهَا): هذِه الجملةُ بدلٌ مِنْ جملةِ (أَقْبَلَ [بِهِ] عَلَى الْجَنَّةِ).

(فَمَا عَسَيْتَ): (مَا) استفهاميَّةٌ، (أَنْ تَسْأَلَ): خبرُ (عَسَى)، (إِنْ أُعْطِيْتَ ذَلِكَ): جملةٌ معترضةٌ، وفي بعضِها: (أَنْ لَا تَسْأَلَ) ؛ بزيادةِ (لَا) ؛ فهي إمَّا مِنْ حروفِ الزيادةِ؛ كقولِه تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ [1] } [الحديد: 29] ، أو (ما) نافيةٌ، ونفيُ النَّفيِ إثباتٌ؛ أي: عسيتَ أنْ تسألَ، و (أَنْ) هيَ النَّاصبةُ، و (تَسْأَلَ) منصوبٌ بـ (أَنْ).

وقال الزَّركشيُّ: («أَنْ» هيَ المخفَّفةُ مِنَ الثَّقيلةِ)، فعلى هذا (تَسْأَل) مرفوعٌ.

(فَسَكَتَ): بالفاءِ، وجوابُ (إِذَا بَلَغَ) محذوفٌ؛ أي: تحيَّرَ فسكتَ.

(وَيْحَكَ): منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ؛ أي: الْزَمْ.

(ابْنَ آدَمَ): بنصبِ (ابْنَ) على النِّداءِ.

[1] {أهل الكتاب}: مثبت من (ب).





806- وبه قال: (حدَّثنا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافعٍ (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ)؛ أي: ابن أبي حمزة، (عَنِ) ابن شهابٍ (الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُمَا: أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى)؛ أي: نبصر (رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ) عليه الصَّلاة والسَّلام: (هَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء، من المُماراة؛ وهي المجادلة، وللأَصيليِّ: ((تَمارَون))، بفتح التَّاء والرَّاء، وأصله: تتمارون، حذفت إحدى التَّاءين؛ أي: هل تشكُّون (فِي) رؤية (الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ دُونَهُ سَحَابٌ)؟ (قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللهِّ، قَالَ): (فَهَلْ تُمَارُونَ) بضمِّ التَّاء والرَّاء، وبفتحهما [1] (فِي الشَّمْسِ) ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((في رؤية الشمس)) (لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ)؟ (قَالُوا: لَا، قَالَ) وللأَصيليِّ: ((قالوا: لا يا رسول الله، قال)): (فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ) تعالى (كَذَلِكَ) بلا مِرْيةٍ، ظاهرًا جليًّا، ينكشف تعالى لعباده؛ بحيث تكون نسبة ذلك الانكشاف إلى ذاته المخصوصة كنسبة الإبصار إلى هذه المُبْصَرات المادِّيَّة، لكنَّه يكون مُجرَّدًا عن ارتسام صورة المرئيِّ، وعن اتِّصال الشُّعاع بالمرئيِّ، وعن المحاذاة والجهة والمكان؛ لأنَّها وإن كانت أمورًا لازمة للرُّؤية عادةً؛ فالعقل يُجوِّز ذلك بدونها، (يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ) الله تعالى، أو: فيقول القائل: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئًا؛ فَلْيَتَّبِعْ) بتشديد المثنَّاة الفوقيَّة وكسر المُوحَّدة، ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((فليتَّبِعه))، بضمير المفعول مع التَّشديد والكسر، أو التَّخفيف مع الفتح، وهو الَّذي في «اليونينيَّة» لا غير (فَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الشَّمْسَ) بالتَّشديد، (وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الْقَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَّبِعُ الطَّوَاغِيتَ) جمع طاغوت، الشَّيطان أو الصَّنم، أو كلُّ رأسٍ في الضَّلال [2] ، أو كلُّ ما عُبِدَ من دون الله وصدَّ عن عبادة الله، أو السَّاحر، أو الكاهن، أو مردة أهل الكتاب، فعلوت من الطُّغيان، قُلِبَ [3] عينه ولامه (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ) المحمَّدية [4] (فِيهَا مُنَافِقُوهَا) يستترون بها كما كانوا في الدُّنيا، واتَّبعوهم لما انكشفت لهم الحقيقة لعلَّهم ينتفعون بذلك، حتَّى {ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} [الحديد: 13] (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) عزَّ وجلَّ؛ أي: يظهر لهم في غير صورته؛ أي: في غير صفته الَّتي يعرفونها من الصِّفات الَّتي تعبَّدهم بها في الدُّنيا؛ امتحانًا منه؛ ليقع التَّمييز بينهم وبين غيرهم ممَّن يعبد غيره تعالى، (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فيستعيذون بالله منه؛ لأنَّه لم يظهر لهم بالصِّفات الَّتي يعرفونها، بل بما استأثر بعلمه تعالى؛ لأنَّ معهم منافقين لا يستحقُّون الرُّؤية، وهم عن ربِّهم مَحجوبون، (فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا) بالرَّفع، خبر المبتدأ الَّذي هو اسم الإشارة (حَتَّى يَأْتِيَنَا) يظهر لنا (رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ) ظهر (رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ) عزَّ وجلَّ؛ أي: يظهر متجلِّيًا بصفاته المعروفة عندهم، وقد تميَّز المؤمن من المنافق (فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ) فإذا رأوا ذلك؛ عرفوه به تعالى (فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا)، ويحتمل أن يكون الأوَّل قول المنافقين، والثَّاني قول المؤمنين، وقيل: الآتي في الأوَّل مَلَكٌ، ورجَّحه عياضٌ؛ أي: يأتيهم ملكُ الله، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وعورض: بأنَّ الملَك معصوم، فكيف يقول: أنا ربكم، وأُجِيْبَ [5] : بأنَّا لا نسلِّم عصمته من هذه الصَّغيرة، ورُدَّ: بأنَّه يلزم منه أن يكون قول فرعون: أنا ربُّكم من الصَّغائر؛ فالصَّواب ما سبق، (فَيَدْعُوهُمْ) ربُّهم (فَيُضْرَبُ) بالفاء وضمِّ الياء وفتح الرَّاء مبنيًّا للمفعول، ولأبوي الوقت وذَرٍّ والأَصيليِّ وابنِ عساكر: ((ويضرب)) (الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ) بفتح الظَّاء وسكون الهاء وفتح النُّون؛ أي: ظَهْرَي، فزيدت الألف والنُّون؛ للمبالغة؛ أي: على وسط جهنَّم (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ) بالواو، وفي بعض النُّسخ: ((يُجيز))، بالياء مع ضمِّ أوَّله، وهي لغة في «جاز»، يقال: «جاز» و«أجاز» بمعنًى؛ أي: يقطع مسافة الصِّراط (مِنَ الرُّسُلِ) عليهم الصَّلاة والسَّلام [/ج2ص116/] (بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ)؛ لشدَّة الهول (يَوْمَئِذٍ)؛ أي: حال الإجازة على الصِّراط (أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ) على الصِّراط: (اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ) شفقةً منهم على الخلق ورحمةً، (وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيبُ) جمع: «كَلُّوب»؛ بفتح الكاف وضمِّ اللَّام (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ) بفتح أوَّلِه؛ نبتٌ له شوكٌ من جيِّد مراعي الإبل، يُضرَب به المثل، فيقال: «مرعًى ولا كالسَّعدان»، (هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْكَ السَّعْدَانِ؟ قَالُوا: نَعَمْ) رأيناه [6] (قَالَ: فَإِنَّهَا)؛ أي: الكلاليب [7] (مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا [8] إِلَّا اللهُ) تعالى (تَخْطَفُ) بفتح الطَّاء في الأفصح، وقد تُكسَر، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فتختطِف [9] )) بالفاء في أوَّله وفوقية بعد الخاء [10] وكسر الطَّاء؛ أي: تأخذ (النَّاسَ) بسرعة (بِأَعْمَالِهِمْ)؛ أي: بسبب أعمالهم السَّيئة، أو على حسب أعمالهم، أو بقدرها، (فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ) بموحَّدة، مبنيًّا للمفعول؛ أي: يهلك (بِعَمَلِهِ) وقال الطبريُّ: يُوثَق؛ بالمثلَّثة، من الوثاق، (وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ) بخاء مُعجَمَة ودالٍ مهملة، وعن أبي عُبيد: بالذَّال المُعجَمَة؛ أي: يقطع صغارًا؛ كالخردل، والمعنى: أنَّه تقطِّعُه كلاليب الصِّراط حتَّى يهويَ إلى النَّار، وللأَصيليِّ: بالجيم، من الجردلة؛ بمعنى: الإشراف على الهلاك (ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللهُ) عزَّ وجلَّ (رَحْمَةَ مَنْ أَرَادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ)؛ أي: الدَّاخلين فيها وهم المؤمنون الخلَّص؛ إذ الكافر لا ينجو منها أبدًا، (أَمَرَ اللهُ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا) منها (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ) وحدَه (فَيُخْرِجُونَهُمْ) منها (وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللهُ) عزَّ وجلَّ (عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ)؛ أي: موضع أثره؛ وهي الأعضاء السَّبعة، أو الجبهة خاصَّةً؛ لحديث: «إنَّ قومًا يخرجون من النَّار يحترقون فيها إلَّا دارات وجوهُهم»، رواه مسلمٌ، وهذا موضع التَّرجمة، واستُشهَد له ابن بطَّالٍ بحديث: «أقرب ما يكون العبد إذا سجد» [11] ، وهو واضحٌ، وقال الله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] ، قال بعضهم: إنَّ الله تعالى يباهي بالسَّاجدين من عبيده ملائكته المُقرَّبين، يقول لهم: يا ملائكتي؛ أنا قرَّبتكم ابتداءً، وجعلتكم من خواصِّ ملائكتي، وهذا عبدي جعلت بينه وبين القربة حجبًا كثيرةً، وموانع عظيمةً؛ من أغراض [12] نفسيَّة، وشهوات حسيَّة، وتدبير أهل ومال وأهوال، فقطع كلَّ ذلك وجاهد حتَّى سجد واقترب، فكان من المُقرَّبين [13] ، قال: ولعن الله [14] إبليسَ؛ لإبائه عن السُّجود لعنةً أبلسه بها، وآيسه من رحمته إلى يوم القيامة. انتهى. وعورض: بأنَّ السُّجود الَّذي أمر به إبليس لا تُعلَم [15] هيئته، ولا تقتضي اللَّعنةُ اختصاصَ السُّجودِ بالهيئة العرفيَّة، وأيضًا: فإبليس إنَّما استوجب اللَّعنة بكفره؛ حيث جحد ما نصَّ الله عليه من فضلِ آدمَ، فجنح إلى قياسٍ فاسدٍ يعارض به النَّصَّ ويكذِّبه، لعنه الله، قاله ابن المُنَيِّر.

(فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ)؛ أي: فكلُّ أعضاء ابن آدم تأكلها النَّار (إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ)؛ أي: مواضع أثره (فَيَخْرُجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتَحَشُوا) بالمثنَّاة الفوقيَّة والمهملة المفتوحتين والشِّين المعجمة، بالبناء للفاعل، وفي بعض النُّسخ: ((امتُحِشوا))؛ بضمِّ المثنَّاة وكسر الحاء، وبالبناء للمفعول؛ أي: احترقوا واسودُّوا (فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ) بضمِّ المثنَّاة، مبنيًّا للمفعول، والنَّائب عن الفاعل قولُه: (مَاءُ الْحَيَاةِ) الَّذي من شرب منه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا، (فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ) بكسر الحاء المهملة: بزور الصَّحراء ممَّا ليس بقوتٍ (فِي حَمِيلِ السَّيْلِ) بفتح الحاء المُهمَلة وكسر الميم؛ ما جاء به من طينٍ ونحوِه، شبَّه [16] به؛ لأنَّه أسرع في الإنبات، (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ) الإسناد فيه مجازيٌّ [17] ؛ لأنَّ الله تعالى لا يشغله شأن عن شأنٍ، فالمراد إتمام الحكم بين العباد بالثَّواب والعقاب، (وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَهْوَ آخِرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ) حال كونه (مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة؛ أي: جهتها، ولغير أبوي ذَرٍّ والوقت [18] وابن عساكر: ((مقبلٌ))؛ بالرَّفع، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مقبلٌ (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ؛ اصْرِفْ وَجْهِي عَنِ النَّارِ) وللحَمُّوييِّ والمُستملي: ((من النار)) (قَدْ) ولأبي ذَرٍّ: ((فقد)) (قَشَبَنِي) بقاف فشينٍ مُعجمَةٍ مُخفَّفَةٍ فموحَّدةٍ مفتوحاتٍ، والَّذي في اللُّغة: بتشديد الشِّين؛ أي: سمَّني وأهلكني (رِيحُهَا) وكلُّ مسموم قشيب؛ أي: صار [/ج2ص117/] ريحها كالسمِّ في أنفي، (وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا) بفتح الدَّال المُعجَمَة والمدِّ، وهو الَّذي في فرع «اليونينيَّة»، قال النَّوويُّ: وهو الَّذي وقع في جميع الرِّوايات؛ أي: أحرقني لهبُها واشتعالُها وشدَّة وهجها، ولأبي ذَرٍّ مما في هامش «الفرع»، وصحَّح عليه: ((ذكاها))؛ بالفتح والقصر، قال النَّوويُّ: وهو الأشهر في اللُّغة، وذكر جماعة أنَّهما لغتان. انتهى. وعُورِضَ: بأنَّ «ذكا النَّار مقصور» يُكتَب بالألف؛ لأنَّه من الواويِّ من قولهم: ذَكَتِ النَّار تذكو ذكوًا [19] ، فأمَّا «ذكاءٌ»؛ بالمدِّ؛ فلم يأتِ عنهم في النَّار، وإنَّما جاء في الفهم.

(فَيَقُولُ) الله تعالى: (هَلْ عَسيْتَ) بفتح السِّين وكسرها، وهي لغة مع تاء الفاعل مطلقًا، ومع «نا»، ومع نون الإناث، نحو: عسينا وعسين، وهي لغة الحجاز، لكنَّ قول الفرَّاء: لست أستحبُّها؛ لأنَّها شاذَّة يأبى كونها حجازية، وأُجيبَ: بأنَّ المراد بكونها شاذَّةٌ؛ أي: قليلة بالنِّسبة إلى الفتح، وإن ثبتت؛ فعند أقلِّهم؛ جمعًا بين القولين، (إِنْ فُعِلَ ذَلِكَ) الصَّرف الَّذي يدلُّ عليه قوله الآتي إن شاء الله تعالى: اصرف وجهي عن النَّار، والهمزة من «إنَّ» مكسورةٌ، حرفُ شرطٍ، و«فُعِل»؛ بضمِّ الفاء وكسر العين، مبنيًّا للمفعول (بِكَ أَنْ تَسْأَلَ) بفتح همزة «أنَّ» الخفيفة، وتاليها نصب بها (غَيْرَ ذَلِكَ) بالنَّصب بـ: «تسأل»، (فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا، وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ) لا أسأل غيره، (فَيُعْطِي اللهَ)؛ أي: الرَّجل (مَا يَشَاءُ) بياء المُضارَعَة، ولأبي ذَرٍّ والأصيلي وابن عساكر: ((ما شاء)) (مِنْ عَهْدٍ) يمين (وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللهُ) تعالى (وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فَإِذَا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ رَأَى بَهْجَتَهَا)؛ أي: حسنها ونضارتها، وهذه الجملة بدلٌ من جملة: «أقبل على الجنَّة»، (سَكَتَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ؛ قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللهُ) عزَّ وجلَّ (لَهُ: أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْميثاقَ) اسمٌ «ليس» ضمير الشَّأن، ولأبي ذَرٍّ والأَصيليِّ: ((والمواثيق)) (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ؟ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ) أعطيت العهود، ولكنَّ كرمك يُطْمِعُني (لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ) قال الكرمانيُّ: أي: لا أكون كافرًا، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لا أكوننَّ))، وقال السَّفاقسيُّ: المعنى: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنة؛ لأكوننَّ [20] أشقى خلقك الَّذين دخلوها، والألف زائدة في: لا أكون.

(فَيَقُولُ) الله: (فَمَا عَسيْتَ) بكسر السِّين وفتحها (إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ) التقدِّيم إلى باب الجنَّة (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَهُ) بكسر همزة «إن» الأولى: شرطيَّةٌ، وفتح الثَّانية: مصدريَّة وضمِّ همزة: «أُعطيت»، و«لا» زائدةٌ؛ كهي في {لِئَلّاَ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ} [الحديد: 29] ، أو أصليَّةٌ، وما في قوله: «فما عسيت» نافيَّة، ونفي النَّفي إثبات؛ أي: عسيت أن تسأل غيره، و«ألَّا تسأل»: خبر «عسى» و«ذلك»: مفعول ثانٍ لـ: «أُعطيت»، ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((أن تسأل))، بإسقاط «لا»، فـ: «ما» استفهاميَّةٌ، وإنَّما قال الله تعالى ذلك [21] ، وهو عالمٌ بما كان وما يكون؛ إظهارًا لما عُهِد من بني آدم من نقضِ العهد، وأنَّهم أحقُّ بأنَّ يُقَال لهم ذلك، فمعنى: «عسى» راجع للمخاطب، لا إلى الله تعالى.

(فَيَقُولُ) الرَّجل: (لَا وَ) حقِّ (عِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((لا أسألك)) (غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي) الرَّجل (رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ) الله (إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا فَرَأَى زَهْرَتَهَا) بفاء العطف على «بلغ»؛ كقوله: (وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ) بالضَّاد المُعْجَمَة السَّاكنة؛ أي: البهجة (وَالسُّرُورِ) تحيَّرَ، (فَيَسْكُتُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسْكُتَ) بالفاء التَّفسيريَّة، و«أنْ»: مصدريَّة؛ أي: ما شاء الله سكوتَه؛ حياءً من ربِّه، وهو تعالى يحبُّ سؤالَه؛ لأنَّه يحبُّ صوته، فيباسِطُه بقوله: لعلَّك إن أُعطيت هذا؛ تسأل غيره؟ وهذه حالة المقصر، فكيف حالة المطيع؟! وليس نقض هذا العبد عهده؛ جهلًا منه، ولا قلَّةَ مبالاةٍ، بل علمًا منه أنَّ نقض هذا العهد أولى من الوفاء؛ لأنَّ سؤالَه ربَّه أولى من إبرار قسمه، قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليكفِّر عن يمينه، وليأتِ [22] الَّذي هو خير»، وجواب «إذا» محذوفٌ، وتقديره [23] ؛ نحو [24] : تحيَّرَ كما مرَّ.

(فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ، فَيَقُولُ اللهُ) عزَّ وجلَّ: (وَيْحَكَ) نُصِب بفعلٍ محذوفٍ، وهي كلمة رحمةٍ، كما أنَّ «ويلك» [25] كلمةُ عذابٍ (يَا ابْنَ آدَمَ؛ مَا أَغْدَرَكَ!) صيغة [26] تعجُّبٍ من الغدر؛ وهو ترك الوفاء (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ) بفتح [/ج2ص118/]

الهمزة والطَّاء مبنيًّا للفاعل، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((العهود والمواثيق)) (أَلَّا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ)؟ بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَيَضْحَكُ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنْهُ)؛ أي: من فعل هذا الرَّجل، وليس في رواية الأَصيليِّ لفظ: ((منه))، والمراد من الضَّحك هنا لازمه، وهو الرِّضا وإرادة الخير، كسائر الإسنادات في مثلِه ممَّا يستحيل على الباري تعالى، فإنَّ المراد لوازمها (ثُمَّ يَأْذَنُ لَهُ) الله تعالى (فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ له: تَمَنَّ، فَيَتَمَنَّى، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَ) وللأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((انقطعت)) (أُمْنِيَّتُهُ؛ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ) له: (زِدْ مِنْ كَذَا وَكَذَا)؛ أي: من [27] أمانيِّك الَّتي كانت لك قبل أن أذكِّرك بها، ثبت لأبي ذرٍّ، ولابن عساكر: ((تمنَّ كذا وكذا))، بدل: من قوله: «زد» (أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ عزَّ وجلَّ) الأمانيِّ، بدل من قوله: «قال الله عزَّ وجلَّ: زِدْ» [28] (حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ) بتشديد الياء، جمع أمنية (قَالَ اللهُ تَعَالَى) له: (لَكَ ذَلِكَ) الَّذي سألته من الأمانيِّ، (وَمِثْلُهُ مَعَهُ) جملة حاليَّة من المبتدأ والخبر.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ لأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ اللهُ) عزَّ وجلَّ: (لَكَ ذَلِكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)؛ أي: أمثال ما سألت.

(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ أَحْفَظْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَوْلَهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ) وللحَمُّوييِّ والمُستملي: ((لم أحفظه))، بضمير المفعول.

(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ [29] : إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ): (ذَلِكَ لَكَ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((لك ذلك)) (وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ)، ولا تنافيَ بين الرِّوايتين، فإنَّ الظَّاهر أنَّ هذا كان أوَّلًا، ثمَّ تكرَّم الله، فأخبر به عليه الصَّلاة والسَّلام، ولم يسمعه أبو هريرة.

ورواة هذا الحديث السِّتَّة ما بين حمصيٍّ ومدنيٍّ، وفيه ثلاثة من التَّابعين، والتَّحديث والإِخبار والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «صفة الجنَّة» [خ¦6573] ، ومسلمٌ في «الإيمان».

[1] في غير (ص) و(م): «أو بفتحهما».
[2] «كلُّ رأسٍ في الضَّلال»: وقع في (ص) و(م) بعد لفظ «عبادة الله» الآتي.
[3] في (ص): «قُلِبَت».
[4] في هامش (ص): «قوله: «المحمَّدية»: هذا أحد احتمالين نقلهما الحافظ ابن حجرٍ عن ابن أبي جمرة في باب: «الرِّقاق» [خ¦6573] ، والاحتمال الثَّانِي: أن تُحمَل الآية على الأعمِّ من ذلك، فيدخل فيه جميع أهل التَّوحيد حتَّى من الجنِّ. انتهى. عجمي».
[5] في هامش (ص): «قوله: «وأجيب...» إلى آخره: قد يُمنَع بأنَّها صغيرة؛ لأنَّ الظَّاهر أنَّ الملك لم يقل ذلك من تلقاء نفسه بدليل أنَّ المواطن لامتحان المؤمنين، بل هو آخر امتحاناتهم. انتهى. كما صرَّحوا به. انتهى. عجمي».
[6] «رأيناه»: ليس في (د)، وفي (ص): «رأينا».
[7] «أي: الكلاليب»: ليس في (د).
[8] في (م): «أن لا يعلم قدرها».
[9] في (ص) و(م): «فتخطَّف»، وفي «اليونينيَّة» رُمِزَ للكُشْمِيهَنيِّ كما هو مُثْبَتٌ.
[10] «وفوقية بعد الخاء»: ليس في (ص) و(م).
[11] في هامش (ص): «قوله: بحديث: «أقرب ما يكون إذا سجد»: هكذا في النُّسخ، والَّذي في «الجامعين» من رواية مسلم وأبي داود والتِّرمذي عن أبي هريرةَ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ»، قال ابنُ مالكٍ: قوله: «وهو ساجدٌ» جملةٌ حاليَّةٌ سدَّت خبرَ المبتدأِ أو نظيره: ضربي زيدًا قائمًا، التزمت العرب حذف خبر هذا المبتدأ وتنكير «قائمًا»، وجعلت المبتدأ عاملًا في مفسِّر صاحب الحال، وشرحه ابنُ مالك: بأنَّ «كان» المقدَّرة تامَّة، و«قائمًا»: حال من فاعله، التزم العرب تنكير «قائمًا»، وإيقاع الجملة الاسميَّة المقرونة بواو الحال موقعه في هذا الحديث، فالمبتدأ فيه مؤوَّل بمفسِّر صاحب الحال؛ يعني: بالمصدر المقدَّر؛ لأنَّ لفظ «ما يكون» مؤوَّل بالكون، والتَّقدير: أقرب الكون كون. انتهى. «عقود الزُّبرجد»، فأكثروا له الدُّعاء، وفي «الجامع الكبير» من رواية ابن النَّجَّار عن عائشة والطَّبرانيِّ عن ابن مسعود: «أقرب ما يكون العبد من الله وهو ساجدٌ». انتهى. عجمي».
[12] في (د): «لأغراضٍ».
[13] قوله: «وقال الله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ} [العلق: 19] . .. وجاهد حتَّى سجد واقترب، فكان من المُقرَّبين»، سقط من (م).
[14] لم يرد اسم الجلالة في (د) و(م).
[15] في (د): «نعلم».
[16] في (ص): «شبَّهه».
[17] «فيه»: ليس في (د).
[18] زيد في (ص): «والأصيليِّ»، وليست في «اليونينيَّة».
[19] «ذكوًا»: ليس في (د) و(م).
[20] في (م): «لا أكونن».
[21] في «ذلك»: ليس في (د).
[22] في (م): «يأت»، وفي (ص): «اليأت».
[23] في (م): «ويُقدَّر».
[24] «نحو»: ليس في (ص).
[25] في (ص): «ويل».
[26] في (د): «صفة»، وهو تحريفٌ.
[27] «من»: ليس في (م).
[28] «بدلٌ: من قوله: قال: الله عزَّ وجلَّ: زِدْ»: سقط من (د).
[29] زيد في غير (ص) و(م): «الخدريِّ».





لا تتوفر معاينة

185/806# قال أبو عبد الله: حدَّثنا أبو اليَمانِ: أخبَرنا شُعَيْبٌ، عن الزُّهْرِيِّ، أخبَرني سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ وَعَطاءُ بنُ يَزِيدَ اللَّيْثِيُّ:

أَنَّ أَبا هُرَيْرَةَ أخبَرهما: أَنَّ النّاسَ قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَىَ

@%ص162%

رَبَّنا يَوْمَ القِيامَةِ؟ قَالَ: «هَلْ تَـُــمارَونَ فِي القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، لَيْسَ دُونَهُ سَحابٌ؟» قالُوا: لا يا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَهَلْ تُمارونَ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ دُونَها سَحابٌ؟» قالُوا: لا. قَالَ [1] : «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَقُولُ: مَنْ كانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّـبِـــعْ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَـتَّــبِـــعُ الشَّمْسَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَـتَّــبِـــعُ القَمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَـتَّــبِـــعُ الطَّواغِيتَ، وَتَبْقَىَ هَذِهِ الأُمَّةُ فيها مُنافِقُوها، فَيَأتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: هَذا مَكانُنا حَتَّىَ يَأتِيَنا رَبُّنا، فَإِذا جاءَ رَبُّنا [2] عَرَفْناهُ. فَيَأتِيهِمُ اللهُ فَيَقُولُ: أَنا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: [3] أَنْتَ رَبُّنا. فَيَدْعُوهُمْ فَيُضْرَبُ الصِّراطُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلا يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ يَوْمَئذٍ [4] إلَّا الرُّسُلُ، وَكَلامُ الرُّسُلِ يَوْمَئـذٍ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ [5] . وَفِي جَهَنَّمَ كَلالِيبُ مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدانِ، غَيْرَ أَنَّهُ لا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِها إلَّا اللهُ، تَخْطَـِــفُ النّاسَ بِأَعْمالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ بِعَمَلِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ ثُمَّ يَنْجُو، حَتَّىَ إذا أَرادَ اللهُ رَحْمَةَ مَنْ أَرادَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَمَرَ المَلائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ كانَ يَعْبُدُ اللهَ، فَيُخْرِجُونَهُمْ [6] قَدِ امْتَـُحَـِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ ماءُ الحَياةِ [7] ، فَيَنْبُتُونَ كَما تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، قال: ويبقى رَجُلٌ بين الجنَّة والنَّار، وهو آخِرُ أهل النَّار دُخُولاً الجَنَّة، مُقْبِلٌ بوجهه قِبَلَ النَّارِ، فيقول: يَا رَبُّ اصْرِفْ [8] وَجْهيَ عن النَّار، قد قشبَني ريحُها، وأحرقني ذَكاؤُها [9] ». وساق الحديث.

قوله: (هل تُمارُون) من المِرْيَة، وهي الشَّكُّ [10] في الشيء والاختلاف فيه، وأصله: تَتَمارُون، فأسْقَط إحدى التاءين.

وأمَّا قوله: (فَيَأْتِيهَم اللهُ) إلى تمام الفَصْل، فإنَّ هذا مَوْضِعٌ يحتاج فيه الكلامُ إلى تأويل وتَخْريجٍ، وليس ذلك من أَجْل أنَّا نُنْكِرُ رُؤيةَ اللَّه تعالى، بَلْ نُثْبِتُها، ولا مِنْ أَجْل أنَّا نَدْفَع بما [11] جاء في الكتاب، وفي أخبارِ الرسول صلى الله عليه وسلم من ذِكْرِ المَجيء والإتيان، كقوله

@%ص163%

عز وجل : {وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [الفجر: 22] . وكقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ } [البقرة: 210] ، وما أَشْبَهَهُما من الآي [12] ، غيرَ أنَّا لا نُكَيِّفُ [13] ذلك، ولا نَجعَلُه حَرَكَةً وانْتِقالاً، كمجيء [14] الأشخاص وإتيانها، فإنَّ ذلك من نُعُوتِ الحَدَث، وتعالى اللهُ عن ذلك عُلُوَّاً كبيراً.

ويَجبُ أن يُعْلَمَ أنَّ الرُّؤْيَةَ التي هي ثوابُ الأولياء وكرامَةٌ لهم [15] في الجَنَّةِ غيرُ هذه الرُّؤْيَة المذكورة في مقامهم يوم القيامة؛ لأنَّ في خبر صُهَيْبٍ [16] أنَّ أهلَ الجنَّةِ إذا دَخَلُوا الجَنَّة نَادَى منادٍ: أَلا إنَّ لكم عند اللهِ موعداً؟ فيقولون: ألم يُبَيِّضْ وُجُوهنا، ألم يُنَجِّنَا من النار، ألم يُدْخِلْنا الجَنَّة، فَيَتَجَلَّى لهم الرَّبُ [17] تبارك وتعالى فَيَرَوْنه. الحديث [18] .

وإنَّما تَعْرِيضُهم [19] لهذه [20] الرؤية امتحانٌ من الله عز وجل لهم، يَقَعُ به التَّمييزُ بين مَنْ عَبَدَ اللَّه تعالى، وبين مَنْ عَبَدَ الشَّمسَ والقَمرَ والطواغيتَ، فَيَتَّبعُ كُلٌّ من الفريقين مَعْبُودَه، وليسُ يُنكَرُ أن يكونَ الامتحانُ إذْ ذاك بعد قائماً، وحُكْمهُ على الخَلْقِ جارياً، حتَّى يَفْرَغَ من الحِساب، ويَقَعَ الجزاءُ بما يَسْتَحقُّونه من الثَّواب والعِقاب، ثمَّ يَنْقَطع إذا حُقَّت الحقائق، واسْتَقَرَّتْ [21] أُمورُ العبادِ قَرَارَتها [22] ؛ ألا ترى [23] قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ } [القلم: 42] ، فامْتُحِنْوا هناك بالسُّجُود، وجاء في الحديث [24] : «إنَّ المؤمنين يَسْجدون وتبقى ظُهُورُ المنافقين طَبقاً واحداً» [25] .

وتَخْرِيجُ [26] معنى إتيانِ اللهِ في هذا إيَّاهم [27] : أنَّه يُشْهِدُهم رُؤيَتَه ليُثْبِتُوه، فتكون معرفتُهم له في الآخرة عِياناً، كما كان اعترافُهم بربُوبيَّتهِ في الدنيا عِلْماً واسْتِدْلالاً، ويكونُ طُروءُ الرُّؤْية بعد أن لم تكن بمنزلة إتيان الآتي من حيثُ لم يَكونُوا شاهدوه فيه

@%ص164%

قَبْل [28] .

ويُشْبِهُ [29] أن يكون _والله أعلم_ إنَّما حَجَبَهم عن تحقيق الرُّؤْية [30] في الكَرَّة الأولى حتَّى قالوا: هذا مكاننا حتَّى يَأْتِينا رَبُّنَا؛ من أجل مَنْ معهم من المنافقين الذين لا يَسْتَحِقُّون الرُّؤْيةَ، وهم عن ربِّهم مَحْجُبون، فلمَّا تَمَيَّزُوا عنهم ارتفعَ الحُجُبُ [31] فقالوا عندما رَأَوْه [32] : أنت رَبُّنا.

وقد يحتمل أن يكون ذلك قَولَ المنافقين دُونَ المؤمنين، وهذا وإن لم يكن مَذْكُوراً في الحديث فالمعنى يُرْشِدُ إليه، والفَحْوَى يَدُلُّ عليه.

وقد يُسْتَدَلُّ على المراد بسياق الكلام وبِمُقَدِّماته وبِفَحْواه، كما يُسْتَدَلُّ بصريح الاسم وبَيَان اللَّفْظ، وكُلُّ وَقْتٍ وزَمان أوْ حَالٍ أَوْ مقامٍ حُكْمُ الامتحان فيه قائمٌ، فَلِلاْجْتهادِ والاسْتِدلالِ فيه مَدْخَلٌ.

وقد قال ابراهيم صَلوات الله عليه حين رأى الكوكب: { هَـذَا رَبِّي } [الأنعام: 76] ثمَّ تَبَيَّن فَسَادُ هذا القول لمَّا رأى القَمرَ أكبرَ جِرْماً، وأَبْهَرَ نُوراً، فلمَّا رأى الشَّمْسَ، وهي أعلاها في منظر العين وأَجْلاها للبَصَر، وأكثرها ضياءً وشُعَاعاً قال: { هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ } [الأنعام: 78] فلمَّا رأى أُفُولها وزِيَالها، وتَبَيَّن أنَّها مَحلٌّ للحَوادِث والتَّغْييرات تَبَرَّأ منها كُلَّها، وانْقَطَعَ عنها إلى رَبٍّ هو خالقُها ومُنْشِئُها، لا تعترضُه الآفاتُ، ولا تحلُّه الأعْراضُ والتَّغْييرات.

وقد رَوَى الإمام أبو عبد الله هذا الحديثَ في بعض أبواب هذا الكتاب من طريق مَعْمَر، عن الزُّهْرِيِّ [33] بزيادةِ لَفْظَةٍ لم يَذْكُرْها في رواية شعيب بن أبي حمزة، عن الزهريِّ.

6573# قال أبو عبد الله: حَدَّثَنا مَحْمُودٌ، قال: أخبرنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ نَاسٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ: «هَلْ تُضَارُّونَ فِي الشَّمْسِ، لَيْسَ دُونَهَا سَحَابٌ». قالُوا: لاَ [34] . قَالَ: «فهَلْ تُضَارُّونَ [35] فِي الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فيها [36] سَحَابٌ». قَالُوا: لا [37] يَا رَسُولَ اللهِ.

@%ص165%

قَالَ: «فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ كَذَلِكَ، يَجْمَعُ اللهُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ كَانَ يَعْبُدُ شَيْئاً فَلْيَتَّبِعْهُ. فَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ [38] يَعْبُدُ الشَّمْسَ الشمس، وَيَتْبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الْقَمَرَ القمر، وَيَتَّبَعُ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ الطواغيت [39] ، وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا، فَيَأْتِيهِمُ اللهُ فِي غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ، هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا [40] رَبُّنَا، فَإِذَا أَتَانَا [41] رَبُّنَا عَرَفْنَاهُ. فَيَأْتِيهِمُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَعْرِفُونَ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: نعم، أَنْتَ رَبُّنَا وَيَتْبَعُونَهُ.» وساق الحديث.

وهذا الحديث وما يتلُوه من طريق حَفْصِ بن مَيْسَرةَ، من روايةَ الفِرَبْريِّ، ليس من رواية ابن مَعْقِل.

قلت: ورواه أيضاً من غير هذا الطريق، قال:

7439# حَدَّثناه مُحمَّد بنُ عبد العزيز، قال: حَدَّثنا حَفْصُ بنُ مَيْسَرة، عن زيد بن أَسْلَم، عن عطاء بن يَسار:

عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، وذكر القِصَّة فقال: «إذا كان يومُ القيامة أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعَ كُلُّ أُمَّةٍ ما كانت تعبدُ. فلا [42] يبقى مَنْ كان يعبدُ غَيْرَ اللهِ من الأصنام والأَنْصاب [43] إلَّا يَتَسَاقطون في النَّار، حتَّى إذا لم يَبْقَ إلَّا مَنْ كان يعبدُ اللهَ بَرٌّ أو فاجِرٌّ، وغُبَّراتُ أهل الكتاب [44] ...» وذكر الحديث إلى أن قال: «يأتيهم في أَدنى صُورةٍ من التي رَأَوْهُ فيها...» [45] وساق بقيَّة الحديث.

قلت: أمَّا قوله: (نعوذ بالله منك) فإنَّه يُؤَكِّدُ ما تأوَّلناه في الحديث الأوَّل من أنَّه قولَ المنافقين دُونَ قولِ المؤمنين، ولَفْظُه وإن كان عامّاً فالمراد به خاصٌّ، وهو بمنزلة قوله عز وجل : {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ } [آل عمران: 173] . فالاسمُ عامٌّ في الشِّقَّين، [46] والمُرادُ خاصٌّ فيهما.

وأَمَّا ذِكْرُ الصُّورة في هذه القِصَّة من طريق مَعْمر عن الزُّهْري، فإنَّ الذي يجبُ علينا وعلى كُلِّ مُسلمٍ أن نَعْلَمَ أنَّ رَبَّنا عز وجل ليس بذي صُورةٍ ولا هَيئةٍ، فإنَّ الصُّورة تقتضي الكَيْفيَّة، وهي عن اللهِ وعن صفاته مَنْفيَّة، وقد [47] يُتأوَّلُ معناها

@%ص166%

على وجهين:

أحدهما: أن تكون الصُّورةُ بمعنى الصِّفَةِ، كقول القائل: صُورةُ هذا الأمر كذا وكذا؛ يُريد: صِفَته، فَتُوضَع الصُّورةُ مَوضِعَ الصِّفَة.

والوجه الآخر: أنَّ المذكور من [48] المعبودات في أوَّل الحديث إنَّما هي [49] صُورٌ وأجسامٌ، كالشمس والقمر والطواغيت ونحوها، ثمَّ لمَّا عَطَف عليه ذِكْرَ اللهِ تعالى خرج الكلام فيه على نَوْعٍ من المُطابقة، فقيل: يأتيهم اللهُ في صُورة كذا؛ إذا كانت المذكورات قَبْلهَ صُوراً وأجساماً، وقد يحمل آخرُ الكلام على أَوَّلِه في الَّلفْظِ، ويُعْطَفُ بأحَدِ الاسمين على الآخر، والمعنيان مُتباينان، وهو كثير في كلامهم، كالعُمرَيْن [50] ، والأسْودين [51] ، والعَصْرين [52] ، ومثله في الكلام كثير.

ومِمَّا [53] يُؤكِّدُ التأويل الأَوَّلَ، وهو أنَّ معنى الصُّورة الصِّفَة [54] قوله صلى الله عليه وسلم في رواية عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدريِّ: «فيأتيهم الله في أَدنى صُورةٍ من التي رَأَوْهُ فيها» [55] . وهم لم يكونوا رَأَوْهُ قَطُّ قبل ذلك، فَعَلِمْت أنَّ المعنى في ذلك الصِّفة [56] التي عَرفُوه بها

وقد تكون الرُّؤية بمعنى العِلم كقوله عز وجل : { وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } [البقرة: 128] أي: عَلِّمْنا. وكقول حُطائط:

~أرِيني جواداً مَات هَزْلاً لَعَلَّني أرى مَا تَريْنَ أو بخيلاً مُخَلَّداً [57]

أي: أَعْلَمُ ما تعلمين.

ومن الواجب في هذا الباب أن يُعْلَمَ أنَّ مثل هذه الألفاظ التي تَسْتَبْشِعُها النفوس إنَّما خرجت على سَعَةِ مجالِ كلام العرب ومَصَارفِ لغاتها، وأنَّ مَذْهَبَ كثيرٍ من الصحابة وأكثرِ الرُّواة من أهل النَّقْل الاجتهادُ في أداء المعنى دُون مُراعاة أعيان الألفاظ، وكُلٌّ منهم يَرويهِ [58] على حَسَبِ معرفته، ومقدار فَهْمه، وعَادةِ البيان من لغته، وعلى أهل العلم أن يَلْزَمُوا حُسنَ الظَّنِّ بهم [59] ، وأن يُحْسِنُوا [60] التَّأني لمعرفة معاني مَا رَوَوْه، وأن

@%ص167%

يُنْزِلُوا كُلَّ شيءٍ منه مَنْزِلَةَ مثله فيما يَقْتَضيه أحكام أُصُول الدِّين ومَعَانيها، على أنَّك لا تجِدُ بحمد الله ومَنِّهِ شيئاً صَحَّت به الرِّواية [61] عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلَّا وله تأويلٌ يَحتملُه وَجْهُ الكلام [62] ، ومعنىً لا يَسْتَحيل [63] في عَقْلٍ أو مَعْرفةٍ.

أخبرنا ابن [64] الأعرابيِّ، قال: حَدَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الملك الدَّقِيقيُّ: حَدَّثنا يزيدُ بنُ هارون: أخبرنا مِسْعَرُ، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَريِّ، عن أبي عبد الرحمن السُّلَمِيِّ، عن عليِّ بن أبي طالب قال: إذا حُدِّثتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فَظُنُّوا به الذي هو أَتْقَى، والذي هو أَهْيأ، والذي هو أَهْدَى [65] .

وأمَّا قوله: (هَلْ تَضَارُّون في الشمس؟) فمعناه: تَزَاحَمُون عند رُؤيته حتَّى يَلْحَقَكُم بتدانيكم الضَّرَرُ، ووزنه تتفاعلون، حُذِفت إحدى التاءين منها.

و (السَّعدان): نبات له شَوكٌ، إلَّا أنَّه إلى العِرَض، والإبلُ تَرعَاه وتَسْمن عليه، ولذلك قيل: مَرْعىً ولا كالسَّعْدان [66] .

وقوله: (فمنهم مَنْ يُوبَقُ بعمله) يقال: وَبَقَ الرَّجُلُ؛ إذا هلك، يَبِقُ [67] . وأوبَقَه اللهُ؛ إذا أهلكه.

وقوله: (يُخَرْدِلُ) أي: يَقْطَع، يقال: خَرْدَلتُ اللَّحْمَ؛ إذا قَطَّعْتَه. وقَطَّعَه الأسَدُ خَراديلَ؛ إذا تركَه قِطعاً.

وقوله: (امْتَحَشُوا) معناه: احْتَرَقُوا، يقال: مَحَشَتْه [68] النَّارُ فامْتَحَش [69] .

و (الحِبَّة) مكسورة الحاء [70] : بُزورُ النبات. و (الحَبَّة) مفتوحتها [71] : واحدة الحَبِّ المأكول.

و (حَمِيلُ [72] السَّيْل): ما يحملهُ فوقه من الغُثَاء ونحوه.

وقوله: (قشَبَني ريحُها) يقال: قَشَبَه الدُّخانُ؛ إذا امْتلأَت خياشِيمُهُ [73] من الدُّخان، ويقال: أصلُ القَشْب: السُّمُّ [74] ؛ كأنَّه يقول: صَارَ ريحُها كالسُّمِّ في أنفي [75] . ويقال: نَسرٌ قَشِيبٌ؛ لأنَّه يُصَادُ بأن يُجْعَلَ في لحمة الخِرْنِقُ، فإذا أكله سَقَط فَيُصَاد.

وقوله: (وغُبَّراتُ أهل الكتاب) يريد: بقايا منهم، يقال لِبَقيَّة الشيء:

@%ص168%

غُبْر [76] ، وجمعه أغبارٌ وغُبَّرٌ، ويجمع على الغُبَّرات.

وفي هذا الحديث [77] من طريق إبراهيم بن سَعْد، عن ابن شهاب [78] ، عن عَطاء ابن يزيد، عن أبي هريرة، وذكر الرجُلَ الذي سَيبقى [79] آخِرَ الناس، وأنَّه إذا قام إلى باب الجَنَّة انْفَهَقَتْ له الجَنَّةُ.

7437# قال أبو عبد الله: حَدَّثنيه عبدُ العزيز بنُ عبد الله، قال: حَدَّثنا إبراهيم بنُ سعد [80] .

قلت: وهذا الحرفُ غيرُ مَسْمُوعٍ، وهو من جملة مَا فاتني سَمَاعُه من آخر هذا الكتاب.

وقوله: (انفهقت) يريد: انفتحت واتَّسَعت، وأَصْلُه التُّوَسُّعُ في الشيء والاسْتكثار، قال الشاعر:

~كَجَابِيَة السَّيْح [81] العِراقِيِّ تَفْهَقُ [82]

أي: تَفِيِضُ منه [83] ، ومنه الحديث: «إنَّ أَبْغَضَكم إليّ الثَّرْثَارُون المُتَفَيْهقُون» [84] . يُريدُ: المُكْثِرينَ ما لا يَعْنيهم من الكلام [85] .

[1] قوله: (قال) زيادة من (ط).
[2] في (أ) و (م): (فإذا جاءنا).
[3] أقحم في (ط) هنا قوله (هذه الدنيا أنت في أصل).
[4] في (ف): (ولا يتكلم يومئذ أحد ذلك اليوم).
[5] في (ر): (اللهم سلم اللهم سلم).
[6] في (ر): (فيخرجوهم).
[7] في (ف): (من الحياة).
[8] في النسخ الفروع إلَّا (م): (صن).
[9] في (ط): (دكاوها) بالدال المهملة والواو، محرفاً
[10] في (م): (من المرة وهي الشدة).
[11] في (ط): (ما) بإسقاط الباء.
[12] في (ط): (وما أشبهها من الآية).
[13] في (ف): (لا تكيفه بكيفية).
[14] في (ر): (لا كمجيء).
[15] في (ف): (وكرامتهم).
[16] (صُهَيب) سقط من (ط).
[17] في (أ) و (م): (ربهم).
[18] انظر: صحيح مسلم رقم (297)، والترمذي رقم (2552)، عن صهيب.
[19] في (ط): (تعرضهم) بإسقاط الياء.
[20] في (ر) و (ف): (بهذه).
[21] في النسخ الفروع: (واستقر).
[22] في (م): (أمر العباد قراره).
[23] في النسخ الفروع: (ألا تراه).
[24] في النسخ الفروع: (وروي).
[25] انظر: غريب الحديث لأبي عبيد (4/72)، والنهاية لابن الأثير (3/114).
[26] في (ط) (يخرج) بياء المضارعة.
[27] في النسخ الفروع: (في هذه القصة) وتصحفت في (أ) إلى (هذه الصفة).
[28] هنا يختل الترقيم في الأصل أيضاً ويبدأ من الورقة [83/ب]
[29] في (أ) و (م): (ويمكن).
[30] قوله (بعد أن لم تكن.... عن تحقيق الرؤية) سقط من (ط).
[31] في (ر) و (م): (الحجاب).
[32] في (أ) و (ر) و (ف): (فقالوا عنده). وفي (م): (عند ذلك)
[33] قوله (في بعض...الزهري) سقط من (ط).
[34] في (ف): (قالو: لا يا رسول الله).
[35] قوله: (في الشمس.. تضارون) سقط من (أ).
[36] في (ف): (فيه).
[37] قوله (قال فهل تضارون في القمر... قالوا لا) سقط من (ط)
[38] (فيتبع من كان) تكررت في (ط).
[39] في النسخ الفروع: (من كان يعبد الشمس الشمس... القمر القمر... الطواغيت الطواغيت).
[40] في (ر) و (ف): (يأتي).
[41] في (أ): (أتى).
[42] في (م): (فما).
[43] في (ر) و (ف): (من الأنصاب والأزلام) وفي (أ) و (م): (الأنصاب والأصنام).
[44] في الأصل (أهل النار) وفي (ط) (أهل النار الكتاب) والمثبت من الصحيح.
[45] انظر: البخاري رقم (7439)، عن أبي سعيد الخدري.
[46] في (م): (في المنافقين).
[47] في النسخ الفروع: (وهو).
[48] (من): سقط من (ط).
[49] في (ر): (هو).
[50] (العمران): أبو بكر وعمر (التاج_ عمر_).
[51] (الأسودان): التمر والماء. (التاج_ سود_).
[52] (العصران): هما صلاة الفجر، وصلاة العصر، سُمِّيا بالعصرين؛ لأنهما يقعان في طَرَفي العصرين، وهما الليل والنهار (التاج_ عصر_)
[53] في (ف): (وهما).
[54] في النسخ الفروع: (يؤكد قوله صورة بمعنى الصفة).
[55] انظر: صحيح مسلم رقم (183).
[56] في النسخ الفروع: (علم أنه أراد الصفة).
[57] البيت لحطائط بن يعفر في عمدة الحفاظ 2/971 (رأى) والدر المصون 2/117. وينسب إلى حاتم الطائي في ديوانه 40، وشرح ديوان الحماسة 4/1734 وبلا نسبة في حجة القراءات 266.
[58] في النسخ الفروع: (يروي).
[59] في النسخ الفروع: (به).
[60] في (ط): (وأن يحسن يحسنوا).
[61] في (ر) و (ف) و (م): (صحت الرواية به) وفي (أ): (صحت به عن رسول الله الرواية).
[62] في النسخ الفروع: (تأويل صحيح).
[63] في (ط): (لا يستحسن) وهو تصحيف.
[64] في (ط): (أن).
[65] انظر: سنن الدرامي رقم (598)، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ورقم (597) عن عبد الله بن مسعود.
[66] في (ط) (كسعدان) وانظر: جمهرة الأمثال للعسكري 2/242، والفرق لابن السِّيد البَطَلْيُوسي 533 و 538، وألف باء للبلوي 2/365.
[67] (يبق) ليست في (ط).
[68] في (ط): (محشيته).
[69] في (ف): (وامتحشت).
[70] في النسخ الفروع: (بالكسر).
[71] في النسخ الفروع: (بالفتح).
[72] في (ط): (حمل) بحذف الياء.
[73] في (ط): (خياشيم).
[74] في الأصل و (م) تقرأ (السمر) بالراء بعد الميم. والمثبت من (ط).
[75] في النسخ الفروع: (أي يصير في أنفه كالسم).
[76] في (ط): (غير) بالياء التحتية.
[77] في النسخ الفروع: (وفيه).
[78] في النسخ الفروع: (عن الزهري) وبعده زياده: (لم أسمعه).
[79] قوله: (سيبقى) سقط من الأصل، وفي (ط): (سقى) والمثبت هو الصواب.
[80] انظر: البخاري رقم (7437)، عن أبي هريرة.
[81] في الأصلين والفروع: (الشيخ) والمثبت من المصدر.
[82] عجز بيت للأعشى في ديوانه 225 وفيه (السيح) بالسين المهملة بمعنى النهر وصدر البيت:
نفى الذَّمَّ عن آل المُحَلَّق جَفُنَةٌ
والبيت له في البحر المحيط 7/55، والدر المصون 9/162، وعمدة القاري 13/63، واللسان، والتاج (جبى).
[83] قوله: (منه) زيادة من (ط).
[84] انظر: الترمذي رقم (2087)، عن جابر بن عبد الله.
[85] قوله (من الكلام) سقط من (ط).





لا تتوفر معاينة

لا تتوفر معاينة

806# (الطَّوَاغِيتَ): جمع (طاغوت)؛ وهو ما عُبِدَ من دون الله، والطَّاغوت: هو الشَّيطان، وكلُّ معبود من حجر أو غيره.

قوله: (وَتَبْقَى هَذِهِ الأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا): يدلُّ على أنَّ المنافقين يتَّبعون محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم، فلمَّا انكشف لهم من الحقيقة رجاءً منهم أن ينتفعوا بذلك؛ قال: فتميِّزهم [1] الغرَّة والتَّحجيل من أثر الوضوء، فيتبيَّن حينئذٍ المنافق؛ إذ لا غرَّة ولا تحجيل، ويؤخذ بهم ذات الشمال في جملة من ارتدَّ بعده عليه الصَّلاة والسَّلام، فيقال: لا تدري ما أحدثوا بعدك؟ فيقول: «سحقًا سحقًا»، فظنُّوا أن تَسَتُّرهم بالمؤمنين في الآخرة ينفعهم؛ كما في الدُّنيا؛ جهلًا منهم، فبقوا هنالك حيارى حتَّى مُيِّزوا.

قوله: (فَيَأْتِيهِمُ اللهُ): (الإتيان) هنا: إنَّما هو كشف الحجاب؛ لأنَّ الحركة والانتقال لا يجوز على الله تعالى، ثمَّ يقال _يعني: للمؤمنين_: هل بينكم وبينه آية تعرفونها؟ فيقولون: نعم؛ فيُكشف عن ساق؛ أي: يوضَّح الحق، ويتجلَّى لهم الأمر، فيرَونه حقيقة معاينة، وكشف السَّاق مثلٌ تستعمله العرب في الأمر إذا حقَّ ووضح؛ كقوله: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ؛ ولهذا قالوا: إذا جاء ربُّنا؛ عرفناه، فقيل لهم: تعرفونه؟ قالوا: إنَّه لا شبيه له ولا نظير [2] .

(الصُّورة): الأولى، التَّعوُّذ منها؛ أي: أنَّه تعالى لمَّا تجلَّى لعباده المؤمنين أوَّل مرَّة؛ رأوه فيها حقيقًا، لكنَّهم انصرفوا عن رؤيته من الهيبة بالسُّجود، وعادوا إلى رؤيته ثانيًا.

وقوله: (فِي أَدْنَى صُورَةٍ): يدلُّ على أنَّ المراد بالصُّورة: الصِّفة، كما [مرَّ] ؛ لأنَّهم ما رأوه قبلها، فعلم أنَّ المراد: الصِّفة التي [3] رأوه بها وعرفوه بها سبحانه.

وقوله: (نَعُوذُ بِاللهِ مِنْكَ): هو [4] قول المنافقين المجرمين، و(الرُّؤية) هنا: تكون بمعنى (العلم)، قال الله تعالى: {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [البقرة:128] ، قال ابن الجوزيِّ: يأتيهم بأهوال القيامة، وصور الملائكة، وما لم يعهدوه في الدُّنيا، فيستعيذون من تلك الحال ويقولون: إذا جاء ربُّنا؛ أي: أتانا بما نعرفه من لطفه، وهو الصُّورة التي يعرفونها، فيكشف عن ساق؛ أي: شدَّةٍ، كما يرفع تلك الشدائد، فيسجدون شكرًا لله.

وقوله: (بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ): يقال: نزلت بين ظهرانيهم وظهريهم؛ أي: في وسطهم متمكنًا بينهم، لا في طرفهم.

(فَأَكُونُ أَنَا أَوَّلَ مَنْ يجيز بِأُمَّتِهِ [5] ): أي: أوَّل من يمضي عليه ويقطعه.

وقوله: (وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا الرُّسُلُ): أي: في حال الإجازة، وإلَّا في القيامة مواطن يتكلَّم النَّاس فيها، وتجادل [6] كلُّ نفس عن نفسها.

قوله: (الكَلَالِيْب): حديدة معطوفة؛ كالخطاف.

و(السَّعْدَانِ): نبت معروف.

وقوله: (مَا [7] يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللهُ، ويخطف [8] ): بكسر الطَّاء وفتحها، والفتح أفصح، وتأخذهم الكلاليب [9] وتسالبهم بسرعة على قدر ذنوبهم.

وقوله: (يُوبَقُ): معناه: المهلك.

قوله: (يُخَرْدَلُ): ومعناه: الإشراف على السُّقوط والهلاك، من (خردلت اللَّحم)؛ إذا قطعته قطعًا صغارًا؛ ومعناه: تقطعهم بالكلاليب، وقيل معناه: يقطعهم عن لحوقهم بالنَّاجين، [وفي حديث آخر: «فناج مسلم] ومخدوش».

قوله: (امْتَحَشُوا): هو بتاء مفتوحة، وحاء وشين معجمة؛ معناه: انقبضوا واسوَّدوا، صاروا حممًا.

قوله: (حِبَّة): بكسر [الحاء] ، بذر البقل، أو حبُّ الرِّيحان، أو غيرها.

وقوله: (مَاءُ الْحَيَاةِ): هو الذي من شربه أو صُبَّ عليه لم يمت أبدًا، وشُبِّه بنبات الحِبَّة؛ لبياضها وسرعة نباتها؛ لأنَّها تنبت في يوم وليلة.

قوله: (ثُمَّ يَفْرُغُ اللهُ

@%ج1ص35%

مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْعِبَادِ): معناه: تمَّم حسابهم وكمَّله وفصَّله.

قوله: (قَشَبَنِي): قال: سمَّني ريحها، قال الخطَّابيُّ: قشبه الدُّخان؛ إذا ملأ خياشيمه.

(وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا): معناه: لهيبها واشتعالها وشدَّة وهجها.

وقول الرَّب سبحانه: (مَا أَغْدَرَكَ!): تلطُّف بعبده وتأنيس؛ لكثرة إدلاله عليه وسؤاله، والضَّحك من صفات الرَّبِّ جلَّ جلاله؛ ومعناه: الاستبشار والرِّضا، لا ضحك بلَهَواتٍ.

قوله: (لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ): معناه: إن أنت أبقيتني على هذه الحالة، ولا تدخلني الجنَّة لأكوننَّ [10] أشقى خلقك الذين دخلوها [11] .

قول أبي سعيد: (وَعَشرة [12] أَمْثَالِهِ): يحتمل أن يكون جميع ما أعطى هذا كلَّه، وأن يكون هو وعشرة أمثاله، فإمساك العبد عن السؤال؛ حياءً من الرَّبِّ عزَّ وجلَّ، والله تعالى يحبُّ السُّؤال وهذا حال المقصِّر، فكيف حال المطيع؟!

وقوله الرَّبِّ سبحانه: (أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ؟!): إيناس له وبسط، وقول العبد: (تهزأ بي؟!): نفى عنه سبحانه الاستهزاء الذي لا يجوز عليه؛ كأنَّه قال: اعلم أنَّك لا تهزأ؛ لأنَّك ربُّ العالمين، فيه: إثبات رؤية الله تعالى {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22-23] .

[1] في (أ): (فتبيِّنهم).
[2] زيد في (ب): (له).
[3] في النسختين: (الذي).
[4] في (ب): (وهو).
[5] كذا في النسختين، وفي «اليونينيَّة»: (فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ).
[6] في (أ): (يجادل).
[7] كذا في النسختين، وفي «اليونينيَّة»: (لا).
[8] كذا في النسختين، وفي «اليونينيَّة»: (تخطف).
[9] في (أ): (الكلالين)، وكذا في الموضع اللَّاحق، (وتأخذهم الكلاليب): ليس في (ب).
[10] في (أ): (لا أكونن).
[11] في النسختين: (دخلها).
[12] في (أ): (عشر)، وهي في (ب) غير واضحة، والمثبت موافق لما في «اليونينيَّة».





لا تتوفر معاينة