الكوكب المنير الساري في ختم صحيح البخاري

الشفاعة العامة ومعاني المقام المحمود

          قال الحكيم الترمذي فإذا طال انتظارهم طلبوا من يشفع لهم ليستريحوا من الوقوف والانتظار والكروب.
          عن أبي هريرة ☺ أُتيَ رسولُ اللهِ يومًا بلَحمٍ، فرُفع إليه الذِّراعُ _ وكانَت تُعجبه _ فنَهش منها نَهشة(1) وقال:«أَنا سَيِّدُ النَّاسِ يومَ القِيامَةِ، وهَل تَدرونَ بمَ ذلك؟ يَجمَعُ اللهُ الأَوَلينَ والآخِرينَ في صَعيدٍ واحِد، فيَسمَعُهم الدَّاعي ويَنفُذُهم البَصَر، وتَدنو الشَّمسُ فيَبلُغُ النَّاسَ من الحَرِّ والكَربِ ما لا يُطيقونَ ولا يَتحَملونَ، فيقولُ بعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: أَلا تَرَونَ فيما أَنتم فيه ؟أَلا تَنظُرون ما قد بَلَغَكم؟ أَلا تَنظُرون إلى مَن يَشَفعُ لكم إلى رَبِّكم؟ فيَقولُ: بعضُ النَّاسِ لبَعضٍ: إِئتُوا آدَمَ، فيَأتونَ آدَمَ، فيَقولونَ يا آدَمُ، أنتَ أَبونا أَبو البَشَرِ، خَلَقَك اللهُ بيَدِه ونَفَخَ فيك من رُوحِه، وأَمَرَ المَلائكَةَ فسَجَدوا لك، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك أَلا تَرَى ما نَحن فيه؟ أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا ؟ فيَقولُ: إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه مثلَه ولن يَغضَبَ بعدَه مثلَه، وإنَّه نَهاني عنِ الشَّجَرَة فعَصَيتُه، نَفسِي نَفسِي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى نُوحٍ.
          فيَأتونَ نُوحًا فيَقولونَ: يا نُوحُ، أنتَ أَوَّلُ المُرسَلينَ / إلى الأَرضِ، وسَمَّاكَ اللهُ عَبدًا شَكورًا، اشفَعْ لنا إلى رّبِّنا، أَلا تَرَى ما نَحن فيه ؟أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم نُوحٌ: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه مثلَه ولن يَغضَبَ مثلَه بعدَه، وإنَّه قد كانَت لي دَعوَةٌ دَعَوتُ بها على قَومي، نَفسِي َنفسِي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى إبرَاهيمَ.
          فيَأتونَ إبرَاهيمَ فيَقولونَ: يا إبرَاهيمُ، أنتَ نَبيُّ اللهِ وخَليلُه منَ الأَرضِ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك أَلا تَرَى ما نَحن فيه؟ أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا، فيَقولُ لهم إبرَاهيمُ: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه مثلَه ولن يَغضَبَ بعدَه مثلَه أَبَدًا، وذَكَرَ كَذَباتِه، نَفسِي نَفسِي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى مُوسَى.
          فيَأتونَ مُوسَى فيَقولونَ: يا مُوسَى، أنتَ رسولُ اللهِ فَضَّلَك برِسالاتِه وبكَلامِه على النَّاسِ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا؟ أَلا تَرَى ما نَحن فيه ؟فيَقولُ لهم: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه مثلَه ولن يَغضَبَ بعدَه مثلَه، وإنِّي قتَلَتُ نَفسًا لم أُومَرْ بقَتلِها، نَفسِي نَفسِي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى عِيسَى.
          فيَأتونَ عِيسَى فيَقولونَ: يا عِيسَى، أنتَ رسولُ اللهِ وكَلَّمتَ النَّاسَ في المَهدِ وكَلِمَتُه أَلقاها إلى مَريمَ ورُوحٌ منه، فاشفَعْ لنا إلى رَبِّك أَلا تَرَى ما نَحن فيه ؟أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا؟ فيَقولُ لهم عِيسَى: إنَّ رَبِّي قد غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يَغضَبْ قبلَه مثلَه ولن يَغضَبَ بعدَه مثلَه، ولم يَذكُرْ ذَنبًا، نَفسِي نَفسِي، اذهَبوا إلى غَيري، اذهَبوا إلى مُحمَّدٍ صلعم .
          فيَأتونَه فيَقولونَ يا مُحمَّدُ، أنتَ رسولُ اللهِ وخاتَمُ الأًنبِيَاءِ وغَفَرَ اللهُ لك ما تَقَدَّمَ من ذَنبِك وما تَأَخَّرَ، اشفَعْ لنا إلى رَبِّك أَلا تَرَى ما نَحن فيه؟ أَلا تَرَى ما قد بَلَغَنا؟ فأَنطَلِقُ فَآتِي تَحتَ العَرشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لرّبِّي، ثم يَفتَحُ / اللهُ عليَّ ويُلهِمُني من مَحامِدِه وحُسنِ الثَّناءِ عليه ما لم يَفتَحْه لِأَحدٍ غَيري من قَبلي، ثم يُقال: يا مُحمَّدُ، ارفَعْ رَأسَك وسَلْ تُعْطَ، اشفًعْ تُشفَّعْ، فأَرفَعُ رَأسِي فأَقولُ:يا رَبِّ أُمَّتي أُمَّتي، فيُقالُ:يا مُحمَّدُ، أَدخِلْ الجَنَّة من أُمَّتِك من لا حِسابَ عليه من البَابِ الأَيمَنِ من أَبوابِ الجَنَّة، وهم شُرَكاءُ النَّاسِ فيما سِوَى ذلك من الأَبوابِ، والذي نَفسُ مُحمَّدٍ بيَدِه إنَّ ما بَين الِمصراعَينِ من مَصارِيعِ الجَنَّة كما بَين مَكَّة وبُصرَى، وفي البخاري: كما بَين مَكَّة وحِميَر»(2).
          قالت الأئمة ═: هذه الشفاعة العامة التي خص بها نبينا محمد صلعم من بين سائر الأنبياء، وهي المرادة بقول النبي صلعم : «لكُلِّ نَبيٍّ دَعوةٌ مُستَجابَةٌ، فتَعجَّلَ كُلُّ نَبيٍّ(3) دَعوَةٌ، وإنِّي اختَبَأتُ دَعوَتي لشَفاعَتي لأُمَّتي» رواه الأئمة البخاري ومسلم وغيرهما(4) وهذه الشفاعة العامة لأهل الموقف.
          وروي أن المقام المحمود مقامه الذي يقف فيه(5).
          وروي أنه يكون على الكرسي عن يمين العرش صلعم (6).


[1] كذا في المخطوط، وفي مصادر التخريج:«فنهس نهسة».
[2] أخرجه البخاري (4712)، ومسلم (194).
[3] في المخطوط:«فيستعجل لكل نبي » والمثبت من مسلم ومن «التذكرة» ص 599.
[4] البخاري (6304)، ومسلم (199)، والترمذي (3602)، وابن ماجه (4307) من حديث أبي هريرة ☺.
[5] أخرجه أحمد في «مسنده» 2/441 (9684) من حديث أبي هريرة ☺ عن النبي صلعم في قوله:{ عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} [الإسراء: 79] قال «هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه»، وانظر «طهارة القلوب» ص 60، و«التذكرة» ص 601ـ603.
[6] أخرجه الطبراني في «الكبير» 12/61 (12474) من حديث ابن عباس قال في قوله تعالى:{ عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا} [الإسراء: 79] قال يجلسه فيما بينه وبين جبريل، ويشفع لأمته، فذلك المقام المحمود.