المختصر النصيح في تهذيب الكتاب الجامع الصحيح

الدافع إلى التصنيف

فصل: [الدافع إلى التصنيف]
ثم إني تدبَّرت هذا الكتابَ الصحيحَ الذي جعله الله في آخر الزمان عصمةً للمختلفين، وظَلَمًا [1] للمتفرقين، ورحمةً للعالمين؛ فألفيتُ مؤلفَه _رحمه الله_ على ضَمَان الصحة، وجامِعَه عن أهل الثقة، لم يَبلُغ من تهذيبه [ب/2] ما أراد، ولا تمكَّنَ فيه من كل ما أمَّل، واستدللتُ على أنه أُعجِل عنه بأَجَلٍ أو غالبِ شُغْلٍ، بأنه يبوِّب أبوابًا كثيرةً وتَركها فارغةً لم يخرِّج فيها أحاديثَها، وبعضُها يُفهَم من الترجمة، ولا يُفهَم من بعضٍ، ومن تلك الأبواب الفارغة ما صدَّر فيها الأحاديثَ بما يدلُّ على المعنى، ثم لم يخرِّج فيها غيرَ التصدير، وأبوابٌ كثيرةٌ قال فيها: (باب)، ثم ذكر أحاديثَها، ولم يُترجِم لها بالمعنى، وأحاديثُ مقطوعةٌ لم يُسنِدها، كحديث: «إنْ لَقِيتُم فلانًا وفلانًا فأَحرِقُوهما بالنار»، وحديثِ ابن عباس: (ليس السعيُ ببطن الوادي بين الصفا والمروة بسُنةٍ)، قال فيهما البخاري: (وقال ابن وهب)، ولم يَذكُر مَن حدَّثه عنه، وكذلك قال في حديث الخَشَبة، وحديث أَسماء: (رأيتُ زَيد بن عمرو بن نُفَيل مسنِدًا ظهرَه إلى الكعبة)، وحديثِ عائشة: (أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم يكن يسرد [2] الحديث كسَرْدِكم)، قال فيها كلِّها: (وقال الليث [3] ، ولم يَذكُر مَن حدَّثه عن الليث، وسأسنِدُها إنْ شاء الله تعالى.
وقد يُترجِم بعضَ الحديث لبيان معناه، ويُترجم بطرفٍ منه ليدلَّ عليه، وفي كثير من الأبواب خرَّج فيها أحاديثَ يَخفى معنى ذلك التبويب مِن نَصِّها، إلا باستدلالٍ خفيٍّ، وغوصٍ ذكيٍّ، ولو أُمهِل _والله أعلم_ لأردفَ تلك النصوص بما هو أجلى لوجوه المعاني وأظهر لها.
ج1ص150
ومنه أبواب لا يُفهَم ما أراد منها إلا بدليل التصدير؛ مثل: (باب قوله عزَّ وجلَّ: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَفْسِهِ} [يوسف: 23] )، ثم أَدخل حديثَ ابن مسعود: (إنَّ قريشًا لما أبطَؤوا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؛ دعا عليهم بسَبْعٍ كسبع يوسفَ)، ثم صدَّر في الباب قوله: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12]، فبلغ إلى موضع الفائدة ثم لم يذكرها؛ وهو قوله تعالى: {وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ. وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسخِرُونَ} [الصافات: 13 - 14]، وفي معنى ذلك تبويبُه، والله أعلم.
ووجه ذلك: أنه شَبَّه ما عَرَض ليوسف _عليه السلام_ مع إخوته ومع امرأة العزيز بما عَرَض لمحمد _عليه السلام_ مع قومه حين أخرجوه من وطنه وأهله وآذوه، كما أخرج إخوةُ يوسفَ يوسفَ عن أبيه، وباعوه ممَّن استعبده، فلم يُعنِّف محمدٌ _صلَّى الله عليه وسلَّم_ قومَه، كمَا لم يُعنِّف يوسفُ إخوتَه حين أتوهما تائبين معترفين، فقالوا ليوسف عليه السلام: {تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ} [يوسف: 91]، وقال أبو سفيان لمحمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم: (إنك قد بُعثتَ بصلة الرَّحِم، وإنَّ قومَك قد هلكوا، فادعُ اللهَ عزَّ وجلَّ لهم)، وقالوا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} [الدخان: 12]، فدعا لهم عليه السلام، فأخبره تعالى أنه كاشفٌ العذابَ، وأنهم عائدون، يريدُ: إلى التكذيب، حتى يَنتقم منهم في البطشة الكبرى يوم بدر، ودعا يوسفُ لإخوته فقال لهم: {لَا تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ} [يوسف: 92] حين أتوه نادمين معترفين، وقالوا لأبيهم: {يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ} [يوسف: 97]، فقال لهم: {سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يوسف: 98]، فقال الله تعالى لمحمَّدٍ عليه السلام: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12]، [أ/3] أيْ: عجبتَ من حلمي عنهم مع سخريتهم وتماديهم في غيِّهم، ومَن قرأ بقراءة عبد الله: برَفْع التاء [4] مِن
ج1ص151
{عجبت}؛ فمعناه _والله أعلم_:
بل عجبتُ مِن حلمك عن قومك حين رأوا العذابَ، فأتوك متوسِّلين بالرحم، فدعوتَ لهم بكشف ما كنتَ دعوتَ به عليهم، كحلم يوسف عليه السلام عن إخوته؛ إذْ أتوه محتاجين، وكحلمه عن امرأة العزيز حين راودته عن نفسه، ثم أَغْرَت به سيِّدَها، فكذَبَت عليه فقالت: {مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [يوسف: 25]، ثم عفا يوسفُ صلَّى الله عليه وسلَّم عنها بعدَ سَجنه الطويل بمكرها، وتَزوَّجَها على ما جاء في الخبر عنها، فأراد البخاريُّ _رحمه الله_ أنْ يُريك أنَّ العفوَ عن الظالم إذا أتى تائبًا، أو متوسِّلًا سُنةُ النبيين، وسُنة رب العالمين في عباده التائبين والمتوسِّلين، وأراكَ تناسُبَ ما بين الآيتين بالمعنى، على بُعد الظاهِرَين منهما، ومثلُ هذا في كتابه كثيرٌ ممَّا قد عابَه به مَن لم يَفتح الله عليه فهمَه.
ج1ص152
وأكثرُ ما شُنِّعَ عليه به رحمه الله: ما تَرجَم به في أول بابٍ من كتابه، ثم أَدخل غيرَ ما تَرجَم به عندَهم، وذلك أنهم ألفوهم في أول بابٍ ياسِرًا، فاستَغنَوا به عن اطلاع كثير مِمَّا في سائر الكتاب، وهو أنه قال: (باب كيف كان بَدءُ الوحي إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم؟)، ثم أدخل حديثَ: «الأعمال بالنيات»؛ زعموا أنه ليس فيه شيءٌ ممَّا تَضمَّنت الترجمةُ، حتى بلغني أنَّ بعض المتقدِّمين وَضَع في هذا الباب وشِبَهِه _ممَّا لم يَنْفَكَّ له منه معنى الترجمة في سائر الكتاب_ وَضْعًا يُشَنِّع به على البخاري رحمه الله.
وذلك الحديثُ _والله أعلم_ نَفْسُ ما تَرجَم به، وأَولى الأحاديث بنَصِّه؛ ووَجهُه: أن الله عزَّ وجلَّ لما اصطفى محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم من أطيب الأصلاب، وأطهر الترائب في أكرم الأنساب، وفطره على الإيمان، وزيَّنه في قلبه، وكرَّه إليه الفسوقَ والعصيان، وعبادةَ الأوثان والنيران والنجوم، والحيوان، ولم يَجِد في جاهلية قومه شَرْعًا يَعبُد اللهَ عليه، ولا حُكمًا يلجأ عند الإشكال إليه؛ لجأ إلى دعاء ربه تعالى، وتضرَّع إلى معبوده في الهداية إلى سبيله، والإنعام عليه بدليله،
ج1ص153
فوهب له تبارك وتعالى أوَّلَ أسباب النبوة؛ وهو الرؤيا الصادقة، التي قال عليه السلام: «إنها جزءٌ من أجزاء النبوة»، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح، قال بعض أهل العلم: فكان ذلك ترشيحًا له من الله عزَّ وجلَّ للنبوءة، فلما رأى ما وهب الله عزَّ وجلَّ من ذلك، فأطلعه به على كثير من الغيوب والإنذارات بما يقع، ونبَّهه به على كثير مما يضرُّ وينفع؛ تحقَّق طمَعُه في الإجابة، وقوِيَ رجاؤه في استكمال ما ابتدأه به ورشَّحه له، فأخلص النيةَ لله عزَّ وجلَّ بالعمل، ومَحَضَ له الطويَّةَ في التعبد والرغبةَ والانقطاعَ إليه، وحُبِّب إليه الخلاءُ، فكان يَتعبَّد في غار حِرَاء عدد الليالي والأيام، ثم يرجع ويتزوَّد لمثلها، حتى فَجئَه الحقُّ، وأتاه الملَك بالوحي من ربه، فقبل الله تعالى عملَه؛ لصحة نيته، ووهب له ما نوى كما أمَّل ورجا؛ إجابةً لخالص دعواته، والله أعلم حيث يجعل [ب/3] رسالاته.
فأيُّ معنًى أولى بهذه الترجمة وبهذا الحديث، وأشدُّ مشاكلةً ومطابقةً لها عند من فتح الله عليه الفهمَ، فبحث عن العلم، واقتبس من أهل التقدم؟!
ولقد ينبغي لأهل الطلب والتفقُّه أنْ يعرِفوا وَكِيدَ حاجتهم إلى علم معاني الحديث الصحيح، ووجوه مطابقته للمسائل الصحيحة المتوفرة بينهم في الفتوى، فيستنبطون منها ما لم يتقدَّم فيه قولٌ لعالمٍ، ويفرِّقون منها بين الوهم والصواب من الاختلاف؛ إذ قد كَثُر، وعورض المتقدِّم بالمتأخِّر، ولعله مُفَسِّر وقَّر قولَه وهو لله
ج1ص154
أو لرسوله معارِضٌ، فلا اعتصام إلا بشاهد الكتاب والسنة، فيهما يتبيَّن محضُ الصواب، وتنفصل المسائل المشكِلة، فيُستَغنى عن حفظ كثير أشخاصها؛ بضبط حُكم أَجْناسها، لكنَّ العُذرَ قِلةُ وجود المعلِّم وعدم الفاتح، [ مع حب بعضنا للرئاسة في العامَّة ] [5] واستعجالِ الفائدة من عندها، فوقفوا أنفسهم على ذكر مسائلها، والتحيُّل لها في وثائقها؛ بالهروب عن الحدود بِزُور العقود، فقنعوا منها بالتسويد، ونَكَّبوا عنه؛ لأنه عندهم مَحدود [6] ولزموا التسوُّق به؛ فهو المحدود [7] فنالوا من الدنيا المراتب، ووَلَّوا الفهماءَ فيها المَعايب، حتى ضاعت الحقائق وهُجِر أهلُها، وعمَّت الجهالة وظهر حربُها، تصديقًا من الله عزَّ وجلَّ لما أَنذَر به الرسولُ عليه السلام من انقطاع العلم وظهور الجهل، {وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا} [المائدة: 41] .
ولقد هممت _أيدكم الله_ أن أذكر في آخر كل حديث من كتابي هذا ما أدركتُ من معانيه والفقهَ الذي فيه، لكني أظنُّ أن فيما أمللت عندما قرئ عليَّ هذا الكتاب الصحيح وكُتب عنِّي بلاغًا وفتحَ بابٍ إلى استخراج بقية ما تركتُ أو غاب عني من معاني الأحاديث لمن بحث عن ذلك إن شاء الله، والله هو الفتاح العليم.
ولعلَّ الله يُمهل في الأجل لهذا الأمل، ويعين على شرح هذا «المختصر النصيح» بأوجزَ ما يتهيأ، فيكون بعون الله بشرحه على قَدَر كتاب البخاري أو قَدْره، وتكون الفائدة في شرحه أجدى على الناس مما اختصرت من تكرير نصه.
غير أني قد تكلمت فيه على نُبَذٍ من الأحاديث المشكلة، التي أدخلها _رحمه الله_ على اضطراب الرواة فيها، ونثرها فيه غيرَ مرتَّبة ولا مبيَّنة على ما يُبَيِّن وجوهها، وأشرت فيها بما
ج1ص155
ينفي الاضطرابَ عنها فلا تتعارَض، ويقِفُ الوهمُ في أسانيدها أو متونها على مَن حَكَّم به النظرُ عليه من ناقليها، وكذلك فعلت في تأويل معانيها.
ومنها ما هذَّبتُ أسانيدها وطرحتُ الوهمَ الظاهرَ فيها، كحديث صفة عيسى وموسى في رؤيا النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لهما في منامه عند الطواف، وكحديث الإِفراد والقِرَان في الحَج، وقد تكلمت عليه، وكحديثِ رافعٍ في المزارَعة، وحديث جابرٍ فيما دون الحد من العقوبة، وحديثه في بيع الجمل واشتراط ظهره، وغيرها كثير، كلُّها أُعجِلَ البخاريُّ _رحمه الله_ عن تهذيبها، وتغليب الصواب لأهلها من رواتها، ولم أتَقَصَّها كلَّها؛ لئلا يكثر الكتابُ، فيَمَلَّ القارئُ والكُتَّاب، وتبقى الإطالة، فلا تعدم الملالة. [أ/4]
وقد يَسُوغ لمن أراد تحفُّظَ متون الأحاديث خاصةً أن يَختصر ذكرَ أسماء المختلفين في ألفاظها بالزيادة والنقصان، فيكون متن الحديث أسمح لقراءاته، وأيسر لتحفظه، كما يسوغ له أيضًا أن يختصر ذكرَ الأبواب من آخر كل حديث، إذا لم يرد التفقه فيه منها، وقنع بحفظها، فيكون قد خفف عن نفسه مَؤونةً كبيرةً من ذكر الأسماء التي يَحتاج إليها أهلُ الإسناد، والأبوابِ التي منها تفَقَّهُ أهل العلم.
ج1ص156
فكتابي هذا إذًا تحتاج إليه طبقات العلم الثلاث؛ أعني: المُسنِدين، والمتفقِّهين، والمتحفِّظين، فلكل واحد منهم فيه بُغيتُه ملخَّصةٌ، وحاجتُه معيَّنةٌ، ومطالبُه مُقرَّبةٌ، وليس لمن صَفرت يداه من بضاعة الحديث وعلم إسناده ومعانيه.
واختصاري له هذا على قدر الوِسع الذي أعان الله وامتَنَّ بالهداية إليه، غير متبرِّئٍ من آفات البشر، ووَهلِ المُدَّكِر، {وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [آل عمران: 101] .
اللهم بك اعتصمت، وعليك توكلت، ووجهَك أردت، وما عندك رجوت، فاجعل لي به صالحَ ذِكرٍ في العالمين، ولسانَ صدقٍ في الآخِرين، وانفعني بمَن قرأه وكتبه من المؤمنين، ودعا لي بالرحمة في الغابرين، حتى تدخلني برحمتك في عبادك الصالحين، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وآخِرِ المرسلين، وأولِ الشافعين، وسلم تسليمًا.
ج1ص157
وها أنا حين أبتدئ بتهذيب الكتاب «الجامع الصحيح»، الذي حدَّثنا به سماعًا الفقيه الحافظ أبو محمد عبد الله بن إبراهيم بن محمد بن جعفر الأَصِيلي، رضي الله عنه وأرضاه، واللفظُ له، ولم أَلقَ مِثلَه.
وحدَّثنا به أيضًا الشيخ الفقيه الفاضل أبو [الحسن علي] [8] بن محمد بن خَلَف القابِسي _رحمه الله وأكرم مثواه_ إجازةً، قالا: حدَّثنا أبو زيد محمد بن أحمد المَرْوَزي، قال: أخبرنا محمد بن يوسف الفِرَبْري، قال: حدَّثنا محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه:
ج1ص158


[1] الظَّلَم _ محرَّكًا _: الجبل. القاموس المحيط.
[2] في الأصل: (لم يذكر سرد) والمثبت موافق لما في «الصحيح» (3568).
[3] زيد في الأصل: (أو يذكر)، ولعل الصواب حذفها.
[4] تحرفت في الأصل إلى: الناس.
[5] ما بين معقوفين تكرر في الأصل.
[6] أي: ممنوع من الخير.
[7] أي: المحظوظ.
[8] ما بين معقوفين بياض في الأصل.