ختم صحيح الإمام البخاري

الكلام على الآية من جهة علم البيان

الخامس: علم البيان:
في قوله: {الموازين} إطلاق الجمع على المفرد؛ بناءً على الصحيح من أنَّه ميزان واحد؛ لقصد التفخيم لشأنه والتعظيم؛ كما في قوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:123]، {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، وإنَّما كذَّبوا رسولًا واحدًا، وإطلاق الجمع على المفرد مجاز، كما في «الإتقان»، وهو من باب إقامة صيغة مقام أخرى.
وقوله: {القسط}: تقدَّم أنه مصدرٌ، إمَّا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: القاسطة، فيكون مجازًا مرسلًا، علاقته التعلُّق، أو على حذف مضاف؛ أي: ذوات القسط، فيكون من المجاز بالحذف، وإمَّا على جعل اسم الذات نفس المعنى مبالغة وادِّعاء، فيكون نوعًا آخرَ من المجاز، غير النوعين المذكورين.
وقوله: {ليوم القيامة}: ذكر ابن عطيَّة وغيره: أنَّه على حذف مضاف؛ أي: لحساب، أو حكم، أو نحو ذلك، وكذا قوله: {بها}: قال في «الجلالين»؛ أي: بموزونها، فجعله على حذف مضاف، وعليه فهو من قبيل مجاز الحذف أيضًا.
والمجاز بالحذف عندهم: كلمة تغيَّر حكم إعرابها الأصلي إلى إعراب آخر؛ بسبب حذف لفظ، مع بقاء اللفظ على معناه؛ كقوله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22]؛ أي: أمره؛ لاستحالة المجيء على الله تعالى، {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يوس:82]؛ أي: أهلها، للقطع بأنَّ المقصود ههنا سؤال أهلها، وإن جعلت القرية مجازًا عن أهلها؛ لم يكن من هذا القبيل، ويقابله المجاز بالزيادة؛ وهو كلمة تغيَّر حكم إعرابها الأصليِّ إلى إعراب آخر؛ بسبب زيادة لفظٍ، مع بقاء اللفظ على معناه؛ كقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11]؛ أي: ليس مثله شيء؛ لأنَّ المقصود نفي أن يكون شيء مثلَ الله، لا نفيُ أن يكون شيء مثلَ مثله؛ لأنَّه لا مثل له تعالى حتَّى ينفي عن ذلك المثل من يكون مثلَه، لكن يحتمل أن يقال: لا زيادة، ويكون نفيًا للمثل بطريق الكناية التي هي أبلغ.
وكلٌّ منهما _أعني: من المجاز بالحذف، والمجاز بالزيادة _ نوع آخرُ من المجاز غير المجاز اللغوي، ويقال له: المجاز في المفرد، وهو المعرَّف بأنَّه الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له؛ لعلاقة وقرينة، وهو الشائع الكثير، والأوَّل قليل، وإطلاق لفظ المجاز عليه إمَّا حقيقة بناءً على أنَّه مشترك بينهما، أو مجاز بالاستعارة بناءً على أنَّه حقيقة في الثاني فقط، وأنكر بعضهم أن يكون مجازًا، والمشهور هو الأوَّل، وقد قال ابن عطيَّة: حذف المضاف هو عين المجاز ومعظمه، وليس كلُّ حذف مجازًا، نقله في «الإتقان».
وقوله: {ليوم القيامة}: تقدَّم أنَّه اختلف في اللام فيه؛ هل هي للتعليل أو للاختصاص، أو بمعنى: في، أو عند؟ وعلى الأخيرين؛ فهو من استعمال حروف الجر في غير معانيها الحقيقية، وهو أيضًا مجاز.
وقوله: {بها}: تقدَّم أنَّ الضمير فيه يعود على (المثقال)، وقد أنَّث ضميره مع أنَّه مذكر؛ لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه؛ وهو (الحبَّة)، وهذا أيضًا مجاز؛ حيث أقيمت صيغة المؤنَّث مقام صيغة المذكَّر.
وقوله: {وكفى}: تقدَّم عن الزجَّاج، واستحسنه في «المغني»: أنَّه بمعنى اكتف، وحينئذٍ فهو من إطلاق الخبر على الطلب مبالغةً في الحثِّ عليه، حتَّى كأنَّه وقع وأخبر عنه، قال الزمخشريُّ: ورود الخبر
ص8
والمراد الأمر أو النهي أبلغ من صريحي الأمر أو النهي، كأنَّه سورع فيه إلى الامتثال، وأخبر عنه، ومن أمثلته: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة:233]، {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة:228]؛ أي: ليرضعن، وليتربَّصن، وهذا أيضًا من باب إقامة صيغة مقام أخرى، ويكون مجازًا، والله أعلم.