ختم صحيح الإمام البخاري

الكلام على الآية من جهة علم التفسير

العاشر: علم التفسير
ص12
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلَّى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلِّم تسليمًا
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله، وصحبه أجمعين، أمَّا بعد:
فهذا إن شاء الله تعالى شرح بختم صحيح البخاريِّ، أمدَّنا الله بمدده الفسيح الجاري، وجعله خالصًا لوجهه الكريم، وسببًا للتمتُّع برؤياه في دار النعيم، آمين.
قال الشيخ الإمام، شيخ الإسلام، سراج الدين البُلقينيُّ _رحمه الله تعالى _ في كلامه على مناسبة أبواب هذا الكتاب: لمَّا كان أصل العصمة أولًا وآخرًا هو توحيد الله _عزَّ وجلَّ _؛ ختم بكتاب التوحيد، ولمَّا كان آخر الأمور التي يظهر بها المفلح من الخاسر، ثقلُ الموازين وخفَّتها؛ جعله آخر تراجم الكتاب، وبدأ بحديث: «الأعمال بالنيَّة» وذلك في الدنيا، وختم بأنَّ الأعمال توزن يوم القيامة؛ إشارةً إلى أنَّه إنَّما يثقل منها ما كان بالنيَّة الخالصة لله تعالى، اهـ
وقد قال رضي الله عنه: (باب: قول الله)؛ أي: في سورة الأنبياء: {ونضع}؛ أي: ننصب الموازين؛ جمع ميزان، أو جمع موزون، جرى صاحب الكشَّاف والبيضاويُّ على الثاني، وكثير من المفسِّرين على الأوَّل.
و{الميزان}: قال السعد: عبارة عمَّا تعرف به مقادير الأعمال، قال: والعقل قاصر عن إدراك كيفيَّته، وقال غيره نقلًا عن مذهب أهل السنة: إنَّه جسمٌ محسوس، ذو لسان وعمود، وكفَّتين، وتميُّلٍ بالأعمال، كميزان الدنيا؛ لأنَّ لفظ (الميزان) لغةً إنَّما وضع لحاله ذلك، والكتاب والسنَّة إنَّما خاطبانا بما نفهم من الألفاظ الوضعيَّة، مع كثرة الأحاديث الدالَّة على ذلك، خلافًا لقول بعض السلف كالمعتزلة: إنَّه عبارة عن العدل والقضاء، ولقول ابن عبَّاد في «رسائله الكبرى»: لا يسلَّم لأئمَّتنا ما قالوه في الميزان: إنَّه ذو كفَّتين ولسان، وأين يوجد نصٌّ قطعيٌّ على جملة ذلك؟!
فالواجب أن يَكِلَ الإنسان حقيقة ذلك إلى العالم الخبير، وأن يعتقد أنَّ الأمر على ما هو عليه عنده، فإنَّ الظاهر أنَّ كونه ذا كفَّتين ولسانٍ قطعيٌّ، وقد نسب ذلك لمذهب أهل السنَّة جماعةٌ من العلماء، بل حكى الزجَّاج عليه إجماع أهل السنَّة، قال الحافظ: قال أبو إسحاق الزجَّاج: أجمع أهل السنَّة على الإيمان بالميزان، وأنَّ أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأنَّ الميزان له لسان وكفَّتان، وتميُّل بالأعمال، وأنكرت المعتزلة الميزان، وقالوا: هو عبارة عن العدل، فخالفوا الكتاب والسنَّة؛ لأنَّ الله أخبر أنَّه يضع الموازين لوزن الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثَّلة؛ ليكونوا على أنفسهم شاهدين، اهـ
وجاء في صفته: أنَّ إحدى كفَّتيه _وهي التي توزن فيها الحسنات _ من نور، والأخرى _وهي التي توزن فيها السيِّئات _ من ظلام، وأنَّ جرمه عظيم جدًّا؛ بحيث لو وضعت السماوات والأرضون وما فيهنَّ في إحدى كفَّتيه؛ لوسعتهنَّ، واختلف في كيفيَّة وضعه، والذي جاء في أكثر الأخبار أنَّ الجنَّة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفَّة الحسنات مقابلة الجنَّة، وكفَّة السيِّئات مقابلة النار، ذكره الحكيم الترمذيُّ في «نوادر الأصول».
واختلف في صاحبه الموكَّل به؛ فعن حذيفة موقوفًا قال: صاحب الميزان يوم القيامة جبريل _عليه السلام _ يردُّ من بعضهم على بعض، رواه البخاريُّ في «تاريخه الكبير»، وجماعة، وفي بعض طرقه: أنَّ الله تعالى يقول لجبريل: زن بينهم، ورُدَّ من بعضهم على بعض، ونحو هذا ما نقله الفخر في تفسير سورة الأعراف، عن عبد الله بن سلام: أنَّ جبريل _عليه السلام _ يأخذ بعموده، ينظر إلى لسانه.
وعند البيهقيِّ عن أنس مرفوعًا قال: ملك الموت موكَّل بالميزان.
وفي «الطبرانيِّ الصغير» من حديث أبي هريرة رفعه: «يقول الله _أي: يوم القيامة _: يا آدم؛ قد جعلتك حكمًا بيني وبين ذرِّيَّتك، قم عند الميزان، فانظر ما يرفع إليك من أعمالهم، فمن رجح منهم خيره على شرِّه مثقال ذرَّة؛ فله الجنَّة، حتَّى تعلم أنِّي لا أدخل منهم النار إلا ظالمًا»، الحديث.
ويمكن الجمع بأنَّ كلًّا من الثلاثة يحضر الميزان، إلَّا أنَّ كل واحد يلي غير ما يليه غيره، فجبريل آخذ بعموده، ينظر إلى لسانه، كما تقدَّم عن ابن سلام، وميكائيل أمين عليه، وملك الموت يجعل الأعمال فيه لتوزن، وآدم ينظر ما يرفع إليه من أعمال ذرِّيَّته؛ ليعلم أنَّه لا يدخل النار إلَّا ظالم.
وأخرج البزَّار في «مسنده» عن أنس رفعه: «أنَّ ملكًا موكَّلًا بالميزان، فيؤتى بابن آدم، فيوقف بين كفَّتي الميزان، فإن رجح؛ نادى الملك بصوت يُسْمِعُ الخلائق : سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا، وَإن خفَّ؛ نادى الملك: شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا».
وأخرج الترمذيُّ عن أنس قال: سألت النبيَّ صلَّى الله عليه وسلم أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَقَالَ: «أَنَا فَاعِلٌ» قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: «اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ» قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ» قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ قَالَ: «فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الحَوْضِ فَإِنِّي لاَ أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلاَثَ الْمَوَاطِنَ».
قال أبو عيسى: حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
واختلف أيضًا؛ هل هو قبل الصراط أو بعده؟ والصحيح _وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيِّ، وصنيع البيهقيِّ _ أنَّه قبل الصراط.
وهل بعد الحساب أو قبله؟ والصحيح أيضًا: أنَّه يكون بعد انقضاء الحساب؛ لأنَّ الوزن للجزاء، فينبغي أن يكون بعد المحاسبة؛ لأنَّ المحاسبة لتقدير الأعمال، والوزن لإظهار مقاديرها؛ ليكون الجزاء بحسبها، ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنَّة بغير حساب.
ثمَّ ظاهر هذه الآية _كغيرها من الآيات وبعض الآثار، وهو أيضًا ظاهر قول «الرسالة»: وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد، {فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف:8] _ تعدُّد الميزان، وقد قال الحسن بن أبي الحسن البصريُّ قائلًا: إنَّ لكل أحد ميزانًا، وقيل: إنَّه متعدِّد بتعدُّد الأمم، وقيل: بتعدُّد الأعمال، فتكون هناك موازين للعامل الواحد، يوزن بكلِّ واحد منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر:
~ملك تقوم الحادثات لأجله فلكلِّ حادثة لها ميزان
وعليه قول الإمام الفخر: الأظهر إثبات الموازين، لا ميزان واحد، قال: وعلى هذا فلا يبعد أن
ص13
يكون لأفعال القلوب ميزان، وللجوارح [1] ميزان، ولما يتعلَّق بالقول ميزان، اهـ
ولم يرتضِ ابن عطيَّة قول الحسن، وقال: إنَّ الناس مجمعون على خلافه، وإنَّما لكلِّ أحد وزن مختصٌّ به، والميزان واحد، اهـ
وهذا هو المعتمد والصحيح المشهور، وهو الذي عليه الأكثرون، ولا يستشكل بكثرة من يوزن عمله؛ لأنَّ أحوال الآخرة لا تكيَّف بأحوال الدنيا، وقد قالوا في حديث: «ما من مسلم يسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي _أي: نطقي _ حتَّى أردَّ عليه»: إنَّ أحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، فلا تكيَّف بالدنيا حتَّى يقال: كيف يتصوَّر الردُّ على كلِّ فرد فرد في آن واحد؛ لكثرة من يسلِّم عليه صلى الله عليه وسلَّم في الآن الواحد؟
وعلى أنَّه واحد؛ فجمعه إمَّا باعتبار أجزائه؛ لأنَّه ذو لسان وكفَّتين، كما سبق، أو باعتبار تعدُّد الأعمال الموزونة، أو باعتبار الأشخاص؛ لكثرة من توزن أعمالهم، أو لأنَّه يتكوَّن لكلِّ واحد بصورة ما كان عليه في دار الدنيا، أو لقصد التفخيم والتعظيم لشأنه؛ كما في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِين} [الشعراء:123]، {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ} [الشعراء:105]، وإنَّما كذَّبوا رسولًا واحدًا.
وقال الشيخ زرُّوق: الصواب في هذا كلِّه الوقف بعد إثبات الميزان، ولا يتعرَّض لتعدُّده وانفراده، ولا لكيفيَّة الوزن فيه؛ إذ لم يصحَّ شيء من ذلك عن الشارع صلَّى الله عليه وسلَّم، والله تعالى أعلم بحقائق الأمور، وسترد فتعلم، وربُّك أعلم، اهـ
وفي قوله: {نضع} حيث أتى بنون العظمة تنبيهٌ على أنَّ الواضع لها _وهو الله تعالى _ ذو عظمة وجلال، ينبغي أن تخاف سطوته، وتتَّقى عقوبته، وتهويل وتفظيع لتلك الموازين.
قال في «الإحياء»: ولا ينجو من خطر الميزان يوم القيامة إلَّا من حاسب في الدنيا نفسه، ووزن فيها بميزان الشرع أعماله وأقواله، وخطراته ولحظاته، كما قال عمر: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا قبل أن توزنوا، اهـ
وقد أخرج الحاكم في «المستدرك»، وقال: إنَّه صحيح على شرط مسلم، عن سلمان مرفوعًا، قيل: ووقْفُه أشهر: «يُوضَعُ الْمِيزَانُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَوْ وُزِنَت أو وضعت فِيهِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ؛ لَوُضعتا، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ لِمَنْ تزِنُ بهَذَا [2]؟ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: لِمَنْ شِئْتُ مِنْ خَلْقِي، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ، وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ مِثْلَ حَدِّ الْمُوسَى، فَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: مَنْ يجوز عَلَى هَذَا؟ فَيَقُولُ: مَنْ شِئْتَ مِنْ خَلْقِي، فَيَقُولُون: سُبْحَانَكَ مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ».
وقيل: سأل داود عليه السلام ربَّه عزَّ وجلَّ أن يريه الميزان، فلما رآه؛ أغمي عليه من هَوْلِه، ثمَّ أفاق، فقال: إلهي؛ من يقدر على ملء كفَّة هذا الميزان حسنات؟ فقال الله تعالى: «يا داود؛ إنِّي إذا رضيت على عبدي؛ ملأته بتمرة واحدة، يا داود؛ املؤوها بكلمة: لا إله إلَّا الله».
ولقد كان القصد من وضع الموازين إقامة العدل بين الخلائق في ذلك اليوم الهائل، وُصِفَت على سبيل المبالغة بقوله: {القسط} _بكسر القاف _؛ أي: العدل، قال تعالى: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ} [الأعراف:29]، وهو كقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ } [النحل:90]، وهو من المصادر الموصوف بها كالعدل، يقال: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، يستوي فيه الواحد والجميع، ولذا أفرد هنا مع أنَّ الموصوف به جمع؛ لأنَّ المصدر إذا وصف به؛ يوحَّد مطلقًا، قال الطبريُّ: القسط العدل، وجعل _وهو مفرد _ من نعت الموازين، وهي جمع؛ لأنَّه كقولك: عدل، ورضًا، اهـ نقله الحافظ.
ويجوز على قلَّة أن يكون مفعولًا من أجله؛ أي: لأجل القسط، قال أبو إسحاق الزجَّاج: هو على حذف مضاف؛ أي: ذوات القسط.
وقوله: {ليوم القيامة} ثبت في رواية أبي ذرٍّ، وسقط لغيره، واللام: قال ابن قتيبة: بمعنى (في)، واختاره ابن مالك، وقيل: إنَّها للتعليل على حذف مضاف؛ أي: لأجل جزاء، أو حساب، أو حكم يوم القيامة، وقيل: بمعنى (عند).
ص14
وتتمَّة الآية: {فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا}؛ أي: من الظلم، لا بنقص حسنة، ولا بزيادة سيئة، {وَإِنْ كَانَ}؛ أي: وهو في حسنات الغير {مِثْقَالُ}؛ أي: مقدار، وقرئ: {مثقالَ}؛ بالنصب، على أنَّه خبر {كان} الناقصة، واسمها محذوف، والتقدير: وإن كان العملُ مثقال حبَّة؛ أي: مقدار؟؟ من {حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا}؛ أي: أحضرناها، وقُرِئ: {آتينا بها}؛ بمعنى: جازينا، من الإيتاء، و{أثبنا} من الإثابة، والضمير في {بها} لـ(المثقال)، وتأنيثه لإضافته إلى الحبَّة، {وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء:47]؛ أي: محصين في كل شيء.
وفي هذه الآية وعيد تامٌّ لأهل السيِّئات، ووعد جميل لأهل الحسنات، ولو لم يسمع العاقل من القرآن إلَّا هي؛ لكان له فيها أبلغ زاجر وواعظ، وفيها أيضًا إثبات الميزان يوم القيامة، وهو مما يجب الإيمان _أي: التصديق _ به، وأنَّه حقٌّ لثبوته كتابًا وسنَّةً وإجماعًا، كما يجب الإيمان بكل ما أخبر الشارع بوقوعه بعد الموت من سؤال الملكين، وعذاب القبر أو نعيمه، والحشر، والنشر، والحساب، وأخذ الصحف باليمين أو بالشمال، والصراط، والحوض، والشفَّاعة، والرؤية، والجنة والنار؛ لورود الأحاديث المتواترة بذلك كلِّه، وانعقاد الإجماع ممَّن يعتدُّ بإجماعه عليه، وبعضه مصرَّح به في القرآن.
وقد ورد ذكر الميزان في آي عديدة غير هذه، كقوله تعالى من سورة الأعراف: {وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ} [الأعراف:8،9]، وقوله في سورة المؤمنين: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} [المؤمنين:101،104]، وقوله في سورة القارعة: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ} [القارعة:6، 8].
وممَّا جاء فيه من أحاديث: ما أخرجه أبو داود في «سننه»، من طريق الحسن، عن عائشة: أنَّها ذكرت النار، فبكت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ما يبكيك؟» قالت: ذكرت النار، فبكيت، فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «أمَّا في ثلاثة مواضع؛ فلا يذكر أحدٌ أحدًا: عند الميزان حتَّى يعلم أيخفُّ ميزانه أو يثقل؟ وعند الكتاب حين يقال: {هاؤم اقرؤا كتابيه} [الحاقة:19] حتى يعلم أين يقع كتابه؟ أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنَّم، حتى يعلم أيجوز أم لا؟»، وأخرجه الحاكم وقال: إنَّه صحيح على شرطهما، لولا إرسال بينه وبين الحسن وعائشة.
قال اللقانيُّ: ولم أقف على ماهية جرم الميزان من أيِّ الجواهر، كما لم أقف على أنَّه موجود الآن، أو سيوجد.
وقال في «شرح الإحياء»: كغيره يمسك عن تعيين جوهره، لكن ذكر في «إرشاد الساري» وغيره: أنَّه جاء أنَّ كفَّة الحسنات من نور، والأخرى من ظلام، وبهذا صرَّح الغزاليُّ، وغير واحد، والله أعلم.
ص15
و(أنَّ)؛ بفتح الهمزة: عطفًا على (قول)، وكسرها على الاستئناف، (أعمال بني آدم وقولهم) كذا للأكثر بالإفراد، وللقابسيِّ وطائفة: (وأقوالهم توزن)؛ بصيغة الجمع، وهو المناسب لـ(الأعمال)، ولم يكتفِ بالأوَّل؛ وهو (الأعمال)؛ لأنَّ التحقيق أنَّ القول لا يدخل في العمل حقيقةً، وإنَّما يدخل فيه مجازًا.
(يوزن): ظاهره أنَّ الموزون الأعمال نفسها، وهي وإن كانت أعراضًا، والعرض لا يقوم بنفسه، ولا يوصف بخفَّة ولا ثقل، إلَّا أنَّها تجسَّم، فتكون الحسنات جواهر بيضاء مشرقة، والسيئات جواهر سوداء مظلمة، وهذا هو ما قاله ابن عبَّاس، ورجَّحه الطبريُّ وغيره، وقال الحافظ ابن حجر _وكذا في «شرح الإحياء» _: إنَّه الصحيح، ويشهد له أحاديث كثيرة، منها حديث أحمد ومسلم، والترمذيِّ وقال: صحيح، عن أبي مالك الأشعريِّ، مرفوعًا: «الطهور _وفي رواية: الوضوء _ شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن _أو تملأ _ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجَّة لك أو عليك، كلُّ الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها».
ومنها: حديث أحمد، وأبي داود، والترمذيِّ، وصحَّحه ابن حبَّان، عن أبي الدرداء، مرفوعًا: «ليس شيء أثقل في الميزان من الخلق الحسن»، وفي لفظ: «ما يوضع في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن».
ومنها: حديث البزَّار بسند حسن، عن ثوبان مولى المصطفى، والنِّسائيِّ، وابن حبَّان، والحاكم في «المستدرك»، عن أبي سلمى راعي المصطفى، وأحمد في «مسنده»، عن أبي أمامة، رفعوه: «بخٍ بخٍ لخمس ما أثقلها في الميزان: لا إله إلَّا الله، وسبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، والولد الصالح يتوفَّى للمرء المسلم فيحتسبه».
ومنها: حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان...» الحديث.
وقد أخرجه أيضًا في (كتاب الدعوات)، في (باب فعل التسبيح)، وفي (الأيمان والنذور)، في (باب إذا قال: والله لا أتكلم اليوم، فصلَّى، أو قرأ، أو سبَّح، أو كبَّر، أو حمد، أو هلَّل؛ فهو على نيَّته)، وقد أخرجه أيضًا أحمد في «مسنده»، ومسلم في (الدعوات)، والترمذيُّ فيها أيضًا، وقال: هذا حديث حسن، غريب، صحيح، والنسائيُّ في (اليوم والليلة)، وابن ماجه في (ثواب التسبيح)، وغيرهم.
ومنها: حديث ابن عساكر في «تاريخه»، وخيثمة في «فوائده»، عن جابر، مرفوعًا: «توضع الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيِّئات، فمن رجحت حسناته على سيِّئاته مثقال حبَّة؛ دخل الجنَّة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبَّة؛ دخل النار»، قيل: يا رسول الله؛ فمن استوت حسناته وسيئاته؟ قال: «أولئك أصحاب الأعراف، لم يدخلوها وهم يطمعون»، وأخرج ابن المبارك في «الزهد» نحوه، عن ابن مسعود، موقوفًا.
ومنها: أثر إبراهيم النخعيِّ في قوله تعالى: {ونضع الموازين} [الأنبياء:47] قال: يجاء بعمل رجل، فيوضع في كفَّة ميزانه، فترجح، ويقال له: أترى ما هذا؟ فيقول: لا، فيقال: هذا العلم الذي تعلَّمته، وعلَّمته الناس، تعلَّموه، وعلِّموه، واعملوا به بعدي،
ص16
وقيل: إنَّ الموزون صحف الأعمال بعد أن تصدر في صورة حسنة نورانيَّة إن كانت صالحة، وفي صورة قبيحة ظلمانيَّة إن كانت سيِّئة، وهذا هو مذهب عبد الله بن محمَّد، وإليه ذهب جمهور المفسِّرين، والإمام أبو المعالي في ختمه «الإحياء» وشرحه في هذا الحديث، والغزاليُّ في «الإحياء»، وغيرها، وابن الهمام في «المسايرة»، والطبريُّ، واستغربه ابن عطيَّة، وصحَّحه ابن عبد البرِّ، والقرطبيُّ، ويدلُّ عليه حديث السجلَّات، وهو ما أخرجه الترمذيُّ في أبواب (الإيمان)، وقال: حسن غريب، وابن ماجه، وابن حبَّان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقيُّ، عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: «إنَّ الله يستخلف رجلًا من أمَّتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة» وفي رواية ابن ماجه: «يصاح برجل من أمَّتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًّا [3]، كلُّ سجلٍّ مثل مدِّ _أي: غاية _ البصر، ثمَّ يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا ربُّ؛ فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا يا ربُّ؛ فيقول الله تعالى: بلى إنَّ لك عندنا حسنة، فإنَّه لا ظلم عليك اليوم، فتخرج له بطاقة _أي: رقعة صغيرة _ فيها أشهد أنَّ لا إله إلَّا الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، فيقول: أحضر وزنك، فيقول: يا ربُّ؛ ما هذه البطاقة مع هذه السجلَّات؟ فيقول: إنَّك لا تظلم، فتوضع السجلَّات في كفَّة، والبطاقة في كفَّة، فطاشت السجلَّات، وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء».
ويؤخذ منه أنَّ الوزن ليس بحسب كبر الأجسام وصغرها كما هو المعهود في الدنيا، بل بحسب معانٍ وأسرارٍ مودعة فيها، وقد يشير له أيضًا حديث: «الميزان عبد الرحمن، يرفع أقوامًا، ويضع آخرين» أخرجه البزار في «مسنده» عن نعيم بن همَّار، وإسناده صحيح إن قلنا: إنَّ المراد بـ(الميزان) فيه: ما توزن فيه الأعمال يوم القيامة، ولهذا نقول: قد يثقل الله الحسنة الواحدة على ملء الأرض سيِّئات، إذا أراد العفو عن عبده بمحض فضله، وقد يُخفُّ ملء الأرض حسنات، ويرجِّح عليها سيِّئة واحدة إذا أراد إنفاذ الوعيد بعدله، ولهذا أمر المؤمن ألَّا يحتقر شيئًا من الطاعات؛ إذ لعلَّ رضاه تعالى يكون فيه، ولا شيئًا من السيِّئات؛ إذ لعلَّ سخطه يكون فيه.
ويؤخذ منه أيضًا أنَّ كيفيَّة الرجحان والنقص في الآخرة ككيفيَّتهما في الدنيا، توضع الحسنات في كفَّة، والسيِّئات في أخرى، فما ثقل؛ نزل إلى الأسفل، ثم يرفع إلى عليِّين، وما خفَّ؛ طاش، وارتفع إلى أعلى، ثمَّ ينزل إلى سجِّين، خلافًا لما صرَّح به ابن أبي جمرة في «بهجة النفوس» من أنَّ كفَّة الثقل ترتفع، وتصعد إلى فوق عكس ما في الدنيا، واستشهد عليه بقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] قال الزركشيُّ: وهو غريب، مصادم لقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ} [القارعة:6،7]؛ أي: والقرآن إنَّما ورد بلغة العرب، والتعبير بـ{ثقلت}، وفي مقابله بـ{خفَّت} إنَّما يفهم منه أنها كميزان الدنيا، وأما قوله: {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]؛ فمعناه: يقبله، ثمَّ هذا الحديث كغيره، يقتضي أنَّ (لا إله إلَّا الله) توزن، ويعارضه حديث: «يا أبا هريرة؛ إنَّ كلَّ حسنة تعملها توزن يوم القيامة إلَّا شهادة أن لا إله إلَّا الله، فإنَّها لا توضع في ميزان؛ لأنَّها لو وضعت في ميزان من قالها صادقًا، ووضعت السماوات السبع والأرضون السبع، وما فيهنَّ؛ كان لا إله إلَّا الله أرجح من ذلك».
وقد أجيب عن هذه المعارضة بأجوبة، أحسنها أن يقال: إنَّ التي لا توزن هي التي يقع الخروج بها من الكفر إلى الإيمان، وهي المرادة بحديث أبي هريرة، وأمَّا التي في حديث البطاقة ونحوه؛ فغير ما قالها على وجه الذكر لله تعالى، والتعظيم له، ويجوز _كما قاله القرطبيُّ في «التذكرة» _ أن تكون هي آخر كلامه في الدنيا لحديث معاذ بن جبل، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم وصحَّحه: «من كان آخر كلامه لا إله إلَّا الله؛ دخل الجنَّة».
ص17
ويدلُّ لهذا القول أيضًا ما نقله الواحديُّ في «بسيطه»، والقرطبيُّ في «تذكرته»، وصاحب «المواهب اللدنِّيَّة»، عن القشيريِّ في «تفسيره» قال في الخبر: (إذا خفَّت حسنات العبد؛ أخرج رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بطاقة كالأنملة، فيلقيها في كفَّة الميزان اليمنى التي فيها حسناته، فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: بأبي أنت وأمي؛ ما أحسن وجهك! وما أحسن خَلقك! من أنتَ؟ فيقول: أنا نبيُّك محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذه صلاتك عليَّ، وجئتكها أحوج ما تكون إليها)، اهـ
وقيل: يجوز أن يكون الموزون العامل نفسه؛ لما أخرجه البخاريُّ، عن أبي هريرة رفعه: «إنَّه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة، لا يزن عند الله جناح بعوضة» وفي لفظ: «يأتي الرجل الأكول الشروب العظيم، فيوزن بحبَّة، فلا يزنها».
ولما في «مسند أحمد» وغيره من أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه كان يجني سواكًا، وكان دقيق الساقين، فجعلت الريح تلقيه، فضحك القوم منه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: «ممَّ تضحكون؟» قالوا: يا رسول الله؛ من دقَّة ساقيه، فقال: «والذي نفسي بيده؛ لهما أثقل في الميزان من أحد»، وقيل: يوزن العبد.....
وظاهر قوله: «بني آدم» العموم فيهم، فيتناول صغيرهم وكبيرهم، طائعهم وعاصيهم، مؤمنهم وكافرهم، ويخرج الملائكة والجنُّ؛ لأنَّهم ليسوا من بني آدم، وظاهر قول «الرسالة»: (لوزن أعمال العباد) يتناولهما، لكن تناوله للجنِّ ظاهر، وقد صرَّح بوزن أعمالهم غير واحد كالقرطبيِّ في «التذكرة»، وأمَّا الملائكة؛ فلا؛ لأنَّه فرع عن الحساب، والملائكة لا يحاسبون، ولهذا يستثنى من عموم كلٍّ منهما أيضًا من لا يحاسب، كالأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لشرفهم، وكالأطفال لعدم تكليفهم، وكمن لا سيِّئة له وله حسنات كثيرة زائدة على محض الإيمان، فيدخل الجنَّة بغير حساب ولا ميزان، وكالسبعين ألفًا الذين يدخلون الجنَّة بغير حساب، زاد في رواية سندها جيِّد: «مع كلِّ ألف منهم ألفٌ» وفي أخرى سندها حسن: «ومع كلِّ ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات من حثيات ربِّي»، وفي أخرى لكن في سندها واهٍ ضعيف، وآخر لم يصحَّ: «مع كلِّ واحد من السبعين ألفًا سبعون ألفًا»، وفي أخرى سندها واهٍ: «سبعون ألفًا مع كلِّ واحد منهم سبعون ألفًا، مع كلِّ واحد من هذه السبعين المضاعفة سبعون ألفًا، ولكلِّ حيٍّ ألحق بهم ممَّن ورد أن يدخل الجنَّة بغير حساب، كأهل البلاء، كما ورد في الحديث أنَّه لا يُنصب لهم ميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صبًّا بغير حساب، وكالذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع، والذين كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، والذين كانوا يحمدون الله في البأساة والضراء، والذين كانوا يغفون عن ذنوب الناس، وكقارئ القرآن يبتغي به وجه الله، وأمَّ به قومًا، وهم به راضون، والداعي الذي يدعو إلى الصلوات ابتغاء وجه الله، والمملوك الذي أحسن فيما بينه وبين ربِّه، وفيما بينه وبين مواليه، وقيل: إن أعمال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، توزن إظهارًا لما لأعمالهم عند الله من الثواب الجزيل، واختلف في الكفار، فذهب الأكثرون إلى أنَّ أعمالهم توزن، وهذا هو الصحيح، وقيل: لا؛ لقوله تعالى: {فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف:105]، وردَّ قوله في الصحيح في الكافر لا يزن عند الله جناح بعوضة، بما في سورة المؤمنين من قوله: {وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ} إلى قوله: {تكذبون} [المؤمنون:104،105]وأمَّا الآية الأولى؛ فعلى تقدير صفة؛ أي: وزنًا نافعًا، وقيل: معناها أصغارهم، وأنَّه لا قرار لهم في الآخرة؛ لخستهم، ودناءتهم، وهذا هو المراد من لحديث أيضًا، وقيل: المنفي فيها إقامة الوزن لهم لا عليهم، وعليه قول مكيِّ في تفسيره؛ أي: لا أثقل لهم ميزان صالح، لكن من أهل الكفر من يؤخذ إلى النار من
ص18
المحشر، قبل نشر الصحف، ووضع الموازين، فيقع فيها من غير حساب، ولا ميزان، كمن لم تكن له منهم حسنة، ولا عمل خيرًا قط، كما قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن:41]، وكمن كان منهم يدعو مع الله إلهًا آخرًا، ويؤذي الله ورسوله، أو جبارًا عنيدًا، أو يصوِّر الصور المضاهية لما لها روح من الحيوان، وهل توزن أعمال كل واحد وخده، وهذا ما صرح به بعضهم، أو تجعل جميع أعمال العباد في الميزان في مرة واحدة، الحسنات في كفة النور، والسيئات في كفة الظلمة، ويجعل الله لكل إنسان علمًا ضروريًا يفهم به خفة أعماله، وثقلها، قولان، وهل توزن الأعمال كلها، أو خواتيمها، حكى عن وهب بن منبه أنَّه قال: يوزن من الأعمال خواتيمها، وإذا أراد الله بعبد خيرًا؛ ختم له بخير عمله، وإذا أراد الله به شرصا؛ ختم له بشر عمله، واستدل بقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بخواتيمها»، وظاهر الأحاديث والآثار خلافه، وأنَّ الأعمال توزن كلها، ومن أخرجها ما رواه أحمد في الزهد، عن ابن مسعود أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نزل عليه جبريل، وعنده رجل يبكي، فقال: من هذا؟ قال: فلان، قال جبريل: إنا نزن أعمال بني آدم كلها إلا البكاء، فإن الله يطفئ بالدمعة بحورًا من نيران جهنم.
وللبيهقي، مرفوعًا: ما من شيء إلا له مقدار وميزان إلا الدمعة، فإنَّه يطفأ بها بحار من النار.
وإذا وزنت الأعمال، ورجحت، أو خفت، ماذا يفعل بها بعد ذلك؟
قال الشرخبتي في شرح الأربعين نووية: من كان سعيدًا وضعت الحالة الصالحة على باب داره في الجنة، فيكون ذلك زيادة في نعيمه، ومن كان خاسرًا وضعت على باب داره في النار؛ ليكون ذلك زيادة في عذابه.
وفائدة الوزن، وحكمته مع أنَّه تعالى عالم بجميع أحوال العبد، ولا تخفى عليه خافية من أمره، أمور:
منها: إظهار حالة العبد له، فيكون ثقل الحسنات إمارة على عدم المؤاخذة بالسيئات، وخفتها إمارة على المؤاخذة بها، من غير أن يسقط من ثواب الحسنات بسبب خفتها شيء أصلًا، بل هي مدخرة له، يحدثوا بها بعد خروجه من النار، ونفوذ الوعيد فيه.
ومنها: إظهار شرف المؤمن والتنويه بسعادته على رؤوس الإشهاد، زيادة في مسرته، وإظهار شقاوة الكافر على رؤوس الإشهاد زيادة في مساءته.
ومنها: إقامة الحجة عليهم أولهم إظهار الكمال العدل، نظير ما قيل في نسخ الأعمال مع علمه تعالى بها.
ومنها: امتحان الخلق بالإيمان بذلك في الدنيا، تنبهان: الأول مذهب أهل الحق كما تقدمت الإشارة إليه أن العبد إذا أتى بطاعات كأمثال الجبال، ثم كانت له مخالفة واحدة، فإنَّه يكون بها في المشيئة، إن شاء تعالى، عاقبة عليها بعدله، ثم يعطيه ثواب طاعته بعد ذلك، وإن شاء؛ غفر ما له بفضله. وذهب أبو علي الحيائيُّ من المعتزلة إلى الإحباط المحض، وهو أنَّ الأكثر من حسنات أو سيئات يسقط الأقل من مقابله؛ أي: يحبطه من غير أن يسقط من الأكثر شيءٌ أصلًا.
وذهب ابنه أبو هاشم من المعتزلة أيضًا إلى الموازنة، وهي سقوط الأقل مع ما يقابله من الأكثر، وما فضل للعبد بعد ذلك من حسنة، خلد بها في الجنة أو من سيئة خلد بها
ص19
في النار، وكل من المذهبين باطل، ولا يصح، ولم يقل بهه أحد من أهل السنة، وإن اعتقده كثير من الطلبة، فضلًا عن العوام.


[1] في الأصل: (الجوارح)، ولعل المثبت هو الصواب.
[2] في هامش الأصل من نسخة: لمن يزن هذا.
[3] في الأصل حاشية: (هو الكتاب الكبير).