ختم صحيح الإمام البخاري

الكلام على الآية من جهة علم الاشتقاق

الثالث: علم الاشتقاق:
وهو _أعني: الاشتقاق _: ردُّ لفظ إلى لفظ آخر، بأن يحكم بأنَّ الأوَّل _وهو المردود _ مأخوذ من الثاني؛ وهو المردود إليه؛ أي: فَرْعٌ منه، ولو كان الآخر _وهو المردود إليه _ مجازًا؛ لمناسبة بينهما في المعنى؛ بأن يكون معنى الثاني في الأوَّل، وفي الحروف الأصلية؛ بأن تكون فيها على ترتيب واحد، وهذا هو الاشتقاق المراد عند الإطلاق، وهو الصغير، أمَّا الكبير؛ فليس فيه الترتيب، كما في (الجبْذ) و(جذَب)، والأكبر ليس فيه جميع الأصول، كما في (الثَّلم) و(ثلب)، ولا بد فيه من تغيير بين اللفظين تحقيقًا؛ كما في (ضرَب) من (الضرب)، أو تقديرًا؛ كما في (طَلَب) من (الطَّلَب)، فيقدَّر أنَّ فتحة اللام في الفعل غيرها في المصدر.
والقائلون بالاشتقاق جمهور البصريِّين والكوفيِّين على الاختلاف المعلوم بينهما، وذهبت طائفة إلى أنَّه لا اشتقاق، بل كلُّ لفظٍ أصلٌ في نفسه، وذهبت أخرى إلى أنَّ كلَّ كلمةٍّ مشتقَّة من أخرى، وناهيك بِبُعْده.
إذا علمت هذا؛ فقوله: {نضع} من الوضع، و(موازين): جمع (مِيزان)، من الوزن، و{نضع}: معناه ننصب، وقيل: نخصُّ، وهو مضارع وضعت الشي أضعه وضعًا، و{الموازين}: جمع (ميزان)؛ بكسر الميم، وهو الآلة التي توزن بها الأشياء، ويطلق على العدل، وعلى المقدار؛ كما في موس.
ص4
و{القسط}: معناه: العدل والاستقامة، ويأتي الكلام عليه.
و{يوم القيامة}: هو يوم البعث، سمِّي بذلك؛ لأنَّه يقوم فيه الناس لربِّ العالمين، ويطلق ويراد به يوم الجمعة، ومنه قول كعب:
~ أتظلم رجلًا يوم القيامة.....
يعني: يوم الجمعة، سمِّي بذلك لما ورد من أنَّه تقوم فيه الساعة، واليوم من حيث هو يطلق على ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، وهو اليوم الشرعيُّ، وما بين طلوع الشمس وغروبها، وهو اليوم الميقاتيُّ، وقيل: عند أهل الميقات، ويستعمل بمعنى مطلق الزمان، كقوله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} [المائدة:3]؛ أي: الوقت الحاضر، والعرب قد تطلق اليوم وتريد به الوقت والحين مطلقًا، نهارًا كان أو ليلًا، فتقول: أذخرتك لهذا اليوم؛ أي: لهذا الوقت الذي افتقرت فيه إليك، ومنه الحديث: «تلك أيَّام الهرج»؛ أي: وقته.
و{تُظلَم}: من الظُّلم؛ بالضمِّ، قال الراغب: وهو عند أكثر أهل اللغة: وضع الشيء في غير محلِّه المختصِّ به، إمَّا بزيادة أو بنقصان، وإمَّا بعدول عن وقته ومكانه، وذكر بعض أئمَّة الاشتقاق: أنَّه في أصل اللغة (النقص)، واستعمل في كلام الشارع لمعانٍ؛ منها: النقص، والكفر، والكبائر، وقال بعضهم: الظلم: التصرف في ملك الغير، ومجاوزة الحدِّ، قال: ولذا كان محالًا في حقه تعالى؛ لأنَّ العالم كلَّه ملكه لا شريك له، والمصدر الحقيقيُّ: الظَّلم؛ بالفتح، يقال: ظَلَمَ يظِلم ظَلمًا؛ كضرب يضرب ضربًا، وأمَّا بالضمِّ؛ فهو اسم مصدر يقوم مقام المصدر.
و(النفس): الذات؛ كما في قوله: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [أل عمران:28، 30]؛ أي: ذاته؛ أي: عقوبة ذاته، وقوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة:116]، والنفس أيضًا: الروح؛ كما في قوله: {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ} [الأنعام:93]؛ أي: أرواحكم، والنفس أيضًا: الهوى؛ كما في قوله: {إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ} [يوسف:53]؛ يعني: الهوى، والنفس أيضًا: الحقيقة؛ كما يقولون: في نفس الأمر، وليس للأمر نفس منفوسة، والنفس أيضًا: الدم؛ كما في قولهم: لا نفس له سائلة؛ أي: لا دم له، وتجمع على أنفس، ونفوس، مثل: فَلْس، وأفلُس، وفلوس.
و(الشيء): واحد الأشياء، يقع على الكثير والقليل.
و(مثقال الشيء): مثله، ومقداره، يقال: هذا على مثقال ذلك؛ أي: على وزنه ومقداره.
و(الحبَّة): الواحدة من الحبِّ، وهو اسم جنس لما يكون في السنبل والأكمام، والجمع حبوب، مثل: فلس، وفلوس، وتجمع (الحبَّة) على (حبَّات)، وعلى (حِبَاب)؛ مثل: كلبة، وكلاب.
و(الخردل): حبُّ شجر معروف،
ص5
قال في «التذكرة»: من خواصِّه المنقولة عن الثقات: أنَّه إذا قُرِئ على كفٍّ منه قولُه تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ} إلى قوله: {مُبِيْن} [الأنعام:59] مئة مرَّة، يقول في كل مرَّة: يا مبين، عدد الاسم، وذرَّ في بعض المحلِّ، وأغلق الباب يومًا كاملًا؛ وجد مجتمعًا على الدفائن اهـ
و{أتينا}؛ بقصر الهمزة: من الإتيان، وهو المجيء؛ أي: جئنا، وقوله: {بها}؛ أي: بموزونها، فهو على حذف مضاف، وقيل: معنى {أتينا بها}: أحضرناها.
{وكفى}: من الكفاية، يقال: كفى الشيء يكفي، كفايةً، فهو كافٍ، إذا حصل به الاستغناء عن غيره، واكتفيتُ بالشيء: استغنيت به، أو قنعت به.
و{حاسبين} معناه: محصين، من حسبتُ الشيء، أحسبه، حسبًا، من باب (قتل)؛ إذا أحصيته، وقال ابن عبَّاس: معناه: عالمين، ويقال: مجازين، وقيل: حافظين.