حياة البخاري

تلقيبه بأمير المؤمنين

تلقيب البخاري بإمام المُحَدِّثين وبأمير المؤمنين في الحديث:
قال نجم الدين الطُّوفي رحمه الله في (شرح الأربعين): تلقيب النَّوَوِي الشيخين بإمامي المُحَدِّثين هو باعتبار ما كانا عليه من الورع والزُّهد والجدِّ والاجتهاد في
ص10
تخريج الصحيح، والتصريح به في كتابيهما، حتى اِئتم بهما في التصحيح كلُّ مَن بعدهما.
وقال السُّيُوطي في (التدريب) في شرح فروع النوع السادس والعشرين في فضل رواة الحديث: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «اللهم ارْحَمْ خُلَفائي». قيل: ومن خُلَفاؤكَ ؟ قَالَ: «الذين يَأتُونَ مِنْ بَعْدِي يَرْوُونَ أحاديثي وسُنَّتي». رواه الطبراني وغيره.
قال: وكأنَّ تلقيب المُحَدِّث بأمير المؤمنين مأخوذ من هذا الحديث، قال: وقد لُقِّب به جماعة، منهم: سُفيان وابن راهُوْيَه [1] والبُخَاري وغيرهم. اهـ.
قال ابن حجر: وأمَّا ما روي عن الشَّافِعي _من قوله: ما أعلم في الأرض كتابًا أصحُّ من الموطأ _ فإنَّما قال ذلك بالنسبة إلى الجوامع الموجودة في زمنه كـــ: (جامع سفيان الثوري) و(مصنف حمَّاد بن سلمة) ونحوهما، قبل وجود كتاب البخاري، ودليل أصحيَّة البخاريِّ أنَّ مالكًا لا يرى الانقطاع في الإسناد قادحًا، فلذلك يخرِّج المراسيل، والمنقطعات، والبلاغات في أصل موضوع كتابه، والبخاري يرى الانقطاع عِلَّةً فلا يُخرِّج ما هذا سبيله إلَّا في غير أصل موضوع كتابه، كالتعليقات والتراجم، ولا شكَّ أنَّ المنقطع وإنْ كان عند قوم من قبيل ما يحتج به، فالمتصلُ أقوى منه إذا اشترك كلُّ رواتهما في العدالة والحفظ، فبان بذلك شُفُوف كتاب البخاريِّ، وقد روي عن النَّسَائيِّ أنَّه قال: ما في هذه الكتب كلِّها أجودُ من كتاب محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ. وهذا من النَّسائيِّ غاية في الوصف مع شدَّة تحرِّيه وتقدُّمه في نقد الرجال على أهل عصره، وقد أطال الحافظُ ابن حجر في ذلك.
وقال نجم الدِّين الطُّوفي رحمه الله في (شرح الأربعين): وإنَّما قال الشافعي رضي الله عنه : لا أعلم كتابًا بعد كتاب الله عزَّ وجلَّ أصحُّ من موطأ مالك قبل ظهور الصحيحين، فلمَّا ظهرا كانا أحقُّ وأولى بذلك. اهـ.
ص11


[1] في فوائد رحلة ابن رُشيد: مذهب النُّحاة في هذا ونظائره ( كعمرويه ونفطويه وسيبويه وحربويه وخالويه) فتح الواو وما قبلها وسكون الياء ثمَّ هاء، والمحدثون ينحون به نحو الفارسيه فيقولون: هو بضم ما قبل الواو وسكونها وفتح الياء وإسكان الهاء، فهي هاء على كلِّ حال والتاء خطأ، قال: وكان الحافظ أبو العلاء العطَّاء يقول: أهلُ الحديث لا يحبون (ويه). وهكذا ذكره النوويُّ في تهذيبه في ترجمة أبي عبد الله بن حربويه، نقله السيوطي في التدريب.