هداية الساري لسيرة البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : هداية الساري لسيرة البخاري
اسم المؤلف الكامل : ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني
تاريخ الوفاة : 852
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1432
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : حسنين سلمان المهدي
الأجزاء : 1
حول الكتاب : كانَ الإمامُ أبو عَبد الله محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ رحمه الله أحَدَ أَهَمِّ الرُّموز الخالِدة في سَماء تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة المَجيد؛ حيثُ ارتَبَطَ اسمُه _عندَ جُمهور المسلِمين_ بأصَحِّ كِتابٍ بينَ أيديهم بعدَ كِتاب الله تعالى الكريمِ؛ ذلك هو «جامِعُه الصَّحيح» الذي جَمَع فيه _باختصارٍ_ سُنَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم القَولِيَّةَ والفِعلِيَّةَ والتَّقريريَّةَ، في أسلوبٍ استِنباطيٍّ بالِغ الدِّقَّة والتَّركيزِ والعُمْقِ؛ شَغَلَ الباحثين والمُحَلِّلينَ منذُ يومِ أُلِّفَ وحتَّى لحظةِ قِراءَةِ هذه الأسطُر!
وقد أدركَ أهلُ المَعرفة والفَهْمِ _قديماً وحَديثاً_ أنَّ مفتاحَ فَهْم ذلك الكِتابِ الفَذِّ يَكمُنُ في فَهْم واستيعابِ حياةِ مؤلِّفِه بكلِّ تفاصيلِها؛ إيقاناً منهم أنَّ الأُسلُوبَ ما هو في حقيقتِه إلَّا خُلَاصَةُ الإنسانِ نَفسِه بكلِّ مكوِّناتِه البِيئيَّةِ والاجتِماعيَّة والفِكْرِيَّة والنَّفْسِيَّة.
وبناءً على ذلك فقد أَفرَدَ كثيرٌ من العُلَماء حياةَ هذا الإمام العَبقريِّ في تأليفٍ مستَقِلٍّ؛ لِيَسُوقوا أخبارَه مفصَّلَةً موسَّعةً؛ فَيَتَسَنَّى للقارئ الاطِّلاعُ على رَكائِزِ شُهرة هذا الإمامِ، ولِيُتَاحَ للباحث معرفةُ أسبابِ علوِّ ذِكْرِه وانتشارِ اسمِه في الأَوساط العِلْميَّةِ انتشارَ الشَّمس والقَمَر.
فكانَ أوَّلَ مَن ألَّفَ في هذا الموضوع مُفتَتِحُه وشارِعُ مِنهاجِه لِمَن جاءَ بعدَه: أبو جَعفَرٍ محمَّدُ بن أبي حاتِمٍ البُخاريُّ النَّحويُّ الوَرَّاقُ، تلميذُ الإمامِ البخاريِّ المُقَرَّبُ، وخادِمُه في السِّرِّ والعَلَانيَةِ، ووَرَّاقُه ومُلَازِمُه في حِلِّه وتَرْحالِه؛ فكانَ بسبب ذلك مَرْجِعَ الناس في معرفة أحوال الإمام البخاريِّ ظاهِراً وباطِناً.
وقد لَقيَ كتابُه «شَمَائِلُ البخاريِّ» القَبُولَ والرَّواجَ عندَ معاصريه فمَن جاءَ بعدَهم، وتناقَلَه الناسُ رِوايةً وتَدَاوَلُوه نَسْخاً، ولَم يَبلُغنا _وبالأَسف نَقُولُ_ من ذلك الكتابِ النَّبيلِ إلَّا طَرَفٌ من النقولِ التي اقتبَسَها العُلَماءُ منه وأودَعوها في طَيَّاتِ مؤلَّفاتِهم، وقد وَصَفَه الإمامُ الذهبيُّ بأنَّه جُزءٌ ضَخْمٌ، وقدَّرَه الحافظُ السَّخَاوِيُّ بأنَّه في نحوِ كرَّاستَين؛ أيْ ما يُقارِبُ ثلاثينَ ورقةً مَخطوطةً.
ثُمَّ تَلَا إلى ذلكَ: الإمامُ الحافظُ أبو سَعْدٍ عَبدُ الكَريم بنُ محمَّدِ بنِ مَنْصُورِ بنِ محمَّدٍ التَّميميُّ السَّمْعانيُّ، المتوَفَّى سنةَ اثنتين وسِتِّينَ وخَمسِ مئةٍ؛ فصنَّف كتابَه الذي سَمَّاه: «بُخَارُ بَخُورِ البُخاريِّ»، وقد وَصَفَ مؤلِّفُه حَجمَه بأنَّه يَقَعُ في عِشرينَ طاقةً؛ أيْ ما يُقارِبُ مِئَتَي ورقةٍ مَخطوطةٍ!
ثمَّ تلَا إلى ذلك: الإمامُ الحافظُ أبو الرَّبيعِ سُلَيمانُ بنُ مُوسى بنِ سالِمِ بنِ حَسَّانَ الحِمْيَرِيُّ الأَندَلُسيُّ البَلَنْسِيُّ، المتوفَّى سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وستِّ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتابَه الذي سَمَّاه: «الإِعْلَامُ بأَخْبارِ البُخَارِيِّ الإِمامِ، ومَن بَلَغَت روايَتُه عَنه مِن الأَغْفَالِ والأَعْلَامِ»، وقد وَصَف ابنُ عَبد المَلِك المَراكشيُّ حجمَ هذا الكتابِ بأنَّه كُرَّاسَةٌ كَبيرةٌ.
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: الإمامُ مؤَرِّخُ الإسلام شَمسُ الدِّينِ أبو عَبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ عُثْمانَ بن قَايْمَازَ الذَّهبيُّ، المتوفَّى سنةَ ثمانٍ وأربعينَ وسَبْعِ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتابَه الذي سَمَّاه: «مَنَاقِبُ البخاريِّ»، وقد ذَكَرَ هذا الكتابَ في عِدَّةٍ من مؤلَّفاتِه، ووَصَفَه بأنَّه جُزءٌ ضَخمٌ فيه العَجَبُ، وقد لخَّص مادَّتَه وأدخَلَها في ضِمنِ ترجمة الإمام البخاريِّ في كتابه «سِيَر أعلام النُّبَلاء».
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: العَلَّامةُ سِرَاجُ الدِّينِ أبو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عليِّ بنِ أحمدَ الإَنصاريُّ المعروفُ بابنِ المُلَقِّنِ، المتوفَّى سنةَ أربعٍ وثَمانِ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتاباً في ترجمة الإمام البخاريِّ، ذكَرَه الحافظُ السَّخَاويُّ.
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: العلَّامةُ شَمسُ الدِّينِ أبو عَبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ عَبدِ الله بنِ محمَّدِ بن أحمَدَ القَيْسِيُّ المعروفُ بابنِ ناصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقيِّ، المتوفَّى سنةَ اثنتين وأربعين وثَمانِ مئةٍ؛ فصنَّف كتابَه الذي سَمَّاه: «تُحفةُ الأَخْباريِّ بِتَرْجَمة البُخاريِّ».
ثم استقَرَّت نِبَالُ جَعْبَةِ تلك الجهود المتتابِعة في كِنَانَة الحافظ الكِنانيِّ شِهَابِ الدِّينِ أبي الفَضْل أحمَدَ بن عليِّ بن محمَّدٍ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانيِّ، المتوفَّى سنةَ اثنتين وخَمسين وثمانِ مئةٍ؛ فشَدَّ لها قوسَ ذِهنِه ووَتَرَ عَبقريَّته الفَذَّةِ؛ فكانت هذه الرَّميَةُ المسَدَّدةُ.
ولا غَرْوَ أنْ يَغْمِسَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ دَواتَه في خِضَمِّ هذا الأَريج؛ فقد كان مُتْرَعَ الضَّمير من نَسيم ظِلَال اهتمامَين شَخصِيَّين لَطالَما كان مُولَعاً بالعناية بهما؛ ألَا وهما:
[1] . التخصُّصُ التامُّ بعلم الرِّجال وتراجُمِ الأَعلامِ العامَّة والخاصَّة؛ فقد ألَّف عِدَّةَ مؤلَّفاتٍ مَشهورةٍ في هذين المَجالَين، منها:
_ تهذيب تهذيب الكمال، وخلاصتُه: «تقريب التهذيب».
_ ولسان الميزان، وملحقاه: «تحرير اللسان» و«تَقويمه»، وذيلُه.
_ وتَعجيل الَمنفَعة بزوائد رجال الأئمَّة الأَربعة.
_ والإصابة في تَمييز الصحابة.
_ والمَرْحَمة الغَيثيَّة في التَّرجمة الليثيَّة (ترجمة الإمام الليث بن سَعْدٍ).
_ وتَوالي التأْنيس بِمَعالي ابن إدريس (ترجمة الإمام الشافعيِّ).
_ والدُّرَر الكامنة في أَعيان أهل المئة الثامنة، وذَيلُه.
وغيرُها، وهذه الكُتُب كُلُّها معروفةٌ مطبوعةٌ متداوَلةٌ.
[2] . العِنايَةُ الخاصَّةُ بالإمام البخاريِّ؛ فقد كان هذا الإمام نواةً للكثير من مؤلَّفات الحافظ ابن حَجَرٍ، منها:
_ فتح الباري، ومقدِّمته: «هُدَى الساري».
_ وتغليق التعليق، وملخَّصُاه: «التَّشويق» و«التَّوفيق».
_ وبُغية الدَّاري بأَبْدال البخاري، ويسمَّى أيضاً: «عَوالي البخاريِّ».
_ وزوائد «الأدب المفرَد» على الكتب السِّتَّة.
_ والمُهْمَل من شيوخ البخاريِّ.
_ والإِعْلام بمَن ذُكِرَ في «البخاريِّ» من الأَعْلام.
بل يُمكننا الادِّعاءُ بأنَّ اسمَ الحافظِ ابن حَجَرٍ في الأَوساطِ العِلْمية قد ارتَبَطَ ارتباطاً وَثيقاً باسم الإمام البخاريِّ؛ بكَونِه مِن أفضَلِ مَن فَسَّر مُغْلَقاتِ إشاراتِه، ومِن أَدَقِّ مَن بَيَّن مقاصِدَ عباراتِه، وهو أمرٌ معروفٌ عندَ المختصِّين.
والحاصِلُ: أنَّ تأليفَه لكتابٍ في ترجمة الإمام البخاريِّ كان نتيجةً طبيعيةً حتميةً لِخَطِّ سَيْرِه العِلْميِّ، وما كانت الظروفُ التي دَعَت إلى تأليفه للكتاب إلَّا استعجالاً لقَـِطَافِ الثَّمَرة في باكُورَة المَوْسِم لا غَيرَ.
هذا، وقد تتابَعت جهودُ العلماء بعدَ الحافظ ابن حجرٍ في هذا النِّطاق، لكنْ في نَوعٍ من التَّكرارِ الرَّتيبِ من ناحية النصوص المَنقولة خصوصاً، الأمر الذي جَعَلَ إحصاءَ تلك الجهود حَشْداً لا يُجدي المطالِعَ نَفعاً، لم تكن الغايةُ من تَجَدُّده _فيما أُرى_ عِبرَ العصور إلَّا تَرْكَ إشارةِ ذِكْرى مَوَدَّةٍ وتسجيلَ بَصمةِ انتماءٍ على جِذْعِ هذه النَّخلةِ الطيِّبة المَنبَت المبارَكة الظِّلال الدائمة الخُضْرةِ والثِّمَارِ العِلْميَّة، وما عَمَلي في تَحقيق هذا الكتابِ اليومَ إلَّا مُشْقَةٌ مِن ذلك، فنسأل اللهَ تعالى الإِمضاءَ بالقَبولِ!
عنوان الكتاب:
«هِدَايَةُ السَّارِي لِسِيْرَةِ البُخَاري» هو العُنوانُ المُقَيَّدُ على طُرَّة النُّسْخَة الخَطِّيَّة (ق:224/أ)، وهو العُنوانُ المُقَيَّد في آخِرِ الكتاب أيضاً (ق:255/ب).
وكذلك سَمَّى الحافظُ السَّخَاوِيُّ هذا الكِتابَ في جَرْدَةِ مصنَّفات الحافظ ابنِ حَجَرٍ، لكنَّه تَرَدَّدَ في تَحديدِ عُنوانِه؛ فقال: (هُدَى السَّارِي، ويُقَالُ لَهُ: هِدايَةُ السَّارِي لِسِيرة البخاري...) ا ه، فَأُرَى أنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ رحمه الله كان قد سَمَّى تَرجَمَةَ الإمام البخاريِّ أوَّلاً بالاسمَين مَعاً، على التردُّد بين «هُدَى السَّارِي» أو: «هِدَاية السَّاري»، وأنَّه قَيَّدَ الاسمَين معاً في نُسخَتِه، ثُمَّ إنَّه لَمَّا أَتَمَّ كِتابةَ مقدِّمة فَتح الباري نَقَلَ اسمَ «هُدَى السَّارِي» إليها، ولم يَعُد لِحَذْفِ الاسم الأوَّلِ في نسختِه الوحيدة؛ لبقائِها عندَ غيرِه مِمَّن سَمِعَها عليه أو لسببٍ ما يُماثِلُه؛ فَصَفَا الاسمُ الثاني (هِداية الساري) لكتاب ترجمة الإمام البخاريِّ، والله أعلم.
فلم يبْقَ _بناءً على ذلك_ مَجالٌ للشكِّ أو الترَدُّدِ في تعيُّن اختيارِ اسمِ الكتاب المقيَّد في آخِرِ الكِتَابِ، ولله الحمدُ.
ولا يشَوِّشُ على هذا الاختيارِ ما كَتَبَه الناسِخُ في طُرَّة النُّسخة المعتمَدة:
مَناقِبُ الإمام البخاريِّ»، أو ما سَمَّاه المؤلِّفُ في بعض كُتُبه _ومِن بَعدِه تلميذُه الحافظُ السَّخَاوِيُّ_ مِراراً بـ «تَرجمة البخاريِّ»؛ فإنَّ ذلكَ صادِرٌ منهم عَلَى إرادة فَحْوَى الكِتاب ومعناه، ولا ريبَ في ذلك عندَ المختَصِّينَ بشؤون ضَبْطِ أسماء المصنَّفات، والله أعلم.
قَضِيَّةُ الكِتَابِ:
في الأُسبُوع الثالث مِن شهر رَمَضانَ المبارَكِ سنةَ خَمْسٍ وثَمَانِ مئةٍ كانَ ثُلَّةٌ من طَلَبة العِلْم على وَشْكِ أنْ يَنتَهُوا من قِراءَة «الجامعِ الصَّحيحِ» للإمام البخاريِّ على شَيخِهم شَمسِ الدِّين ابنِ القَطَّانِ [محمَّدُ بن عليِّ بن محمَّد بن عِيسى بن عُمَرَ السَّمَنُّوْدِيُّ] في مَدْرَسَة البُرْهانِ المَحَلِّيِّ بالقاهِرَةِ، وكان الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقلَانيُّ أَحَدَ الحاضرِينَ لمجالِس السَّماعِ تلك، وكانت العادةُ السائِدةُ في تلك العُصُور أنْ يُقْرأَ في مَجلِسِ خَتْمِ سَمَاعِ الكُتُب الكَبيرةِ كِتابٌ ذو طَبيعةٍ تَعريفيَّةٍ بأهمِّيَّة الكتاب المَسموع ومَكانةِ مؤلِّفه، يَتَنَاوَلُ ذلك الكتابُ في تفاصيلِه الجَوانِبَ الرئيسيَّة المنبِّهة إلى ذلك المقصَد، فيَبدو أنَّ بعضَ الحاضِرينَ _ولعلَّه ابنُ القَطَّان نفسُه_ طَلَبَ إلى الحافظِ ابنِ حَجَرٍ من بابَةِ المَوَدَّةِ أنْ يؤلِّفَ لهم كتاباً لذلك المقصَد لِيَقرَؤُوه عَلَيه في مجلسِ الخَتْمِ المُرْتَقَبِ، ووافَقَ ذلك الطَّلَبُ رَغْبةً رابِضَةً في نَفْس الحافِظِ؛ فأَجابَهم لِذلكَ؛ فَكان هذا الكتابُ.
ولا يَخفى على الباحثِ أنَّ تَحديدَ الدافِع إلى التأليف هو من أهمِّ مَفاتِيح فَهْم قَضِيَّة الكِتابِ؛ وبالتالي فهو الرَّكيزةُ المَرْكَزيَّةُ التي يُؤَسَّس على مراعاتِها هَيكَلُ خِدمَتِه وتحقيقِه.
نَوَاةُ الكِتَابِ وهَيكَلُه:
قد يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِ الباحِثِ بادِيَ الرَّأْيِ أنَّ كِتاباً يُؤَلَّفُ بِرَكْضَةِ قَلَمٍ على عُجَالَةِ نَظَرٍ في جُمُعةٍ واحدةٍ لحاجَةٍ مُؤَقَّتةٍ خاصَّةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ لِمؤَلِّفِه فيه مَنْهَجٌ محَدَّدٌ خاصٌّ خارِجٌ عن الإِطارِ العامِّ للمؤلَّفات المنتَجَةِ سَريعاً من الجَمْعِ المَحْضِ والتَّلخيصِ المُجَرَّدِ والنَّقْلِ الفَطيرِ غيرِ المتأَنِّي؛ بحيثُ يَستَحِقُّ الوقوفَ عندَه وتبيينَ ملَامِحِه للقارئ غيرِ المُختَصِّ.
وهذا غيرُ منطَبِقٍ على «هداية الساري»؛ لأنَّ مؤلِّفَه _في خَطِّه المَنْهَجيِّ العامِّ_ لَم يَكُن من المَيَّالين إلى ذلك الأُسلُوبِ السَّطْحِيِّ في التأليف؛ فهو من العلماء المُوقِنينَ بمسؤوليَّةِ المؤلِّف في إيصال المعلومة الصحيحة إلى القارئ بكلِّ مستوياتِه؛ ولذلك كان من أشْهَر الكُتَّاب الحريصين على بَيَان الخطأِ الواقِعِ في النَّقْل، وتَوضيحِ الزَّلَل الحاصِل في النَّقدِ، وهذه مؤَلَّفاتُه حافِلَةٌ بالانتقادات والاعتراضات والتتبُّعات والاستدراكات بِمَا يُشَكِّلُ أكثَرَ من ثُلُثِ مادَّتِها العِلميةِ!
وقد سَجَّل الحافظُ في مقدِّمتِه لهذا الكتابِ جانباً من مَلَامِح مَنهَجِه في تأليف الكتابِ، واستَقرَأْتُ من خِلَال العَمَل في تحقيق الكِتابِ مَلَامِحَ أُخرى، ويُمكِنُ تَلخيصُ كلِّ ذلك في التالي:
أوَّلاً: الاعتِمادُ على مَجموعةٍ محدَّدةٍ من المصادر لاستِقاء المعلومات المتعلِّقة بتفاصيل حياة الإمام البخاريِّ؛ فقد انتقى الحافظُ الكتُبَ المَرْكَزيَّةَ ذات المَضمونِ الواسِع لذلك الغَرَض، وقد سَمَّى أهمَّها في مقدِّمته وأشارَ إلى نَقلِه من غَيرِها؛ وأهمُّ تلك المصادر المُصَرَّح بأسمائها في الكتاب:
_ شَمائل البخاريِّ، لأبي جَعفرٍ الوَرَّاق.
_ تاريخ نَيْسابُورَ، لأبي عبد الله الحاكم.
_ الإِرشادُ، لأبي يَعْلَى الخَلِيليِّ.
_ تاريخ بُخارَى، لأبي عَبدِ الله الغُنْجَارُ.
_ تاريخ مَدينة السَّلَام (بَغدادَ)، لأبي بكرٍ الخطيبِ البغداديِّ.
_ تاريخ دِمَشقَ، لأبي القاسم ابن عَساكِرَ.
وقد ذَكَر في المقدِّمة أنَّه بَنَى عامَّةَ كتابِه على النصوص التي ينقُلُها من كتاب أبي جعفرٍ الورَّاق متَّخِذاً منه نَواةً لِهَيكَلِ الكتابِ، وساقَ إسنادَه إلى هذا الكتاب في المقدِّمة ووَصَفَه بِمَا يُشعِرُ القارئَ باطِّلاعِه عليه، ولي في كونِه وَقَفَ على هذا الكتاب ورآهُ بعينِه نَظَرٌ، وأُرَى أنَّ ما نقَلَه عنه إنَّما استفادَه من كُتُب الإمام الذهبيِّ ولا سِيَّما «مناقبُ البخاريِّ» و«سِيَر أعلام النبلاء»؛ وسيَجِدُ القارئُ مِصْداقَ ذلك الظنِّ في ثنايا هوامش التحقيق، والله أعلمُ.
كما إنَّ المؤلِّفَ قد نَقلَ كثيراً من النُّصوص من كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» للإمام النَّوَويِّ أيضاً دونَ أنْ يُصَرِّحَ باسمه إلَّا في موضِعَين؛ حينَ نقلَ نَصَّ عبارة الإمام النَّوَويِّ.
ثانياً: الاختصارُ في إيرادِ المَعلوماتِ عَلَى حَسْبِ الحاجَةِ إليها، وَعَدَمُ تَكرارِ حِكَاية المَعلومةِ بعَينِها إلَّا نادِراً جِدًّا؛ مراعاةً لِضِيقِ وقتِ المَجلِس المَعقودِ لإِسماع الكِتابِ، وتَجَنُّباً لدَبيبِ المَلَلِ إلى نُفُوسِ الحاضِرينَ فيهِ، وانسِياقاً لضُغوطِ انشِغالِ المؤلِّف نفسِه بتصنيفِ كتُبٍ هي أهَمُّ مكانةً في نَظَرِه؛ لأنَّه قصَدَ إلى تأليفِها بدافعٍ ذاتيٍّ لا خارجيٍّ.
ويَشْمَلُ ذلكَ الاختصارُ عَدَمَ ذِكْرِ المؤلِّفِ أسانيدَه إلى مَصادِرِ مَعلوماتِه المنقولَة عندَ سِياقِها إلَّا نادراً، كَمَا اشتَرَطَ على نَفسِه ذلك في المقدِّمة.
ويلتَحِقُ بذلك الاختِصارِ: التصرُّفُ في نَقْل العِبَاراتِ، وتَلخيصُ تَفاصِيلِ الحكاياتِ المَرْوِيَّة، الأَمرُ الذي قَد يَصِلُ أحياناً إلى حَدٍّ مُجْحِفٍ؛ يُخِلُّ بمَقصودِ المَنقولِ، ويُشَوِّشُ عَلَى المُطالِعِ إدراكَ الفائدةِ المَطلوبةِ من إيرادِه.
ثالثاً: تَقسيمُ تفاصيلِ حياة الإمام البخاريِّ إلى فُصُولٍ مستقلَّة المباحِث، بَلَغَت اثنَيْ عشر فَصلاً، وهذا أسلوبٌ دَرَج عليه النَّاسُ قَديماً وحَديثاً، والمُرادُ منه تَشكِيلُ الصُّوَر المَقْطَعيَّة تامَّةً في ذِهْن القارئ بالتتبُّع لِمَراحِل تطوُّر شَخصيَّة المُتَرْجَم له؛ لتتكامل عندَه بالتالي الصُّورة العامَّةُ لِحياة صاحِب التَّرْجمة؛ الشأْنُ الذي يُتِيحُ للباحث إمكانيَّةَ تَحليل مكوِّنات تلك الشخصيَّة؛ فيستَشِفُّ من خِلَال ذلك التحليل مقوِّمات المنهَجِيَّة العِلْميَّة لديه.
رابعاً: التَّعليقُ على المَعلومات المَنقولَة وتَبيينُ غَريبِ ما يَرِدُ فيها من ألفاظ وضَبطِها ضَبطاً تفصيليًّا دَقيقاً، على عادته في كُلِّ مؤلَّفاتِه.
ويَندَرِجُ في ضِمْنِ ذلكَ:
التَّرْكيزُ عَلَى المَباحِثِ العِلْمية المهمَّة، وخصوصاً منها ما له تعلُّقٌ مباشِرٌ بِمُلَابَسات ودَوَافِع تأليف الكِتاب؛ فقد أَفْرَد المؤلِّفُ فَصلَين مستقلَّين (الثامن والتاسع) لبَيان سَبب تأليف الإمام البخاريِّ لكتابه «الجامع الصحيح»، ولِبَيان شَرْطِه فيه.
ويَلتَحِقُ بذلك: الاستِطرادُ في بعض المواضيع التي لها ارتِباطٌ وَثيقٌ بِأحوال الحاضرين لِسَماع الكتاب؛ فقد توسَّع المؤلِّف في بيان أسباب عَدَم رواية الإمام البخاريِّ في «صحيحه» حديثاً من طريقِ الإمام الشافعيِّ؛ وذلك لكون الحاضرين كلِّهم من أتباع مَذهَبِه.
قِيْمَة الكِتَابِ:
تَكْمُنُ القيمةُ العِلْميةُ لكلِّ كتابٍ في اشتمالِه على أحَدِ أمرَين أو كِلَيهما:
الأوَّل: نُدْرةُ النُّصوص المنقولَةِ.
والثاني: دِقَّة البُحوثِ المَطروحة.
وهذا الكتابُ _برَغْم كونِه غيرَ محَرَّرٍ كَمَا يَنْبَغي عَلَى حَدِّ وَصْفِ مؤلِّفُه_ قد اشتَمَلَ على هذين الأمرَين معاً:
فَقَد انفَرَدَ بتسجيل نصوصٍ _على قِلَّتِها_ لَم تُذْكَر في المراجع الأُخرى ذات العِلاقَة بالموضوع.
وقد طَرَحَ المؤلِّفُ في ثَناياه بُحوثاً قَيِّمَةً، وبَسَطَ فيها قِمَاشَةَ النِّقاش بِمَا لا يوجَدُ تَفصيلُه في مُؤَلَّفاتِه الأُخرى.
وقد كانَ هذا الكتابُ هو السَّدِيمَ الذي اتَّكأَ عليه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ لإعادة صِياغَة تَرجمة الإمام البخاريِّ التي أَودَعَها في آخِر كِتابَيه «تَغليق التَّعليق» و«مقدِّمة فَتح الباري»، واستَخلَصَ منه ما زادَه من معلوماتٍ في «تهذيب التهذيب» على ما سَجَّلَه الحافظُ المِزِّيُّ في ترجمة الإمام البخاريِّ في أصلِه «تهذيب الكمال»؛ فاكتَسَبَ كتابُنا هذا بذلك لَدَى الباحثين بُعداً ثالِثاً؛ حيثُ يُمكِنُ من خِلَالِ المقارَنَة بينَ النَّقلَين التعرُّفُ عَلَى مَدَى التطوُّرِ العَلْميِّ والنُّضوجِ الفِكْرِيِّ للمؤلِّفِ.
ولا يَفُوتُ الباحثَ وهو يُقيِّمُ هذا الكتابَ أنَّ الحافظَ ابنَ حجَرٍ ألَّفَه وهو في أوائل أطوارِه التألِيفيَّة؛ لَم يستَقِم عُودُه على سُوقِه بَعدُ، ولم تستَقِلَّ مَلَكتُه برأسِها، وكان حينئذٍ ما يزالُ أسيرَ وَلَعِه بالأئمة الكِبارِ الذين غَطَّى ظِلُّ عبقريَّتِهم حاجِبَ الشَّمسِ على الطلَّاب في تلك العصور، فلا ينبغي والحالةُ هذه أنْ يُحاكَمَ المؤلِّفُ إلى مكانته العِلْمية الرَّفيعة التي استقَرَّ عليها في أواخِرِ أيامه.
وقد عرف الحافظُ ابنُ حَجَرٍ هذا من نفسِه جَيِّداً؛ فلذلك أَهْمَلَ نوعاً ما هذا الكتابَ إهمالاً متعَمَّداً؛ فلَم يُقْرِئْه أو يُسمِعه لطُلَّابه _بعدَ أنْ قُرِئَ عليه في مجلس خَتم «الصحيح» عندَ شيخِه الشَّمسِ ابن القَطَّان سنةَ خمسٍ وثَمانِ مئةٍ_ عَلَى امتِدادِ سَبْعٍ وأربعينَ سَنةً، بل إنَّ الحافظَ السَّخَاوِيَّ _وهو أخَصُّ طُلَّاب ابن حَجَرٍ به وأعلَمُهم بشؤونه الشَّخْصيَّة والعِلميَّة_ قال وهو يتحدَّث عن «هِداية الساري»: (صَنَّفَها قَديماً في سَنةِ خَمسٍ وثَمانِ مئةٍ)، وقال في موضعٍ آخَرَ: (وَجدتُها بخَطِّه... حدَّث بها قَديماً في سنةِ خمسٍ وثَمانِ مئةٍ)، وعِبارتُه مُوحِيَةٌ بالإهمال الذي نَبَّهنا إليه آنِفاً، والله أعلم.
بل إنَّ مَجلِسَ السَّماعِ الوحيدَ الذي عُقِدَ لقراءة هذا الكتاب إنَّما كان مُشتَمِلاً على مَجمُوعةٍ من شيوخِ المؤلِّف وأصدقائِه في جَلْسةٍ وِدِّيَّةٍ، ولم يَكُن مَجلِساً عامًّا أو حافِلاً؛ فلذلك وُلِدَ هذا الكتاب مَوؤُوداً من أصلِه عندَ مؤلِّفه، ولكنَّ الله تعالى أرادَ لهُ غيرَ ذلك، واللهُ غالِبٌ على أَمرِه!
وبِسَببٍ من ذلك كُلِّه _ولا رَيبَ_ لَم تَذْكُر فهارِسُ المخطوطات على رَحَابَتِها لهذا الكِتابِ عَيْناً ولا أَثَراً؛ وذلك لانعِدام نُسَخِه من زَمَنِ مؤلِّفِه، والله أعلمُ.
وليس المُرادُ من هذا التقريرِ التقليلَ من شأْن «هِداية الساري»، وإنَّما الغايةُ أنْ تَكونَ صُورةُ الكِتابِ مُجَسَّمَةً بحَجْمِها الطبيعيِّ الحقيقيِّ في ذِهْنِ المُطالِعِ؛ فيعرِفَ بذلكَ المكانةَ اللائِقةَ للكتابِ التي ينبغي أنْ يُوضَعَ فيها؛ كمَرجعٍ في تفَهُّمِ مادَّةِ موضوعِه، وكدليلٍ في تَقيِيم مَكَانةِ واضِعِه.
حول المؤلف : 1 - اسمه ونسبه:
أحمد بن علي بن محمد الكِنَانِي العسقلاني المصري أبو الفضل شهاب الدين المعروف بابن حجر.
أما الكِنَانِي: فنسبة إلى قبيلة كنانة، والعسقلاني نسبة إلى عسقلان مدينة بفلسطين، وحجر اسم لبعض أجداده.
2 - مولده ونشأته:
ولد ابن حجر رحمه الله سنة ثلاث وسبعين على شاطئ النيل بمصر القديمة، ونشأ يتيماً إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل. وكان أبوه قد أوصى به إلى رجلين ممن كانت بينه وبينهم مودة هما:
زكي الدين أبو بكر الخروبي ( ت: 787 هـ ) وكان تاجراً كبيراً بمصر.
وثانيهما شمس الدين ابن القطان ( ت: 813 هـ ).
فنشأ في كنف الوصاية في غاية العفة والصيانة، وقد أخذه زكي الدين الخروبي معه أثناء مجاورته في مكة وظل يرعاه إلى توفي رحمه الله سنة ( 787 هـ ). وتركه وكان قد حفظ القرآن، وصلى بالناس التراويح في المسجد الحرام سنة ( 785 هـ ) وحفظ عمدة الأحكام والحاوي الصغير للقزويني ومختصر ابن الحاجب وغيرها.
ثم حبب إليه الحديث فأقبل عليه بكليته وأخذه عن مشايخ عصره ولازم العراقي عشر سنين وتخرج به وانتفع منه.
رحل في طلب العلم فجال في مصر والشام والحجاز واليمن والتقى بعدد كبير من العلماء في هذه البلدات، وحمل عنهم شيئاً كثيراً.
3 - شيوخه:
ترجم ابن حجر رحمه الله لشيوخه في كتابين:
1 - المجمع المؤسس للمعجم المفهرس
2 - المعجم المفهرس وكلاهما مطبوع.
كما اهتم السخاوي رحمه الله في كتابه: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر بذكر شيوخ ابن حجر رحمه الله، إذ بلغ عدد شيوخه أكثر من ستمائة شيخ ومن أهم هؤلاء:
1 - الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحمن بن الحسين العراقي حافظ عصره ( ت: 806 هـ ).
2 - الحافظ أبو حفص سراج الدين عُمَر بن رسلان البُلقيي ( ت: 805 هـ ).
3 - الفقيه المحدث عُمَر بن علي بن أحمد الأنصاري المصري المعروف بابن الملقن ( ت: 804 هـ ).
4 - الفقيه الأصولي عز الدين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الكِنَانِي المعروف بابن جماعة.
أما تلامذته فمن أشهرهم:
1 - الفقيه زكريا الأنصاري الأصولي ( ت: 926 هـ ).
2 - المحدث السخاوي محمد بن عبد الرحمن القاهري ( ت: 901 هـ ).
3 - محمد بن محمد بن فهد المحدث الفاهم ( ت: 871 هـ ).
4 - مؤلفاته:
جال ابن حجر رحمه الله بقلمه في كل مجال من مجالات العلوم الإسلامية والعربية، وقدَّم خدمات عظيمة للأمة الإسلامية. وما من علم من العلوم إلا لابن حجر رحمه الله مصنف فيه. وقد أحصى الأستاذ شاكر عبد المنعم في رسالته للدكتوراه التي هي بعنوان ( الحافظ ابن حجر ودراسة مصنفاته ) / 282 / مصنفاً لابن حجر. لكن أشهرها:
1 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
2 - إتحاف المهرة بأطراف العشرة وهي أطراف الموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند الدارمي وصحيح ابن خزيمة - ما وقع له منه - والمنتقى لابن الجارود وصحيح ابن حبان ومستخرج أبي عوانة ومستدرك الحاكم وشرح معاني الآثار للطحاوي وسنن الدارقطني.
3 - الإصابة في تمييز الصحابة.
4 - تهذيب التهذيب.
5 - تبصير المنتبه وتحرير المشتبه: حرر فيه كتاب الذهبي واستدرك عليه.
6 - لسان الميزان: يشتمل على التراجم التي وردت في ميزان الاعتدال وليست في تهذيب الكمال مع إضافات وفوائد.
5 - أقوال العلماء فيه:
قال فيه شيخه سراج الدين البلقيني في تقريظ تغليق التعليق: جَمْعُ الشيخ الحافظ المحدث المتقن المحقق شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن الفقير إلى الله الفاضل نور الدين الشهير بابن حجر.
وقال السخاوي: وبلغني عن شيخنا أبي العباس الحناوي قال: كنت أكتب الإملاء عن شيخنا العراقي فإذا جاء ابن حجر ارتج له المجلس وعند عرض الإملاء قلَّ أن يخلو من إصلاح يفيده ابن حجر.
6 - وفاته:
استمر ابن حجر رحمه الله بإفادة تلامذته إلى قبل وفاته حين لازمه المرض حتى أقعده وأقلّ حركته فوافاه الموت بعد ذلك سنة ( 852 هـ ) ليلة السبت في الثامن من ذي الحجة. ومال السخاوي إلى أن الذي كان بشيخه هو الطاعون.

عملنا : انتسخ الكتاب على الطريقة الإملائية الحديثة، ورَمَّم المحقق الفراغاتِ التي وَقَعت في الأصل المعتَمَد:
أمَّا ما يتعلَّق بكلام الحافظ ابن حَجَرٍ ؛ فبالرجوع إلى آراءه المشابهة والموافِقة في مصنَّفاتِه الأخرى، أو بتقديرها إنْ لَم يوجَد ما يشابهُها بحسبِ ما يوافِق سِياقَ العِبارة.
وأمَّا ما يتعلَّق بالنصوص المنقولة ؛ فبالرجوع إلى ما نقله المؤلف منه في مصنفاته الأخرى وخصوصاً « تغليق التعليق » و« مقدمة فتح الباري » و« تهذيب التهذيب »، أو بالرجوع إلى مصادر الرواية التي اعتمَدها المؤلف في نَقْلِه.
وكذلك أصلَحتُ التصحيفات والتحريفات والأخطاء وزلَّات القَلَم التي وقعت في الأصل الخَطِّيِّ باعتماد الآلية نفسِها.
وقد نَبَّهتُ إلى تَفاصيلِ ذلك كلِّه في الهامش ؛ ليكونَ المطالِعُ على اطِّلاعٍ تامٍّ لطَبيعة حال النُّسخة الخَطِّية ومعرفةٍ أكيدةٍ لقيمتها الحقيقية.

هداية الساري لسيرة البخاري


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : هداية الساري لسيرة البخاري
اسم المؤلف الكامل : ابن حجر أحمد بن علي العسقلاني
تاريخ الوفاة : 852
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1432
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : حسنين سلمان المهدي
الأجزاء : 1
حول الكتاب : كانَ الإمامُ أبو عَبد الله محمَّدُ بنُ إسماعيلَ البخاريُّ رحمه الله أحَدَ أَهَمِّ الرُّموز الخالِدة في سَماء تاريخ الأُمَّة الإسلاميَّة المَجيد؛ حيثُ ارتَبَطَ اسمُه _عندَ جُمهور المسلِمين_ بأصَحِّ كِتابٍ بينَ أيديهم بعدَ كِتاب الله تعالى الكريمِ؛ ذلك هو «جامِعُه الصَّحيح» الذي جَمَع فيه _باختصارٍ_ سُنَّةَ رسول الله صلى الله عليه وسلم القَولِيَّةَ والفِعلِيَّةَ والتَّقريريَّةَ، في أسلوبٍ استِنباطيٍّ بالِغ الدِّقَّة والتَّركيزِ والعُمْقِ؛ شَغَلَ الباحثين والمُحَلِّلينَ منذُ يومِ أُلِّفَ وحتَّى لحظةِ قِراءَةِ هذه الأسطُر!
وقد أدركَ أهلُ المَعرفة والفَهْمِ _قديماً وحَديثاً_ أنَّ مفتاحَ فَهْم ذلك الكِتابِ الفَذِّ يَكمُنُ في فَهْم واستيعابِ حياةِ مؤلِّفِه بكلِّ تفاصيلِها؛ إيقاناً منهم أنَّ الأُسلُوبَ ما هو في حقيقتِه إلَّا خُلَاصَةُ الإنسانِ نَفسِه بكلِّ مكوِّناتِه البِيئيَّةِ والاجتِماعيَّة والفِكْرِيَّة والنَّفْسِيَّة.
وبناءً على ذلك فقد أَفرَدَ كثيرٌ من العُلَماء حياةَ هذا الإمام العَبقريِّ في تأليفٍ مستَقِلٍّ؛ لِيَسُوقوا أخبارَه مفصَّلَةً موسَّعةً؛ فَيَتَسَنَّى للقارئ الاطِّلاعُ على رَكائِزِ شُهرة هذا الإمامِ، ولِيُتَاحَ للباحث معرفةُ أسبابِ علوِّ ذِكْرِه وانتشارِ اسمِه في الأَوساط العِلْميَّةِ انتشارَ الشَّمس والقَمَر.
فكانَ أوَّلَ مَن ألَّفَ في هذا الموضوع مُفتَتِحُه وشارِعُ مِنهاجِه لِمَن جاءَ بعدَه: أبو جَعفَرٍ محمَّدُ بن أبي حاتِمٍ البُخاريُّ النَّحويُّ الوَرَّاقُ، تلميذُ الإمامِ البخاريِّ المُقَرَّبُ، وخادِمُه في السِّرِّ والعَلَانيَةِ، ووَرَّاقُه ومُلَازِمُه في حِلِّه وتَرْحالِه؛ فكانَ بسبب ذلك مَرْجِعَ الناس في معرفة أحوال الإمام البخاريِّ ظاهِراً وباطِناً.
وقد لَقيَ كتابُه «شَمَائِلُ البخاريِّ» القَبُولَ والرَّواجَ عندَ معاصريه فمَن جاءَ بعدَهم، وتناقَلَه الناسُ رِوايةً وتَدَاوَلُوه نَسْخاً، ولَم يَبلُغنا _وبالأَسف نَقُولُ_ من ذلك الكتابِ النَّبيلِ إلَّا طَرَفٌ من النقولِ التي اقتبَسَها العُلَماءُ منه وأودَعوها في طَيَّاتِ مؤلَّفاتِهم، وقد وَصَفَه الإمامُ الذهبيُّ بأنَّه جُزءٌ ضَخْمٌ، وقدَّرَه الحافظُ السَّخَاوِيُّ بأنَّه في نحوِ كرَّاستَين؛ أيْ ما يُقارِبُ ثلاثينَ ورقةً مَخطوطةً.
ثُمَّ تَلَا إلى ذلكَ: الإمامُ الحافظُ أبو سَعْدٍ عَبدُ الكَريم بنُ محمَّدِ بنِ مَنْصُورِ بنِ محمَّدٍ التَّميميُّ السَّمْعانيُّ، المتوَفَّى سنةَ اثنتين وسِتِّينَ وخَمسِ مئةٍ؛ فصنَّف كتابَه الذي سَمَّاه: «بُخَارُ بَخُورِ البُخاريِّ»، وقد وَصَفَ مؤلِّفُه حَجمَه بأنَّه يَقَعُ في عِشرينَ طاقةً؛ أيْ ما يُقارِبُ مِئَتَي ورقةٍ مَخطوطةٍ!
ثمَّ تلَا إلى ذلك: الإمامُ الحافظُ أبو الرَّبيعِ سُلَيمانُ بنُ مُوسى بنِ سالِمِ بنِ حَسَّانَ الحِمْيَرِيُّ الأَندَلُسيُّ البَلَنْسِيُّ، المتوفَّى سنةَ أربعٍ وثلاثينَ وستِّ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتابَه الذي سَمَّاه: «الإِعْلَامُ بأَخْبارِ البُخَارِيِّ الإِمامِ، ومَن بَلَغَت روايَتُه عَنه مِن الأَغْفَالِ والأَعْلَامِ»، وقد وَصَف ابنُ عَبد المَلِك المَراكشيُّ حجمَ هذا الكتابِ بأنَّه كُرَّاسَةٌ كَبيرةٌ.
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: الإمامُ مؤَرِّخُ الإسلام شَمسُ الدِّينِ أبو عَبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ أحمَدَ بنِ عُثْمانَ بن قَايْمَازَ الذَّهبيُّ، المتوفَّى سنةَ ثمانٍ وأربعينَ وسَبْعِ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتابَه الذي سَمَّاه: «مَنَاقِبُ البخاريِّ»، وقد ذَكَرَ هذا الكتابَ في عِدَّةٍ من مؤلَّفاتِه، ووَصَفَه بأنَّه جُزءٌ ضَخمٌ فيه العَجَبُ، وقد لخَّص مادَّتَه وأدخَلَها في ضِمنِ ترجمة الإمام البخاريِّ في كتابه «سِيَر أعلام النُّبَلاء».
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: العَلَّامةُ سِرَاجُ الدِّينِ أبو حَفْصٍ عُمَرُ بنُ عليِّ بنِ أحمدَ الإَنصاريُّ المعروفُ بابنِ المُلَقِّنِ، المتوفَّى سنةَ أربعٍ وثَمانِ مئةٍ؛ فصنَّفَ كتاباً في ترجمة الإمام البخاريِّ، ذكَرَه الحافظُ السَّخَاويُّ.
ثمَّ تَلَا إلى ذلك: العلَّامةُ شَمسُ الدِّينِ أبو عَبدِ اللهِ محمَّدُ بنُ عَبدِ الله بنِ محمَّدِ بن أحمَدَ القَيْسِيُّ المعروفُ بابنِ ناصِرِ الدِّينِ الدِّمَشْقيِّ، المتوفَّى سنةَ اثنتين وأربعين وثَمانِ مئةٍ؛ فصنَّف كتابَه الذي سَمَّاه: «تُحفةُ الأَخْباريِّ بِتَرْجَمة البُخاريِّ».
ثم استقَرَّت نِبَالُ جَعْبَةِ تلك الجهود المتتابِعة في كِنَانَة الحافظ الكِنانيِّ شِهَابِ الدِّينِ أبي الفَضْل أحمَدَ بن عليِّ بن محمَّدٍ ابن حَجَرٍ العَسْقَلَانيِّ، المتوفَّى سنةَ اثنتين وخَمسين وثمانِ مئةٍ؛ فشَدَّ لها قوسَ ذِهنِه ووَتَرَ عَبقريَّته الفَذَّةِ؛ فكانت هذه الرَّميَةُ المسَدَّدةُ.
ولا غَرْوَ أنْ يَغْمِسَ الحافظُ ابنُ حَجَرٍ دَواتَه في خِضَمِّ هذا الأَريج؛ فقد كان مُتْرَعَ الضَّمير من نَسيم ظِلَال اهتمامَين شَخصِيَّين لَطالَما كان مُولَعاً بالعناية بهما؛ ألَا وهما:
[1] . التخصُّصُ التامُّ بعلم الرِّجال وتراجُمِ الأَعلامِ العامَّة والخاصَّة؛ فقد ألَّف عِدَّةَ مؤلَّفاتٍ مَشهورةٍ في هذين المَجالَين، منها:
_ تهذيب تهذيب الكمال، وخلاصتُه: «تقريب التهذيب».
_ ولسان الميزان، وملحقاه: «تحرير اللسان» و«تَقويمه»، وذيلُه.
_ وتَعجيل الَمنفَعة بزوائد رجال الأئمَّة الأَربعة.
_ والإصابة في تَمييز الصحابة.
_ والمَرْحَمة الغَيثيَّة في التَّرجمة الليثيَّة (ترجمة الإمام الليث بن سَعْدٍ).
_ وتَوالي التأْنيس بِمَعالي ابن إدريس (ترجمة الإمام الشافعيِّ).
_ والدُّرَر الكامنة في أَعيان أهل المئة الثامنة، وذَيلُه.
وغيرُها، وهذه الكُتُب كُلُّها معروفةٌ مطبوعةٌ متداوَلةٌ.
[2] . العِنايَةُ الخاصَّةُ بالإمام البخاريِّ؛ فقد كان هذا الإمام نواةً للكثير من مؤلَّفات الحافظ ابن حَجَرٍ، منها:
_ فتح الباري، ومقدِّمته: «هُدَى الساري».
_ وتغليق التعليق، وملخَّصُاه: «التَّشويق» و«التَّوفيق».
_ وبُغية الدَّاري بأَبْدال البخاري، ويسمَّى أيضاً: «عَوالي البخاريِّ».
_ وزوائد «الأدب المفرَد» على الكتب السِّتَّة.
_ والمُهْمَل من شيوخ البخاريِّ.
_ والإِعْلام بمَن ذُكِرَ في «البخاريِّ» من الأَعْلام.
بل يُمكننا الادِّعاءُ بأنَّ اسمَ الحافظِ ابن حَجَرٍ في الأَوساطِ العِلْمية قد ارتَبَطَ ارتباطاً وَثيقاً باسم الإمام البخاريِّ؛ بكَونِه مِن أفضَلِ مَن فَسَّر مُغْلَقاتِ إشاراتِه، ومِن أَدَقِّ مَن بَيَّن مقاصِدَ عباراتِه، وهو أمرٌ معروفٌ عندَ المختصِّين.
والحاصِلُ: أنَّ تأليفَه لكتابٍ في ترجمة الإمام البخاريِّ كان نتيجةً طبيعيةً حتميةً لِخَطِّ سَيْرِه العِلْميِّ، وما كانت الظروفُ التي دَعَت إلى تأليفه للكتاب إلَّا استعجالاً لقَـِطَافِ الثَّمَرة في باكُورَة المَوْسِم لا غَيرَ.
هذا، وقد تتابَعت جهودُ العلماء بعدَ الحافظ ابن حجرٍ في هذا النِّطاق، لكنْ في نَوعٍ من التَّكرارِ الرَّتيبِ من ناحية النصوص المَنقولة خصوصاً، الأمر الذي جَعَلَ إحصاءَ تلك الجهود حَشْداً لا يُجدي المطالِعَ نَفعاً، لم تكن الغايةُ من تَجَدُّده _فيما أُرى_ عِبرَ العصور إلَّا تَرْكَ إشارةِ ذِكْرى مَوَدَّةٍ وتسجيلَ بَصمةِ انتماءٍ على جِذْعِ هذه النَّخلةِ الطيِّبة المَنبَت المبارَكة الظِّلال الدائمة الخُضْرةِ والثِّمَارِ العِلْميَّة، وما عَمَلي في تَحقيق هذا الكتابِ اليومَ إلَّا مُشْقَةٌ مِن ذلك، فنسأل اللهَ تعالى الإِمضاءَ بالقَبولِ!
عنوان الكتاب:
«هِدَايَةُ السَّارِي لِسِيْرَةِ البُخَاري» هو العُنوانُ المُقَيَّدُ على طُرَّة النُّسْخَة الخَطِّيَّة (ق:224/أ)، وهو العُنوانُ المُقَيَّد في آخِرِ الكتاب أيضاً (ق:255/ب).
وكذلك سَمَّى الحافظُ السَّخَاوِيُّ هذا الكِتابَ في جَرْدَةِ مصنَّفات الحافظ ابنِ حَجَرٍ، لكنَّه تَرَدَّدَ في تَحديدِ عُنوانِه؛ فقال: (هُدَى السَّارِي، ويُقَالُ لَهُ: هِدايَةُ السَّارِي لِسِيرة البخاري...) ا ه، فَأُرَى أنَّ الحافظَ ابنَ حَجَرٍ رحمه الله كان قد سَمَّى تَرجَمَةَ الإمام البخاريِّ أوَّلاً بالاسمَين مَعاً، على التردُّد بين «هُدَى السَّارِي» أو: «هِدَاية السَّاري»، وأنَّه قَيَّدَ الاسمَين معاً في نُسخَتِه، ثُمَّ إنَّه لَمَّا أَتَمَّ كِتابةَ مقدِّمة فَتح الباري نَقَلَ اسمَ «هُدَى السَّارِي» إليها، ولم يَعُد لِحَذْفِ الاسم الأوَّلِ في نسختِه الوحيدة؛ لبقائِها عندَ غيرِه مِمَّن سَمِعَها عليه أو لسببٍ ما يُماثِلُه؛ فَصَفَا الاسمُ الثاني (هِداية الساري) لكتاب ترجمة الإمام البخاريِّ، والله أعلم.
فلم يبْقَ _بناءً على ذلك_ مَجالٌ للشكِّ أو الترَدُّدِ في تعيُّن اختيارِ اسمِ الكتاب المقيَّد في آخِرِ الكِتَابِ، ولله الحمدُ.
ولا يشَوِّشُ على هذا الاختيارِ ما كَتَبَه الناسِخُ في طُرَّة النُّسخة المعتمَدة:
مَناقِبُ الإمام البخاريِّ»، أو ما سَمَّاه المؤلِّفُ في بعض كُتُبه _ومِن بَعدِه تلميذُه الحافظُ السَّخَاوِيُّ_ مِراراً بـ «تَرجمة البخاريِّ»؛ فإنَّ ذلكَ صادِرٌ منهم عَلَى إرادة فَحْوَى الكِتاب ومعناه، ولا ريبَ في ذلك عندَ المختَصِّينَ بشؤون ضَبْطِ أسماء المصنَّفات، والله أعلم.
قَضِيَّةُ الكِتَابِ:
في الأُسبُوع الثالث مِن شهر رَمَضانَ المبارَكِ سنةَ خَمْسٍ وثَمَانِ مئةٍ كانَ ثُلَّةٌ من طَلَبة العِلْم على وَشْكِ أنْ يَنتَهُوا من قِراءَة «الجامعِ الصَّحيحِ» للإمام البخاريِّ على شَيخِهم شَمسِ الدِّين ابنِ القَطَّانِ [محمَّدُ بن عليِّ بن محمَّد بن عِيسى بن عُمَرَ السَّمَنُّوْدِيُّ] في مَدْرَسَة البُرْهانِ المَحَلِّيِّ بالقاهِرَةِ، وكان الحافظُ ابنُ حَجَرٍ العَسْقلَانيُّ أَحَدَ الحاضرِينَ لمجالِس السَّماعِ تلك، وكانت العادةُ السائِدةُ في تلك العُصُور أنْ يُقْرأَ في مَجلِسِ خَتْمِ سَمَاعِ الكُتُب الكَبيرةِ كِتابٌ ذو طَبيعةٍ تَعريفيَّةٍ بأهمِّيَّة الكتاب المَسموع ومَكانةِ مؤلِّفه، يَتَنَاوَلُ ذلك الكتابُ في تفاصيلِه الجَوانِبَ الرئيسيَّة المنبِّهة إلى ذلك المقصَد، فيَبدو أنَّ بعضَ الحاضِرينَ _ولعلَّه ابنُ القَطَّان نفسُه_ طَلَبَ إلى الحافظِ ابنِ حَجَرٍ من بابَةِ المَوَدَّةِ أنْ يؤلِّفَ لهم كتاباً لذلك المقصَد لِيَقرَؤُوه عَلَيه في مجلسِ الخَتْمِ المُرْتَقَبِ، ووافَقَ ذلك الطَّلَبُ رَغْبةً رابِضَةً في نَفْس الحافِظِ؛ فأَجابَهم لِذلكَ؛ فَكان هذا الكتابُ.
ولا يَخفى على الباحثِ أنَّ تَحديدَ الدافِع إلى التأليف هو من أهمِّ مَفاتِيح فَهْم قَضِيَّة الكِتابِ؛ وبالتالي فهو الرَّكيزةُ المَرْكَزيَّةُ التي يُؤَسَّس على مراعاتِها هَيكَلُ خِدمَتِه وتحقيقِه.
نَوَاةُ الكِتَابِ وهَيكَلُه:
قد يَتَبادَرُ إلى ذِهْنِ الباحِثِ بادِيَ الرَّأْيِ أنَّ كِتاباً يُؤَلَّفُ بِرَكْضَةِ قَلَمٍ على عُجَالَةِ نَظَرٍ في جُمُعةٍ واحدةٍ لحاجَةٍ مُؤَقَّتةٍ خاصَّةٍ لا يُمْكِنُ أنْ يَكونَ لِمؤَلِّفِه فيه مَنْهَجٌ محَدَّدٌ خاصٌّ خارِجٌ عن الإِطارِ العامِّ للمؤلَّفات المنتَجَةِ سَريعاً من الجَمْعِ المَحْضِ والتَّلخيصِ المُجَرَّدِ والنَّقْلِ الفَطيرِ غيرِ المتأَنِّي؛ بحيثُ يَستَحِقُّ الوقوفَ عندَه وتبيينَ ملَامِحِه للقارئ غيرِ المُختَصِّ.
وهذا غيرُ منطَبِقٍ على «هداية الساري»؛ لأنَّ مؤلِّفَه _في خَطِّه المَنْهَجيِّ العامِّ_ لَم يَكُن من المَيَّالين إلى ذلك الأُسلُوبِ السَّطْحِيِّ في التأليف؛ فهو من العلماء المُوقِنينَ بمسؤوليَّةِ المؤلِّف في إيصال المعلومة الصحيحة إلى القارئ بكلِّ مستوياتِه؛ ولذلك كان من أشْهَر الكُتَّاب الحريصين على بَيَان الخطأِ الواقِعِ في النَّقْل، وتَوضيحِ الزَّلَل الحاصِل في النَّقدِ، وهذه مؤَلَّفاتُه حافِلَةٌ بالانتقادات والاعتراضات والتتبُّعات والاستدراكات بِمَا يُشَكِّلُ أكثَرَ من ثُلُثِ مادَّتِها العِلميةِ!
وقد سَجَّل الحافظُ في مقدِّمتِه لهذا الكتابِ جانباً من مَلَامِح مَنهَجِه في تأليف الكتابِ، واستَقرَأْتُ من خِلَال العَمَل في تحقيق الكِتابِ مَلَامِحَ أُخرى، ويُمكِنُ تَلخيصُ كلِّ ذلك في التالي:
أوَّلاً: الاعتِمادُ على مَجموعةٍ محدَّدةٍ من المصادر لاستِقاء المعلومات المتعلِّقة بتفاصيل حياة الإمام البخاريِّ؛ فقد انتقى الحافظُ الكتُبَ المَرْكَزيَّةَ ذات المَضمونِ الواسِع لذلك الغَرَض، وقد سَمَّى أهمَّها في مقدِّمته وأشارَ إلى نَقلِه من غَيرِها؛ وأهمُّ تلك المصادر المُصَرَّح بأسمائها في الكتاب:
_ شَمائل البخاريِّ، لأبي جَعفرٍ الوَرَّاق.
_ تاريخ نَيْسابُورَ، لأبي عبد الله الحاكم.
_ الإِرشادُ، لأبي يَعْلَى الخَلِيليِّ.
_ تاريخ بُخارَى، لأبي عَبدِ الله الغُنْجَارُ.
_ تاريخ مَدينة السَّلَام (بَغدادَ)، لأبي بكرٍ الخطيبِ البغداديِّ.
_ تاريخ دِمَشقَ، لأبي القاسم ابن عَساكِرَ.
وقد ذَكَر في المقدِّمة أنَّه بَنَى عامَّةَ كتابِه على النصوص التي ينقُلُها من كتاب أبي جعفرٍ الورَّاق متَّخِذاً منه نَواةً لِهَيكَلِ الكتابِ، وساقَ إسنادَه إلى هذا الكتاب في المقدِّمة ووَصَفَه بِمَا يُشعِرُ القارئَ باطِّلاعِه عليه، ولي في كونِه وَقَفَ على هذا الكتاب ورآهُ بعينِه نَظَرٌ، وأُرَى أنَّ ما نقَلَه عنه إنَّما استفادَه من كُتُب الإمام الذهبيِّ ولا سِيَّما «مناقبُ البخاريِّ» و«سِيَر أعلام النبلاء»؛ وسيَجِدُ القارئُ مِصْداقَ ذلك الظنِّ في ثنايا هوامش التحقيق، والله أعلمُ.
كما إنَّ المؤلِّفَ قد نَقلَ كثيراً من النُّصوص من كتاب «تهذيب الأسماء واللغات» للإمام النَّوَويِّ أيضاً دونَ أنْ يُصَرِّحَ باسمه إلَّا في موضِعَين؛ حينَ نقلَ نَصَّ عبارة الإمام النَّوَويِّ.
ثانياً: الاختصارُ في إيرادِ المَعلوماتِ عَلَى حَسْبِ الحاجَةِ إليها، وَعَدَمُ تَكرارِ حِكَاية المَعلومةِ بعَينِها إلَّا نادِراً جِدًّا؛ مراعاةً لِضِيقِ وقتِ المَجلِس المَعقودِ لإِسماع الكِتابِ، وتَجَنُّباً لدَبيبِ المَلَلِ إلى نُفُوسِ الحاضِرينَ فيهِ، وانسِياقاً لضُغوطِ انشِغالِ المؤلِّف نفسِه بتصنيفِ كتُبٍ هي أهَمُّ مكانةً في نَظَرِه؛ لأنَّه قصَدَ إلى تأليفِها بدافعٍ ذاتيٍّ لا خارجيٍّ.
ويَشْمَلُ ذلكَ الاختصارُ عَدَمَ ذِكْرِ المؤلِّفِ أسانيدَه إلى مَصادِرِ مَعلوماتِه المنقولَة عندَ سِياقِها إلَّا نادراً، كَمَا اشتَرَطَ على نَفسِه ذلك في المقدِّمة.
ويلتَحِقُ بذلك الاختِصارِ: التصرُّفُ في نَقْل العِبَاراتِ، وتَلخيصُ تَفاصِيلِ الحكاياتِ المَرْوِيَّة، الأَمرُ الذي قَد يَصِلُ أحياناً إلى حَدٍّ مُجْحِفٍ؛ يُخِلُّ بمَقصودِ المَنقولِ، ويُشَوِّشُ عَلَى المُطالِعِ إدراكَ الفائدةِ المَطلوبةِ من إيرادِه.
ثالثاً: تَقسيمُ تفاصيلِ حياة الإمام البخاريِّ إلى فُصُولٍ مستقلَّة المباحِث، بَلَغَت اثنَيْ عشر فَصلاً، وهذا أسلوبٌ دَرَج عليه النَّاسُ قَديماً وحَديثاً، والمُرادُ منه تَشكِيلُ الصُّوَر المَقْطَعيَّة تامَّةً في ذِهْن القارئ بالتتبُّع لِمَراحِل تطوُّر شَخصيَّة المُتَرْجَم له؛ لتتكامل عندَه بالتالي الصُّورة العامَّةُ لِحياة صاحِب التَّرْجمة؛ الشأْنُ الذي يُتِيحُ للباحث إمكانيَّةَ تَحليل مكوِّنات تلك الشخصيَّة؛ فيستَشِفُّ من خِلَال ذلك التحليل مقوِّمات المنهَجِيَّة العِلْميَّة لديه.
رابعاً: التَّعليقُ على المَعلومات المَنقولَة وتَبيينُ غَريبِ ما يَرِدُ فيها من ألفاظ وضَبطِها ضَبطاً تفصيليًّا دَقيقاً، على عادته في كُلِّ مؤلَّفاتِه.
ويَندَرِجُ في ضِمْنِ ذلكَ:
التَّرْكيزُ عَلَى المَباحِثِ العِلْمية المهمَّة، وخصوصاً منها ما له تعلُّقٌ مباشِرٌ بِمُلَابَسات ودَوَافِع تأليف الكِتاب؛ فقد أَفْرَد المؤلِّفُ فَصلَين مستقلَّين (الثامن والتاسع) لبَيان سَبب تأليف الإمام البخاريِّ لكتابه «الجامع الصحيح»، ولِبَيان شَرْطِه فيه.
ويَلتَحِقُ بذلك: الاستِطرادُ في بعض المواضيع التي لها ارتِباطٌ وَثيقٌ بِأحوال الحاضرين لِسَماع الكتاب؛ فقد توسَّع المؤلِّف في بيان أسباب عَدَم رواية الإمام البخاريِّ في «صحيحه» حديثاً من طريقِ الإمام الشافعيِّ؛ وذلك لكون الحاضرين كلِّهم من أتباع مَذهَبِه.
قِيْمَة الكِتَابِ:
تَكْمُنُ القيمةُ العِلْميةُ لكلِّ كتابٍ في اشتمالِه على أحَدِ أمرَين أو كِلَيهما:
الأوَّل: نُدْرةُ النُّصوص المنقولَةِ.
والثاني: دِقَّة البُحوثِ المَطروحة.
وهذا الكتابُ _برَغْم كونِه غيرَ محَرَّرٍ كَمَا يَنْبَغي عَلَى حَدِّ وَصْفِ مؤلِّفُه_ قد اشتَمَلَ على هذين الأمرَين معاً:
فَقَد انفَرَدَ بتسجيل نصوصٍ _على قِلَّتِها_ لَم تُذْكَر في المراجع الأُخرى ذات العِلاقَة بالموضوع.
وقد طَرَحَ المؤلِّفُ في ثَناياه بُحوثاً قَيِّمَةً، وبَسَطَ فيها قِمَاشَةَ النِّقاش بِمَا لا يوجَدُ تَفصيلُه في مُؤَلَّفاتِه الأُخرى.
وقد كانَ هذا الكتابُ هو السَّدِيمَ الذي اتَّكأَ عليه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ لإعادة صِياغَة تَرجمة الإمام البخاريِّ التي أَودَعَها في آخِر كِتابَيه «تَغليق التَّعليق» و«مقدِّمة فَتح الباري»، واستَخلَصَ منه ما زادَه من معلوماتٍ في «تهذيب التهذيب» على ما سَجَّلَه الحافظُ المِزِّيُّ في ترجمة الإمام البخاريِّ في أصلِه «تهذيب الكمال»؛ فاكتَسَبَ كتابُنا هذا بذلك لَدَى الباحثين بُعداً ثالِثاً؛ حيثُ يُمكِنُ من خِلَالِ المقارَنَة بينَ النَّقلَين التعرُّفُ عَلَى مَدَى التطوُّرِ العَلْميِّ والنُّضوجِ الفِكْرِيِّ للمؤلِّفِ.
ولا يَفُوتُ الباحثَ وهو يُقيِّمُ هذا الكتابَ أنَّ الحافظَ ابنَ حجَرٍ ألَّفَه وهو في أوائل أطوارِه التألِيفيَّة؛ لَم يستَقِم عُودُه على سُوقِه بَعدُ، ولم تستَقِلَّ مَلَكتُه برأسِها، وكان حينئذٍ ما يزالُ أسيرَ وَلَعِه بالأئمة الكِبارِ الذين غَطَّى ظِلُّ عبقريَّتِهم حاجِبَ الشَّمسِ على الطلَّاب في تلك العصور، فلا ينبغي والحالةُ هذه أنْ يُحاكَمَ المؤلِّفُ إلى مكانته العِلْمية الرَّفيعة التي استقَرَّ عليها في أواخِرِ أيامه.
وقد عرف الحافظُ ابنُ حَجَرٍ هذا من نفسِه جَيِّداً؛ فلذلك أَهْمَلَ نوعاً ما هذا الكتابَ إهمالاً متعَمَّداً؛ فلَم يُقْرِئْه أو يُسمِعه لطُلَّابه _بعدَ أنْ قُرِئَ عليه في مجلس خَتم «الصحيح» عندَ شيخِه الشَّمسِ ابن القَطَّان سنةَ خمسٍ وثَمانِ مئةٍ_ عَلَى امتِدادِ سَبْعٍ وأربعينَ سَنةً، بل إنَّ الحافظَ السَّخَاوِيَّ _وهو أخَصُّ طُلَّاب ابن حَجَرٍ به وأعلَمُهم بشؤونه الشَّخْصيَّة والعِلميَّة_ قال وهو يتحدَّث عن «هِداية الساري»: (صَنَّفَها قَديماً في سَنةِ خَمسٍ وثَمانِ مئةٍ)، وقال في موضعٍ آخَرَ: (وَجدتُها بخَطِّه... حدَّث بها قَديماً في سنةِ خمسٍ وثَمانِ مئةٍ)، وعِبارتُه مُوحِيَةٌ بالإهمال الذي نَبَّهنا إليه آنِفاً، والله أعلم.
بل إنَّ مَجلِسَ السَّماعِ الوحيدَ الذي عُقِدَ لقراءة هذا الكتاب إنَّما كان مُشتَمِلاً على مَجمُوعةٍ من شيوخِ المؤلِّف وأصدقائِه في جَلْسةٍ وِدِّيَّةٍ، ولم يَكُن مَجلِساً عامًّا أو حافِلاً؛ فلذلك وُلِدَ هذا الكتاب مَوؤُوداً من أصلِه عندَ مؤلِّفه، ولكنَّ الله تعالى أرادَ لهُ غيرَ ذلك، واللهُ غالِبٌ على أَمرِه!
وبِسَببٍ من ذلك كُلِّه _ولا رَيبَ_ لَم تَذْكُر فهارِسُ المخطوطات على رَحَابَتِها لهذا الكِتابِ عَيْناً ولا أَثَراً؛ وذلك لانعِدام نُسَخِه من زَمَنِ مؤلِّفِه، والله أعلمُ.
وليس المُرادُ من هذا التقريرِ التقليلَ من شأْن «هِداية الساري»، وإنَّما الغايةُ أنْ تَكونَ صُورةُ الكِتابِ مُجَسَّمَةً بحَجْمِها الطبيعيِّ الحقيقيِّ في ذِهْنِ المُطالِعِ؛ فيعرِفَ بذلكَ المكانةَ اللائِقةَ للكتابِ التي ينبغي أنْ يُوضَعَ فيها؛ كمَرجعٍ في تفَهُّمِ مادَّةِ موضوعِه، وكدليلٍ في تَقيِيم مَكَانةِ واضِعِه.
حول المؤلف : 1 - اسمه ونسبه:
أحمد بن علي بن محمد الكِنَانِي العسقلاني المصري أبو الفضل شهاب الدين المعروف بابن حجر.
أما الكِنَانِي: فنسبة إلى قبيلة كنانة، والعسقلاني نسبة إلى عسقلان مدينة بفلسطين، وحجر اسم لبعض أجداده.
2 - مولده ونشأته:
ولد ابن حجر رحمه الله سنة ثلاث وسبعين على شاطئ النيل بمصر القديمة، ونشأ يتيماً إذ مات أبوه في رجب سنة سبع وسبعين وسبعمائة.
وماتت أمه قبل ذلك وهو طفل. وكان أبوه قد أوصى به إلى رجلين ممن كانت بينه وبينهم مودة هما:
زكي الدين أبو بكر الخروبي ( ت: 787 هـ ) وكان تاجراً كبيراً بمصر.
وثانيهما شمس الدين ابن القطان ( ت: 813 هـ ).
فنشأ في كنف الوصاية في غاية العفة والصيانة، وقد أخذه زكي الدين الخروبي معه أثناء مجاورته في مكة وظل يرعاه إلى توفي رحمه الله سنة ( 787 هـ ). وتركه وكان قد حفظ القرآن، وصلى بالناس التراويح في المسجد الحرام سنة ( 785 هـ ) وحفظ عمدة الأحكام والحاوي الصغير للقزويني ومختصر ابن الحاجب وغيرها.
ثم حبب إليه الحديث فأقبل عليه بكليته وأخذه عن مشايخ عصره ولازم العراقي عشر سنين وتخرج به وانتفع منه.
رحل في طلب العلم فجال في مصر والشام والحجاز واليمن والتقى بعدد كبير من العلماء في هذه البلدات، وحمل عنهم شيئاً كثيراً.
3 - شيوخه:
ترجم ابن حجر رحمه الله لشيوخه في كتابين:
1 - المجمع المؤسس للمعجم المفهرس
2 - المعجم المفهرس وكلاهما مطبوع.
كما اهتم السخاوي رحمه الله في كتابه: الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر بذكر شيوخ ابن حجر رحمه الله، إذ بلغ عدد شيوخه أكثر من ستمائة شيخ ومن أهم هؤلاء:
1 - الحافظ أبو الفضل زين الدين عبد الرحمن بن الحسين العراقي حافظ عصره ( ت: 806 هـ ).
2 - الحافظ أبو حفص سراج الدين عُمَر بن رسلان البُلقيي ( ت: 805 هـ ).
3 - الفقيه المحدث عُمَر بن علي بن أحمد الأنصاري المصري المعروف بابن الملقن ( ت: 804 هـ ).
4 - الفقيه الأصولي عز الدين محمد بن أبي بكر بن عبد العزيز بن جماعة الكِنَانِي المعروف بابن جماعة.
أما تلامذته فمن أشهرهم:
1 - الفقيه زكريا الأنصاري الأصولي ( ت: 926 هـ ).
2 - المحدث السخاوي محمد بن عبد الرحمن القاهري ( ت: 901 هـ ).
3 - محمد بن محمد بن فهد المحدث الفاهم ( ت: 871 هـ ).
4 - مؤلفاته:
جال ابن حجر رحمه الله بقلمه في كل مجال من مجالات العلوم الإسلامية والعربية، وقدَّم خدمات عظيمة للأمة الإسلامية. وما من علم من العلوم إلا لابن حجر رحمه الله مصنف فيه. وقد أحصى الأستاذ شاكر عبد المنعم في رسالته للدكتوراه التي هي بعنوان ( الحافظ ابن حجر ودراسة مصنفاته ) / 282 / مصنفاً لابن حجر. لكن أشهرها:
1 - فتح الباري بشرح صحيح البخاري.
2 - إتحاف المهرة بأطراف العشرة وهي أطراف الموطأ ومسند الشافعي ومسند أحمد ومسند الدارمي وصحيح ابن خزيمة - ما وقع له منه - والمنتقى لابن الجارود وصحيح ابن حبان ومستخرج أبي عوانة ومستدرك الحاكم وشرح معاني الآثار للطحاوي وسنن الدارقطني.
3 - الإصابة في تمييز الصحابة.
4 - تهذيب التهذيب.
5 - تبصير المنتبه وتحرير المشتبه: حرر فيه كتاب الذهبي واستدرك عليه.
6 - لسان الميزان: يشتمل على التراجم التي وردت في ميزان الاعتدال وليست في تهذيب الكمال مع إضافات وفوائد.
5 - أقوال العلماء فيه:
قال فيه شيخه سراج الدين البلقيني في تقريظ تغليق التعليق: جَمْعُ الشيخ الحافظ المحدث المتقن المحقق شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن الفقير إلى الله الفاضل نور الدين الشهير بابن حجر.
وقال السخاوي: وبلغني عن شيخنا أبي العباس الحناوي قال: كنت أكتب الإملاء عن شيخنا العراقي فإذا جاء ابن حجر ارتج له المجلس وعند عرض الإملاء قلَّ أن يخلو من إصلاح يفيده ابن حجر.
6 - وفاته:
استمر ابن حجر رحمه الله بإفادة تلامذته إلى قبل وفاته حين لازمه المرض حتى أقعده وأقلّ حركته فوافاه الموت بعد ذلك سنة ( 852 هـ ) ليلة السبت في الثامن من ذي الحجة. ومال السخاوي إلى أن الذي كان بشيخه هو الطاعون.

عملنا : انتسخ الكتاب على الطريقة الإملائية الحديثة، ورَمَّم المحقق الفراغاتِ التي وَقَعت في الأصل المعتَمَد:
أمَّا ما يتعلَّق بكلام الحافظ ابن حَجَرٍ ؛ فبالرجوع إلى آراءه المشابهة والموافِقة في مصنَّفاتِه الأخرى، أو بتقديرها إنْ لَم يوجَد ما يشابهُها بحسبِ ما يوافِق سِياقَ العِبارة.
وأمَّا ما يتعلَّق بالنصوص المنقولة ؛ فبالرجوع إلى ما نقله المؤلف منه في مصنفاته الأخرى وخصوصاً « تغليق التعليق » و« مقدمة فتح الباري » و« تهذيب التهذيب »، أو بالرجوع إلى مصادر الرواية التي اعتمَدها المؤلف في نَقْلِه.
وكذلك أصلَحتُ التصحيفات والتحريفات والأخطاء وزلَّات القَلَم التي وقعت في الأصل الخَطِّيِّ باعتماد الآلية نفسِها.
وقد نَبَّهتُ إلى تَفاصيلِ ذلك كلِّه في الهامش ؛ ليكونَ المطالِعُ على اطِّلاعٍ تامٍّ لطَبيعة حال النُّسخة الخَطِّية ومعرفةٍ أكيدةٍ لقيمتها الحقيقية.