عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع

في بيان المراد بكلمة أبي علي في تفضيل مسلم

[ في بيان المراد بكلمة أبي علي في تفضيل مسلم، والمفاضلة بين الصحيحين ]
وأمَّا ما قالَهُ أبو عليٍّ النَّيسابورِيُّ [1] الحافظُ المفهِمُ؛ منْ أنَّهُ ما تحتَ أديمِ السَّماءِ في الحديثِ أصحُّ من كتابِ مسلمٍ [2] ، فلا يستلزِمُ الحكمَ لكتابِ مسلمٍ على كتابِ البخاريِّ بالأصحيَّةِ، وإنْ لم ينفِ الاستواءَ في الأفضليَّةِ، للفرقِ بين قولِنا: فلانٌ أعلمُ أهلِ البلدِ [3] بالأثرِ، و: ما في بلدِ فلانٍ أعلمُ منهُ بالخَبَرِ؛ لأنَّه في الأوَّلِ أثبتَ لهُ الأعلميَّةَ، وفي الثَّاني نفى أنْ يكونَ في البلدِ أحدٌ أعلمَ منهُ، مع تجويزِ وجودِ المِثْلِيَّةِ [4].
وقد قالَ ابنُ القطَّاعِ [5] [رحمهُ اللهُ] في ((شرحِ ديوانِ المتنبِّي)): ذهبَ مَن لا يعرفُ معانيَ الكلامِ إلى أنَّ مثلَ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: «ما أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ وَلَا أَظَلَّتِ الخَضْراءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» [6] ، مُقْتَضاهُ أنْ يَكونَ أبو ذرٍّ أصدقَ العالمِ أجمعَ          ، قالَ: وليسَ المعنى كذلكَ! وإنَّما نفى أنْ يكونَ أحدٌ أعلى رتبةً في الصِّدقِ منهُ، ولم يَنفِ أنْ يكونَ في النَّاسِ مثلَهُ في الصِّدقِ، ولو أرادَ ما ذهبوا إليهِ لقالَ: أبو ذرٍّ أصدقُ مِنْ كلٍّ مَنْ أقلَّتِ الغبراءُ وأظلَّتِ الخضراءُ. انتهى [7].
وعلى كلِّ حالٍ فالمعتَمدُ ترجيحُ ((صحيحِ البخاريِّ))، ولذا [8] قالَ قطبُ زمانِهِ، ومنَقِّحُ المذهبِ أبو زكريَّا النَّوويُّ [رحمَهُ اللهِ]: (اتَّفقَ الجمهورُ على أنَّ ((صحيحَ البخاريِّ)) أصحُّهُما صحيحًا، وأكثرُهما فوائدَ [وترجيحًا] ).
قالَ شيخُنا رحمهُ اللهُ [حافظُ العصرِ الشَّيخُ شهابُ الدِّينِ ابنُ حجرٍ تغمَّدَهُ اللهُ برحمتِهِ]: وممَّا يترجَّحُ به كتابُ البخاريِّ: اشتراطُهُ اللُّقِيَّ في الإسنادِ المُعَنْعَنِ، وهوَ رأيُ شيخِهِ عليِّ ابنِ المدينيِّ، وعليهِ استقرَّ عملُ المحقِّقينَ منْ أهلِ الحديثِ. ومسلمٌ رحمهُ اللهُ قدْ ذكرَ في خطبةِ كتابِهِ أنَّه يَكتفي بإمكانِ اللُّقيِّ وبالمعاصرَةِ، ونقلَ فيهِ الإجماعَ، وهو منتقَضٌ عليهِ، وزعمَ أنَّ الَّذي اشترطَ اللُّقيَّ اخترعَ شيئًا لم يوافِقْهُ عليهِ أحدٌ! وليسَ كذلكَ بل هوَ المتعيِّنُ، ومنهُ يظهرُ أنَّ شرطَ أبي عبدِ اللهِ أضيقُ منْ شرطِ أبي الحُسَينِ، فلذا كانَ كتابُهُ أقوى تحريًّا، وأشدَّ اتِّصالًا.
وتكفينا شهادةُ أبي الحسنِ الدَّارَقُطْنِيِّ
ص4
أحدِ أئمَّةِ الحفظِ والحِجا [9]: (لولا البخاريُّ لما راحَ مسلمٌ ولا جا).


[1] هو: الحسين بن علي بن يزيد (277-349هـ) علَّامة ثبت ناقد، من أعلم أهل عصره باختلاف الحديث وطرقه. انظر: «تاريخ بغداد» 8/622(1403)، و«طبقات علماء الحديث» لابن عبد الهادي (839)، و«سير أعلام النبلاء» (16/51). والعجب من سهو محقِّق هذا الكتاب رضوان جامع رضوان إذ ترجم لأبي عليٍّ (ص: 43) من طبعته بقوله: «وأبو عليٍّ النَّيسابوريُّ هو شيخ الإمام النَّوويِّ وانظر في مقولته هذه في مقدِّمتنا لشرح النَّوويِّ على مسلم» فتأمَّل!!!.
[2] رواه عنه الحافظ أبو عبد الله ابن منده في «شروط الأئمة» (ص: 71-72)، ومن طريقه رواه الخطيب البغداديُّ في «تاريخ بغداد» (13/101)، وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق» (14/274)، وانظر: «علوم الحديث» لابن الصَّلاح (ص: 18)، و«تذكرة الحفَّاظ» للذَّهبيِّ (3/904)، و«هدي السَّاري» (ص: 12)، وفي الأخير تنقيحٌ للمسألة يشبه أن يكون السَّخاويُّ اقتبسه منه.
[3] في (ب) و(س): بلده.
[4] انظر توضيحَ وتوجيه كلمة النيسابوري عند الحافظ ابن حجر في «هدي الساري» (ص: 12)، و«هداية الساري» (ص: 135)، وأنَّ هذا لا يعني أصحيَّة كتاب مسلمٍ على كتاب البخاريِّ، وبيَّن الحافظ ابن حجر أنَّ كلام أبي عليٍّ محتملٌ لكِلا الأمرين، ولا يحسن أن يُنسب إليه الجزم بالأصحية كما فعل النَّوويُّ رحمه الله.
[5] هو: العلَّامة، شيخ اللُّغة، عليُّ بن جعفر بن علي السَّعديُّ، أبو القاسم الصِّقلِّيُّ، ابن القطَّاع، نزيل مصر (433-514هـ)، له عدَّة مصنَّفات منها كتاب: «الأفعال»، و«أبنية الأسماء» وغيرها. انظر: «معجم الأدباء» 4/1669(729)، و«إنباه الرواة على أنباه النحاة» (2/236)، و«سير أعلام النبلاء» (19/433)، وشرحه لديوان المتنبِّي مخطوطٌ في دار الكتب المصرية، برقم: (56107).
[6] أخرجه الترمذيُّ في «سننه»، كتاب: المناقب، باب: مناقب أبي ذر (4135) وحسنَّه، ورواه الإمام أحمد (2/175)، وابن ماجه (156)، والحاكم في «المستدرك» (5461) وغيرهم، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأخرجه الترمذيُّ أيضًا (4136) وقال: «حسن غريب»، وابن حبَّان (16/76) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، وفي الباب أيضًا عن عليٍّ وأبي الدرداء وغيرهم.
[7] نقل قوله المصنِّف في «فتح المغيث» (1/43).
[8] في (س): وكذا.
[9] الحِجَا: أي: العقل والفطنة، والجمع: أحجاء. انظر: «المحكم» لابن سِيْدَه (3/459)، مادة (حجو).