عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع

المقدمة

[المقدمة]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، حَمْدًا يليقُ بجلالِ وجههِ وعظيمِ سلطانِهِ القديمِ.
والحمدُ للهِ منشئِ الخلائقِ أجمعينَ، والسَّمواتِ والأرَضينَ، حمدًا يستوعبُ شكرَ فضلِهِ العميمِ.
والحمدُ للهِ الَّذي أرشدَ لحمدِهِ وتنزيهِهِ عبادَهُ الموحِّدينَ، ويُثقِّلُ [1] بذلك موازينَهُم، فيا فوزَ المخلِصينَ، ومنْ هوَ في الطَّاعةِ مقيمُ.
والحمدُ للهِ الَّذي أنزلَ على عبدِهِ الكتابَ المبينَ، تبيانًا لكلِّ شيءٍ وهدىً ورحمةً وبشرىً للمسلمينَ، وكانَ نزولُهُ في [مثلِ] هذا الشَّهرِ العظيمِ [2].
والحمدُ للهِ الَّذي لا إلهَ إلَّا هوَ بالقطعِ واليقينِ؛ لا شريكَ لهُ، ولا مدبِّرَ معهُ، ولا ناصرَ ولا معينَ، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البصير [3] } [الشورى: 11] ، [العليُّ العظيمُ].
والحمدُ للهِ الموصوفِ بكلِّ [4] كمالٍ، وأنَّه استوى على العرشِ منْ غيرِ كيفٍ ولا تعيينٍ، وأنَّه مُنزَّهٌ عن صفاتِ النَّقصِ والحدوثِ، وسائرِ أوصافِ المخلوقينَ، فهو مولانا وبنا رؤوفٌ رحيمٌ.
فسبحانَ اللهِ حينَ المساءِ والصَّباحِ، والحمدُ للهِ حتَّى يُقالَ: حيَّ على الفلاحِ، ونأمنَ [5] منَ المخاوفِ والتَّهويلِ.
وسبحانَ اللهِ عددَ خلقِهِ، مقِرًَّا بعبوديَّتِهِ ورقِّهِ [6] ، معترفًا بالعجزِ عن شكرِ ما أولانا مِن جميلٍ.
وسبحانَ اللهِ رضا نفسِهِ؛ راجيًا بلوغ مرتبةِ ذاكرِه في يومِهِ وأمسِهِ، موقنًا بأنَّهُ لا ضِدَّ لهُ، ولا معاندَ ولا مثيلَ.
وسبحانَ اللهِ زِنَةَ عرشهِ، مستغفرًا لما يبدو منَ [7] القولِ مِن فُحشِهِ، مؤمِّلًا القَبولَ فهو حسبي ونعمَ الوكيلُ.
وسبحانَ اللهِ مدادَ [8] كلماتِه، سائلًا منهُ غفرانَه ومزيدَ صِلاتِهِ، ملتمسًا اتِّباعَ السُّنَّةِ والاقتداءَ بالتَّنزيلِ.
وسبحانَ اللهِ، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أكبرُ؛ عددَ ذنوبِنا الجمَّةِ، حتَّى تُمحى وتُغفرَ، ونحظى [9] بفضلِ التَّسبيحِ والتَّهليلِ.
أحمَدُهُ [سبحانه] على ما منَّ بهِ مِن تلاوةِ حديثِ رسولِهِ،
ص1
والاعتناءِ بأصحِّ ما صُنِّفَ في ذلك مِن منقولِهِ، لا سيَّما في هذهِ الأيامِ الشَّريفةِ [10].
وأشكرُهُ ليتفضَّلَ عليَّ في هذا العملِ بقَبولِهِ، ويبلِّغَ كلًّا منَّا نهايةَ مأمولِهِ، ويجعلَ النِّيَّةَ فيهِ بالإخلاصِ محفوفةً.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وحدَهُ لا شريكَ لهُ، الأوَّلُ الآخِرُ، المقتدِرُ القادرُ، مصرِّفُ الأيَّامِ والشُّهورِ، وأشهدُ أنَّ سيدَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الفاتِحُ الخاتَمُ، العاملُ العالِمُ، ذو الشَّفاعةِ العُظمى، والفخرِ المأثورِ.
اللَّهمَّ صلِّ عليهِ في الأوَّلينَ، وصلِّ عليهِ في الآخِرينَ، وصلِّ عليهِ في الملأِ الأعلى إلى يومِ الدِّينِ، وصلِّ عليهِ كلَّما ذكرَكَ الذَّاكرونَ، وصلِّ عليهِ كلَّما غفلَ عن ذكركَ الغافلونَ، وصلِّ عليهِ في اللَّيلِ إذا يغشى، والنَّهارِ إذا تجلَّى، وصلِّ عليهِ في الآخِرةِ والأُولى، وصلِّ على أزواجِهِ وذرِّيَّتِهِ وآلِ بيتِهِ وأنصارِهِ وأصحابِهِ وأمَّتِهِ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ في العالَمِينَ، وصلِّ على سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ، وآتِهِ الوسيلةَ، والفضلَ والفضيلةَ، والدَّرجةَ الرَّفيعةَ العالِيَةَ، وأبلغْهُ مأمولَهُ فهوَ سيِّدُ المرسَلينَ، وإمامُ المتَّقينَ، ورسولُ ربِّ العالمينَ، وخاتَمُ النَّبيِّينَ، وقائدُ الغُرِّ المحجَّلِينَ، الشَّاهدُ البشيرُ، الدَّاعي إلى الله بإذنِهِ، السِّراجُ المنيرُ صلى الله عليه وسلم، وشرِّف وكرِّم، ما خُتِم كتابٌ، وأمطرَ سحابٌ.
ورضي الله عن ساداتِنا أصحابِ رسولِ اللهِ أجمعينَ، المهتَمِّينَ بنشرِ آثارِهِ في العالمينَ، والمؤيَّدينَ بالنَّصرِ والبراهينِ، والقامعينَ لأهلِ الشِّركِ والمبتدِعينَ.
ورضيَ اللهُ عن التَّابعينَ لطريقِهِم، والمجتهدينَ في تحقيقِهِم، لا سيِّما الإمامَ المجتهدَ العظيمَ الشَّأنِ المدعو أبا حنيفةَ، والمسمَّى النُّعمانَ، ومن تبعَهُم منَ الأعلامِ، القائمينَ بوظيفتَيِ التَّبليغِ والإعلامِ، لا سيَّما المجتهدَ النَّاسكَ إمامَ دارِ الهجرةِ مالكَ، والسَّالكين إثْرَهمْ ممَّنْ رفعَ اللهُ قدرَهُمْ، لا سيَّما المجتهدَ النَّفيسَ الإمامَ محمَّدَ بنَ إدريسٍ، أوحدَ الأئمَّةِ، وعالِمَ قريشٍ منْ هذهِ الأمَّةِ، والمجتهدَ المبجَّلَ شيخَ السُّنَّةِ أحمدَ بنَ حنبلٍ.
وناصرَ السُّنَّةِ أوَّلَ منْ صنَّفَ الصَّحيحَ وسنَّهُ، محمَّدَ بنَ إسماعيلَ؛ المستغنيَ باستفاضةِ مناقبِهِ عن إقامةِ البرهانِ والدَّليلِ، ومعَ
ص2
ذلك فقدْ أفردَ النُّقَّادُ خصائصَهُ ومناقبَهُ، وجمعوا مآثرَهُ ومَقَانِبَهُ [11].
كانَ _ رحمهُ اللهُ _ في الورَعِ بغايةٍ لا يَرى الرَّائي لهُ فيهِ شِبْهَهُ، بحيثُ قالَ عندَ موتِهِ: (لا أعلمُ في مالي درهمًا فيهِ شُبهَة). [12]
وامتنعَ من الاستعانةِ بكتابِ أميرِ بلدِهِ الوجيهِ، في خلاصِ حقٍّ كبيرٍ لهُ، خشيةً من طمعِ الأميرِ لذلكَ فيهِ.
وتحامى تولِّيَ الشِّراءِ والبيعِ فيما قلَّ أن يَستغنيَ عنه الإنسانُ، لما فيهِ من التَّخليطِ بالزِّيادةِ والنُّقصانِ.
ونوى إعطاءَ بضاعةٍ لتجَّارٍ سألوهُ فيها بربحٍ معيِّنٍ، ثمَّ حضرَ إليهِ غيرُهُمْ بزيادةٍ كبيرةٍ، فما انثنى عمَّا كانَ نواهُ، معَ أنَّهُ لم يكنْ لَه بيَّن [13].
وقالَ على سبيلِ التَّحدُّثِ بالنِّعمةِ: (إنِّي لَأَرجو أن ألقى اللهَ ولا يحاسِبَني أنِّي اغتبت أحدًا من الأمَّةِ).
ولَسَعَهُ زُنبورٌ وهوَ في صلاتِهِ سبعَ عشرَةَ مرَّةً، فلم يُبطِلْها، ولشدَّةِ الخشوعِ فيها ما تأوَّهَ.
ورفعَ إنسانٌ منْ لحيتِهِ _ رضيَ اللهُ عنهُ _ قذاةً وطرحَها في أرضِ المسجِدِ _ وهوَ ينظرُ إليهِ _، فلا زالَ يلحَظُ النَّاسَ حتَّى غَفَلوا عنهُ، فأخذَها وأدخلَها في كمِّهِ، فلمَّا خرجَ طرحَها في الأرضِ [14] ، صونًا للمسجدِ عمَّا يُنَزِّهُ شَعَرَ لحيتِهِ عن استمرارِهِ عليهِ [15].
وكانَ قليلَ الكلامِ فيما لا يعنيهِ، تاركًا للطَّمعِ، غير مشتغلٍ [16] بأمورِ النَّاسِ، بل إذا فرغَ منَ التَّحديثِ [17] أو التَّصنيفِ قامَ فركعَ.
ومن شعرِهِ [رحمةُ اللهِ عليهِ]:
~اغْتَنِمْ في الفَرَاغِ فَضْلَ رُكُوعٍ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مَوْتُكَ بَغْتَةْ
~كَمْ صَحِيحٍ رَأَيْتَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ ذَهَبَتْ نَفْسُهُ الصَّحِيحَةُ فَلْتَةْ [18].
[رُوِيَ عَنْهُ رضي الله عنه أنَّهُ كانُ يختمُ في شهرِ رمضانَ في النَّهارِ في كلِّ يومٍ ختمةً، ويقومُ بعدَ التَّراويحِ كلَّ ثلاثِ ليالٍ بختمةٍ].
وهيَ _ أي مناقبُهُ _ منقسمةٌ إلى: حفظٍ ودرايةٍ، واجتهادٍ في التَّحصيلِ وروايةٍ، ونُسُكٍ وإفادةٍ، وورعٍ وزهادةٍ، وتحقيقٍ وإتقانٍ، وتمكُّنٍ وعرفانٍ، وأحوالٍ وكراماتٍ، وغيرِها من أنواعِ المكرُماتِ.
ولله درُّه في ((جامِعِهِ)) الذي أبدعَ فيه، وجعلَهُ حُجَّةً واعتمادًا للمحدِّثِ والفقيهِ. وتصدَّى للاقتباسِ من أنوارِ الكتابِ، والسُّنَّةِ البهيَّةِ الصَّحيحةِ الانتسابِ؛ تقريرًا واستنباطًا، وكرعَ في مناهلِهِما الرَّويَّةِ انتزاعًا وانتشاطًا.
ورُزِقَ بِحُسنِ نيَّتِهِ السَّعادةَ فيما
ص3
جَمَعَ، ونَطَقَ فيهِ بالحَقِّ وصدعَ، حتَّى أذعنَ لهُ المخالِفُ والموافِقُ، وتلقَّى كلامَهُ في الصَّحيحِ بالتَّسليمِ المطاوِعُ والمفارِقُ.
ورُجِّحَ كتابُه على غيرِه من الكتبِ بعدَ كتابِ اللهِ، وتحرَّكَت بالثَّناءِ عليهِ الألسنُ والشِّفاهُ.


[1] في (ب): وثقَّل.
[2] فيه دلالةٌ على أنَّ الإمام السَّخاويَّ ألَّف هذا الكتاب في شهر القرآن العظيم؛ شهر رمضان المبارك.
[3] في الأصل: (وهو السَّميع العليم)، وهو سبق قلم.
[4] في (ب): بصفات الكمال.
[5] في (ط): ويأمن.
[6] من هنا تبدأ نسخة الببليسي التي وقفت عليها، وسأعزو إليها برمز (س).
[7] في (ب) و(س): في القول.
[8] في (ط): مدد. والمثبت من (ب) و(س).
[9] في (ط): وتحصى. والمثبت من (ب)، و(س).
[10] يقصد أيام شهر رمضان المبارك كما أشرتُ إلى ذلك في المقدِّمة، وكان من عادة العلماء أن يقرؤوا الصَّحيح في رجب وشعبان ويختمونه في رمضان، وكانت هذه العادة منتشرةً في معظم بلاد المسلمين، وما زال علماء الشَّام واليمن والمغرب يعملون بها إلى وقتٍ قريب.
[11] في حاشية الأصل: «كأنَّه تقريبًا من المحاسن». مقانبه: جمع مِقْنَب، وله معانٍ عدَّة، ولعلَّ المقصود منها فروسيَّته وتفرُّده في هذا الشَّأن، قال عمرُ حين طُعن وذكروا له سعد بن أبي وقَّاص فقال: (إنَّما يكون في مقنبٍ من مقانبكم). قال أبو عُبيد: المقنب: جماعة الخيل والفرسان. يريد أنَّ سعدًا صاحب جيوش ومحاربة، وليس بصاحب هذا الأمر. انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (9/157).
[12] لعلَّه انتقال ذهنٍ من الإمام السَّخاويِّ رحمه الله، فهذا القول هو لوالد الإمام البخاريِّ إسماعيل بن إبراهيم، كما في «تاريخ الإسلام» للذَّهبيِّ (6/140)، و«سِّير أعلام النبلاء» (12/447)، «طبقات الشَّافعية الكبرى» للسُّبكيِّ (2/223)، و«تحفة الإخباريِّ بترجمة البخاريِّ» لابن ناصر الدِّين (ص: 180)، و«هدي السَّاري» (ص: 503) و«هداية السَّاري» كلاهما لابن حجر (ص: 63) وغيرهم، وأورد السَّخاويُّ نفسه هذا القول على الصَّواب في كتابه: «التُّحفة اللَّطيفة في تاريخ المدينة الشَّريفة» (2/448).
[13] انظر: «تاريخ بغداد» (2/330)، و«تاريخ دمشق» (52/51)، و«سير أعلام النبلاء» (12/447)، و«طبقات الشافعية» للسُّبكيِّ، (2/227)، و«هداية الساري» (ص: 63)، ووقوله: (بيَّن) هكذا رسمت في النسخ الأصول جميعًا بشدة مفتوحة فوق الياء، ولعله يقصد: لم يكن لهم بيان توثيق عليه كصك أو غيره.
[14] انظر: «تاريخ بغداد» (2/331)، و«تاريخ دمشق» (52/80)، و«هداية الساري» (ص: 73)، وروى ورَّاق البخاريِّ حادثةً مشابهة وقعت لمحمَّد بن العبَّاس الفربريِّ مع الإمام البخاريِّ، ينظر: «سير أعلام النبلاء» (12/445).
[15] هذه عبارة الحافظ ابن حجر في «هداية السَّاري» (ص: 73) حيث قال بعد سوق القصَّة: وهذا في نهاية الورع والاحتياط، فكأنَّه تورَّع أن تنزَّه لحيته من شيءٍ، ولا ينزَّه عنه المسجد.
[16] في (ب) و(س): منشغل.
[17] في (ب) و(س): التَّحدث.
[18] انظر: «طبقات الشافعية الكبرى» للسُّبكي (2/235)، و«هدي السَّاري» لابن حجر (ص: 481)، و«هداية السَّاري» (ص: 77) وقال: رواها الحاكم في «تاريخه». والبيتان من البحر الخفيف، وقد أنشدهما ابن أبي الدُّنيا في كتابه: «قِصَر الأمل» (ص: 223)، عن أحمدَ بنِ محمَّدِ بنِ أيُّوبَ الورَّاق، المتوفَّى سنة 228هـ، فلعلَّها من الأبيات المشتهرة بين البغداديين وسمعها الإمام البخاريُّ منهم، ثمَّ أنشدها في بلاده، فظنَّ من سمعها منه أنَّها له، والله تعال أعلم، أفاده الأخ حسنين مهدي شكر الله له.