مصباح القاري لجامع البخاري

المقدمة

          ♫
          وبه أستعين
          الحمد لله ربِّ العالمين، حمدًا يُوافي نعمه، ويكافئ مزيده، وصلَّى الله على رسوله سيِّدنا محمَّدٍ خاتم النبيِّين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
          أمَّا بعد:
          فإنَّ شيخنا الإمام العالم المفسِّر المحدِّث الحافظ شيخ الإسلام أبا عبد الله الحسين بن عبد الرحمن بن محمَّد بن عليِّ بن أبي بكر بن الشيخ الكبير عليٍّ الشهير بالأهدل، الحسيني نسبًا، الصوفي الأشعري الشافعي، غفر الله له ولوالديه ومشايخه مغفرةً شاملةً عامَّةً يقول:
          أحمدُ الله على أنْ جعلني من خُدَّام العلمِ الشرعيِّ، وجنَّبني البدعيَّ مع الاطِّلاع على جميع العلوم والماهيَّات، والاضلاع من الشرعيَّات الظَّاهرات والباطنات، من الدقائق والحقائق والمعارف والربَّانيَّات، وتمييز العقائد الدِّينيَّات السنيَّات من البدعيَّات، يشهدُ بذلك من طالع في كتابي: ((حقائق التوحيد)) و((مطالب أهل القربة)) وغيرها مما فتح الله عليَّ من المصنَّفات، أقول ذلك شكرًا {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى:11] مع الاعتراف بالقصُور والتَّقصير عن تدقيق الفحول في المعقول، ولكن قد شاركتُهم في تحقيق المنقول، فقرأتُ الفقهيَّات وشرحتُها، وأمَّهات الحديث وسمعتُها، ودواوين التفسير وأتقنتُها، والأصلين والعربية واستلبتها، وطالعت شروحَ الحديث وكتبَ الغريب والرجال وحصَّلتُها، ولم يزل توفيق الاشتغال يَزيد، والفتَّاح العليم يُفيد.
          وكان أوَّل اشتغالي في أيَّام الصِّبا _والسنُّ يومئذٍ نحو عشر سنين خلت_ في حفظ القرآن، وأوَّل شيوخي الفقيه العلَّامة عليُّ بن آدم الزيلعيُّ، ثمَّ الفقيه العلَّامة محمَّد بن إبراهيم العرضي، ثمَّ الفقيه العلَّامة المحدِّث المفسِّر أبو الحسن نور الدين عليُّ بن أبي بكرٍ الأزرق الهَمْدانيُّ _بسكون الميم وبالمهملة_ نسبةً إلى همدان، القبيلة المشهورة باليمن، وهو شارح ((التنبيه)) و((الفرائض))، وعليه كان تمام التفقُّه وقراءة كتب الحديث ((الصحيحين)) وغيرها، وعنده الضبط والشرح.
          وأخذت عن غيره قراءةً وسماعًا في الفقه والأصول والعربيَّة عن أكابرَ؛ منهم القاضي جمال الدين أبو النجباء محمَّد بن عبد الله الناشريُّ، والقاضي جمال الدين محمَّد بن عليٍّ عُرِف بابن نور الدين الموزعيِّ، صاحب التصانيف النافعة في الفنون الشرعيَّة والردود على البدعيَّة، والفقيه العلَّامة المحقِّق لفنون العربيَّة محمَّد بن أحمد زكري المنسكي.
          وأخذتُ بالإجازة عن جماعةٍ من الأكابر أهل الأسانيد العالية؛ منهم القاضي العلَّامة مجد الدين محمَّد بن محمَّدٍ الشيرازيُّ الفيروز أباذيُّ اللغويُّ المحدِّث المفسِّر، والشيخ العلَّامة ذو السنِّ العالية زين الدين أبو بكر بن الحسين المراغيُّ عالم المدينة بل عالم الحجاز في زمنه، لقيته بمكَّة سنة تسعٍ وثماني مئة، واستجزت منه، ومن الشيخ العلَّامة أبي حامدٍ المطريِّ الأنصاريِّ المدنيِّ، لقيته أيضًا بمكَّة بالتاريخ المذكور.
          ولم تزل الفتوح من الله تتجدَّد، والرغبة في تحصيل العلوم تزيد إلى أن وفَّق الله السفر إلى مكَّة المشرَّفة في خامس حجَّة، وجاورت في سنة سبعٍ وثمان وأربعين وثمان مئة، وقد شارفت السبعين؛ إذ المولد عامَ تسعةٍ وسبعين وسبع مئةٍ، فوقفتُ على شرح الشيخ / شمس الدين محمَّد بن يوسف الكرمانيِّ، وشرح الشيخ الإمام شهاب الدين أبي الفضل ابن حجَر، وتيسَّر لي مطالعة ((التنقيح)) لابن الزركشيِّ بكماله، و((شرح الكرمانيِّ)) بكماله، ورويته عمَّن يرويه عن المؤلِّف فرغبت في انتقاء مختصرٍ منه يُستَعان به على ((الجامع الصحيح البخاري)) فعملت منه جزءًا متوسِّطًا أكثر قصدي به ذكر تراجمه كتبًا وأبوابًا، وضبط ألفاظه نسخًا وإعرابًا، وتفسير ما استغرب من لغاته استغرابًا، والإشارة إلى بعض فقههِ، وبيان المستغلق من كلامه، ومن آثار السلف التي يحكيها عنهم، وأسماء رجاله، والمهمِّ من تواريخهم ♥، وكنت أبتهلُ إلى الله عند بيته الحرام في تيسير إتمامهِ حتَّى أتمَّه الله في شهر شوَّال من سنة ثمان وأربعين وثماني مئة، والحمد لله على ذلك وعلى جميع نعمه، وإنَّما حافظت على تراجمه ليتأمَّلها المطالِع ويعتلج ما يلوح منها من الفقه ومطالعة الحديث الوارد فيها، وليعلم مظنَّة ألفاظ الشرح منها، ولا بدَّ من مطالعة عبارة البخاريِّ في كثيرٍ من المواضعِ ليُعرَف المراد منها، وقد يلوحُ لي زيادة فائدة فأُلْحِقُها مدرجةً في كلام الكرمانيِّ، وقد أَعدِل عن عبارتهِ، وقد أُفرِد الزيادة بـ(قلت)، والله أعلم.
          وسمَّيته: ((مصباح القاري لجامع البخاري)).
          وأسأل الله التوفيق والهداية والإعانة والكفاية، وأن ييسِّر نفعَه في الطالبين، آمين آمين.
          واعلم أنَّ البخاريَّ لم يجعل لكتابه مقدِّمة يعرف بها اصطلاحه وشرطه في ((الصحيح))، وكأنَّه لم ينضبط له ذلك لتزاحم الكيفيَّات في صدره، فبادر إلى وضعهِ على الكتب والأبواب، فأتمَّه الله بتوفيقه، وكذلك أهل الكتب الأمَّهات الخمس بعد مسلم: وهي ((الموطَّأ)) و((سنن أبي داود)) والترمذي والنسائي وابن ماجه، ولم يجعلوا لكتبهم مقدمات، وكذلك الدَّارقطنيُّ في ((سننه)) وكثيرٌ من المحدِّثين، لكنَّهم يبدؤون بكتاب الطَّهارة غالبًا، وبعضهم بمواقيت الصلاة؛ كـ((الموطَّأ))، وأمَّا من صنَّف المُسنَد على أسماء الرجال، فيبدأ غالبًا بمسند أبي بكرٍ الصدِّيق ☺، ثم بمسند عمر ☺ إلى تمام العشرةِ، ثمَّ كذلك على الترتيب المعروف عندهم، وأمَّا مسلمٌ ☼؛ فجعلَ لكتابه مقدمةً طويلةً مشتملةً على فوائد، وكذا عمل كثيرٌ من الأئمَّة بين مُطَوِّلٍ ومُختَصِرٍ، ونحن نذكر مقدِّمةً مختصرةً في تقرير أصول الشريعة وحفظ الحديث، مجموعة من كلام الأئمَّة، فنقول: قال الله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة:213]؛ أي: على الكفر عند الأكثرين، وذلك بعد موت آدم ◙ وشيث والأخيار من ذرِّيَّته {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...} إلى قوله:{وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة:213] وكان النبيُّ يُبعَث إلى قومه أو إلى طائفةٍ مخصوصةٍ إلى الناس، وخُصَّ نبيُّنا محمَّدٌ صلعم بعموم الرسالة إلى كافَّة الناس كما نصَّ الله عليه، وأوجب الله عليه التبليغ، وأوجب عليهم طاعته، فبلَّغهم ما أوحَى الله إليه وأكملَ الله له دين الإسلام، وضمنَ له حفظَ شريعته، وأَمَرَ صلعم بتبليغ من غاب فقال: ((ليبلِّغ الشاهد الغائب)) فتعيَّن عليهم / النقل والتبليغ، فأُلزموه، وتعيَّن على من بعدهم السَّمع والطَّاعة للصحيح الذي نقلوه فنقلوه بالقبولِ وحفظوه ونشرُوه، ولمَّا امتدَّ الزمان وخيفَ اختلاط الصحيح بالسقيم، وظهرت البدعُ؛ ابتدر جماعةٌ من الأئمَّة إلى تقييد الحديث بالتأليف، وحفظهِ بالجمع والتصنيف، فأوَّل من صنَّف الكتب عبد الملك بن جُريج المكيُّ، وسعيد بن أبي عَرُوبة، والربيع بن صَبيح _بفتح الصاد المهملة_ ثمَّ سفيان بن عُيينة بمكَّة، ومالك بن أنس بالمدينة، وعبد الله بن وهب بمصر، ومَعْمر وعبد الرزَّاق باليمن، وسفيان الثوريُّ ومحمد بن فضيل بن غزوان بالكوفة، وحمَّاد بن سلمة وروح بن عبادة بالبصرة، وهُشيم بواسط، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وغيرهم ممَّن صنَّف على أبواب الفقه.
          وأوَّل من صنَّف المُسنَد على تراجم الرجال عبدُ الله بنُ موسى العيشيُّ _بالشين المعجمة_ وأبو داود الطيالسيُّ، ثمَّ بعدهما أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو خيثمة، وعبيد الله بن عمر القواريري، واتَّصل ذلك إلى الإمامين محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ ومسلم بن الحجَّاج القشيريِّ، فخصَّهما الله بزيادة الاجتهاد وحسن الانتقاد إسنادًا إسنادًا وحرفًا حرفًا بما وقع الاتِّفاق عليه من الأئمَّة في عصرهم ومن بعدهم بحسب ما وضع الله لهما من القبول، فأخرجا الصَّحيح في كتابيهما، ووَسَمَ كلُّ واحدٍ منهما كتابه بـ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلعم وسننه وأيَّامه))، ولم يفصح أحدٌ قبلهما بهذه التسمية في جميع ما جمعه؛ إذ لم يستمرَّ ذلك لغيرهما في كلِّ ما أوردوه، فتبادرت العزائم الموفَّقة من الطوائف المحقِّقة إلى قبول ما جمعَا، والتَّسليم لهما فيما شهدا بصحَّته؛ لصدق نيَّتهما وبراءتهما من التعصُّب، وحين صحَّ ذلك واشتهر انتدبَ جماعة من الحفَّاظ للتصنيف على كتابيهما لتتميم محذوفٍ، أو زيادةٍ في شرحٍ، أو بيانٍ لاسمٍ أو نسبٍ، أو تنبيهٍ على وهم بعض أصحاب التعاليق في الحكاية عنهما، ونحو ذلك من الغوامض التي يقف عليها من ينفعه الله بمعرفتها كالدارقطنيِّ وأبي بكرٍ الإسماعيليِّ وأبي بكرٍ الخوارزميِّ وأبي مسعودٍ الدمشقيِّ وأبي بكرٍ البرقانيِّ وخلفٍ الواسطيِّ وغيرهم من الحفَّاظ، وانتدبَ جماعةٌ للجمع بين ((الصحيحين)) تقريبًا للفائدة وتسهيلًا للوصول إلى المطلوب منهما بتجريد ما في الكتابين من متون الأحاديث دون الأسانيد إلَّا التابِعَ عن الصاحب أو مَن روى عنه، فحيث قال المخرِّجون للصحاح على كتابيهما: صحيح على شرط البخاريِّ؛ فحيث ثبت في المُعَنْعن التلاقي، وإذا قيل: على شرط مسلم؛ فحيث أمكنَ التلاقي ولم يثبت اللقاء، وحيث قيل: على شرطيهما؛ فقد روي من طريقين أحدهما ثبت فيها اللقاء، والثانية أمكنَ فيها اللقاء.
          وهذا الكتابان مشتملان على فصول من أصول الدين لا غنى لمريد تحقيقِ علوم الشريعة عن معرفتها من معرفة بدء الوحي والنبوَّة والمعجزات، وجُمَل الاعتقاداتِ، ولوازم الطَّاعات، والنهي عن المنكرات، وذكر الابتداء والانتهاء، وما كان في بني إسرائيل وأيَّام الجاهليَّة، وذكر الجهاد والغزوات، وما حلَّ بمن كفرَ من العقوبات، وأبواب الفقه والتفسير وتعبير الرؤيا، وفضائل الأنبياء والصَّحابة، ورغائب الزهد ومرقِّقات القلوب، وشواهد قدرة الله في الملك والملكوت، وما يتَّصل بذلك من / حقائق التوحيد، وما يكون من الفِتَن والأشراط إلى يوم القيامة، وذكر الموت وأحوال الأموات، وفتنة القبور، والبعث والنشور، والثواب والعقاب، والاستقرار في الجنَّة والنار وحظوظ أهليهما منهما.
          واتَّفق العلماء على أنَّ فقه البخاريِّ في تراجمه، وأنَّه إمام المحدِّثين في استنباط الفقهِ من الحديث، وعُني جماعة منهم ببيان ذلك، وتبعه المصنِّفون في تضمين الفقهِ في التراجم، فوضع مسلمٌ ((صحيحه)) مبوَّبًا في الحقيقة؛ لأنَّه يجمعُ أحاديث الباب في موضعٍ حتَّى يستوعبه، ولذلك جمع الأحاديث المُشْكِلَة في كتاب الإيمان تنبيهًا على وجوب الإيمان بها وإقرارها كما جاءت مع اعتقاد التنزيه والبراءة من التَّمثيل والتشبيه، والبخاريُّ أفرد لها كتاب التوحيد والردِّ على الجهميَّة لأنَّ جَهْمًا أوَّل من تأوَّل إبطال حقائق ألفاظ الأخبار عن موضوعاتها.
          وقد حافظ الإمام رزين بن معاوية بن عمَّار الأندلسيُّ في كتابه ((تجريد الصحاح على تراجم البخاريِّ)) وقال: إنَّه لم يترجم كتابًا ولا بابًا ولا ضمَّ حديثًا إلى حديثٍ إلَّا بحكمةٍ على بصيرةٍ، فجعل تراجم البخاريِّ أصلًا بنى عليه فقه الكتب الستَّة التي التزم جمع متونها، وهي البخاري ومسلم والموطَّأ وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال: إنَّه كان من الراسخين في العِلم، فردَّد البصر والبصيرة في تراجم الكتب والأبواب حتى التزم ذلك في القصص والأخبار، فإنَّه لم يوردها تهجينًا ولا كإيراد الأسمار، حتَّى انتهى إلى كتاب القدر، وكتاب الاعتصام، وكتاب الأحكام والتوحيد، وكانت همَّته ☼ في استنباط الفقه من الحديث، ولذلك طال كتابه وكثر فيه التكرار، ولم تكن همَّته سرد الحديث التي عابته عائشة ♦ فقالت: ((ما كان رسول الله صلعم يسردُ الحديثَ كسردكم)).
          وبالله أستعينُ على ما قصدت من انتقاء ما ذكرت من الشرح المذكور مع ما ألحقه من زيادات في مواضعها إن شاء الله تعالى.
          فأوَّل ذلك قوله ☼ في الخطبة: ((أمَّا بعد: فإنَّ علم الحديث بعد القرآن هو أفضل العلوم؛ لأنَّ به يُعلَم مراد الله تعالى من كلامه، ومنه تظهر المقاصد من أحكامه؛ لأنَّ أحكام القرآن جلَّها بل كلَّها كليِّاتٌ إجمالاتٌ، كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43]، والسُّنَّة هي المعرِّفة لجزئيَّاتها كمقادير أوقات الصلاة وأعداد ركعاتها وكمِّياتها وفرائضها وسننها، ولأقدار نصْبِ الزكاة وما يجب فيها وعلى من تجب، وهلمَّ جرًّا، وأعلى العلماء قدرًا وأعظمُهم عند الله منزلةً حملةُ السُّنَّة النبويَّة، وحفظة الأحاديث، وعاقلوا أسرارها، ومحققِّوا ألفاظها، ومدقِّقوا معانيها، وهم الطَّائفة المنصورة، ولن يزالوا ظاهرين على الحقِّ حتَّى يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك، وكتاب البخاريِّ أصحُّ الكتب المؤلَّفة على ذلك، وأكثرها تصحيحًا وتعديلًا وضبطًا وتنقيحًا واستنباطًا واحتياطًا، وقد فاقَ أمثاله في جميع الفنون والأقسام، وخُصَّ بالمزايا من بين دواوين الإسلام، شهد له بالبراعة والتقدُّم الأئمة الأعلام، وفوائد كتابه أكثر من أن تُحصَى، وكيف لا وهو شاملٌ لأكثر أقوال النبيِّ صلعم وأفعاله وأحواله، ومشاهده وغزواته، ومعجزاته وأخلاقه وآدابه، ومناقب أصحابه، إلى غير ذلك ممَّا لا يخفى مع ما فيه من / الاستنباطات العلمية التي ترجم عليها في الأبواب والإشارات إلى المذاهب المستخرجة من الحديث ولم أر له شرحًا كاشفًا عن بعض ما يتعلَّق به فضلًا عن كله، وشروح الشارحين له لا تشفي غليلًا، هذا شرح الإمام أبي الحسن ابن بطَّال غالبه في فقه مالك من غير تعرُّض لما هو في الكتاب موضوعٌ، وشرح العلامة أبي سليمان الخطَّابي فيه نكتٌ متفرِّقات ليس مما لفظ الشروح موضوع له)).
          وأمَّا شرح العلامة مغلطاي التركي فهو بكتب تتميم الأطراف أشبه، وبتصحيحِ التعليقات أمثل، وكأنه من إخلائه عن مقاصد الكتاب على ضمان، ومن شرح ألفاظهِ وتوضيح معانيه على أمانٍ، ولا أقول ذلك _والله عالم به_ غضًّا عن مراتبهم العلية وأقدارهم الشريفة، كيف وأنا مقتبس من لوامع أنوارهم، فهم القدوة ♥ وعن جميع أسلافنا الذين أحبوا السنن ودونوها، جابوا في تحصيلها الفلوات ونسوا في خدمتها اللَّذات والشَّهوات، وما رسوا الدفاتر وسامروا المخابر وأجالوا في نظمِ قلائدها أفكارهم، ووقفوا لتقييدِ أوابدها ليلهم ونهارهُم، وأخذوا وبلغوا وأصلوا وفصلوا ومهدوا وأسسوا وجمعوا وفننوا ووضعوا وأتقنوا وألفوا وصنفوا ودونوا ورتبوا وبوبوا وفرعوا وصححوا ونقحوا، صانوها عن التحريف والتصحيف، وحفظوها عن النقص والزيادة والإفساد، وكلما عرض لها ولهم شيء من الفترة رد الله لها الكرة، وأكمل لها المعونة والنصرة حتى وصلت إلينا صافية المشارع صافية المذارع، فعظَّم الله أقدارهم ورفع درجاتهم في عليين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
          وأنا قصدت احتياج هذا الكتاب إلى شرح مكمِّل للفوائد شامل للفرائد عام المنافع، تام المصالح بشرح الألفاظ اللغوية، ووجوه الأعاريب النحوية، واصطلاحات المحدِّثين ومباحث الأصوليين والمسائل الفقهية والفوائد الحديثية وضبط الروايات وأسماء الرجال وألقابهم وأنسابهم وصفاتهم ومواليدهم ووفياتهم وبلادهم ومروياتهم، فاستخرت الله واستعنت به في تأليف شرح موصوف بالصفات، وزيادة من علم البيان من المجاز والاستعارة والكناية والإشارة والعام والخاص والمجمل والمبين، وأنواع الأقيسة، وما يتعلق بالحديث من الرفع والإرسال والمتابعة والاتصال والوقف والتعليق، واختلاف النسخ وترجيحها والتأليف بين الأحاديث وبيان المناسبة بين الأحاديث والتراجم التي ترجم عليها، وهو شيء عجز عنه الفحول فتركوها واعتذروا عنها بأعذار، منها:
          ما قال أبو الوليد سليمان الباجي _بالموحدة وبالجيم_ في كتاب ((التعديل والتجريح)) لرجال البخاري قال: أنا أبو ذر عبد بن محمد بن أحمد الهروي: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله كان عند محمد بن يوسف الفربري فرأيته لم يتم بعد وقد بقيت عليه مواضع كثيرة مبيضة منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم عليها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض قال: ومما يدلُّ على صحَّة هذا القول أن رواية أبي إسحاق ورواية أبي محمد ورواية أبي الهيثم ورواية أبي زيد / وقد نسخوا من أصل واحد فيها التقديم والتأخير، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فما كان في طرَّة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضافه إليه، ويبين ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث فيطلب بعضهم معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها ويتعسف في التأويل ما لا يسوغ، وقد روى أبو إسحاق العلة في ذلك وبينها بأن الحديث الذي يلي الترجمة ليس بموضوع لها، وإنما هو موضوعٌ لما يأتي قبل ذلك بترجمة وتأتي للترجمة الذي قبله من الحديث بما يليق بها، وسعيتُ فيه في توضيح العبارات وكشف القناع عن المشكلات، فجاء بحمد الله كتابًا حافلًا لكل ما يحتاج إليه المحتفل به، فهو شيخٌ للطالب، أستاذٌ للمتعلم المشتغل به يستغنى به عن ألف كتاب أو زائدة، ورب ساع لقاعدٍ وما توسلت به إلى غرض دنيوي من مال أو جاه أو تقرب إلى سلطان كأبناء الزمان، بل عملته لله تعالى خالصًا لوجهه، وأكملته بمكة حال مجاورتي بها، وأكثرت التوسل إلى الله في غفران الزلات، ورفع الدرجات، وألهمت في حال الطواف تسميته:
          بـ((الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري)).
          واعلم أن ((صحيح البخاري)) لا حاجة له إلى تعديل رجاله الذين بينه وبين رسول الله صلعم لثبوت عدالتهم وثقتهم، وأما الذين بيننا وبين البخاري فلا حاجة إلى معرفتهم بذواتهم فضلاً عن عدالتهم؛ لأن صحيحه بالنسبة إلينا متواتر بل لا حاجة إلى الإسناد إليهم، ولكن الإسناد من خصائص هذه الأمَّة فينبغي المحافظة عليه اقتداء بالسلف وحفظًا للشرف فإسنادي فيه عن شيوخ متوافرة من أهل الحرمين الشريفين مكة والمدينة والقدس والخليل ومصر والشام والعراق وغيرها، وقد رحلتُ إلى هذه الأقطار برها وبحرها ولكن السماع التام الشافي إنما هو من شيوخ ثلاثة:
          الأول: الشيخ الإمام العلامة محدث الجامع الأزهر من القاهرة المعربة بالديار المصرية: ناصر بن محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل بن محمد بن المظفر أبي عبد الله الفارقي، كان شيخًا فقيرًا صوفيًا عالمًا بما يقرأ ضابطًا منصفًا متعففًا من أجرة الكتابة، وقد داوم سنين(1) على قراءة شيء من ((صحيح البخاري)) صبيحةَ كلِّ يوم بالجامع الأزهر، مات في حدود ستين وسبع مئة، وحدثني بأكثره قراءة منه، وأخبرني بالباقي قراءة عليه قال: أخبرني مشايخ خمسة منهم: أبو عبد الله محمد بن أبي الحَرَم _بالحاء والراء المهملتين المفتوحتين_ مكي منسوب إلى مكة المشرفة، ابن أبي الذِّكر _بكسر الذال المعجمة_ عبد الغني القرشي المغربي الدِّمشقي، كان شيخًا مباركًا صحيح السماع، مكثرًا، وكان رقامًا بدار الطراز، من القاهرة، مات سنة تسع وستين وست مئة سماعًا قال:
          أخبرنا الشيخ أبو عبد الله الحسين بن المبارك بن محمد الرَّبعي _بفتح الراء المهملة والموحدة وبالمهملة_ الزَّبِيدي _بفتح الزاي وكسر الموحدة_ البغدادي الفقيه كان دينًا خيرًا حنبليًا، حدث بالعراق وبالشام وألحق الأحفاد بالأجداد، ولد سنة ست وأربعين وخمس مئة، ومات سنة إحدى وثلاثين وست مئة سماعًا، قال: أخبرنا أبو الوقت عبد الأول بن عيسى بن شعيب السِّجزي _بكسر السين المهملة_ في سجز من أسماء سجستان الهروي، الصوفي قراءة عليه، وكان أبوه قد حمله على رقبته من هراة إلى بوشنج لسماع الحديث، وصار شيخًا صالحًا ألحقَ الصغار بالكبار، وكان حاضر الذهن مستقيم الرأي وصحبَ شيخ الإسلام أبا عبد الله الأنصاري / الهروي، ولد سنة ثمان وخمسين وأربع مئة، ومات سنة ثلاث وخمسين وخمس مئة ببغداد، ودفن بالشونيزيه قال: أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر بن محمد بن داود الدَّاوودي الفُوْشَنْجِي _بضم الفاء وقد تبدل بالموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة وسكون النون وبالجيم المكسورة_ منسوب إلى بلدة بقرب هراة من خراسان، قراءة عليه ونحن نسمع، كان أحد أعيان الشافعية والأئمة أثنوا عليه في علمه وورعه، يحكى أنه ترك أكل اللحم وقتَ نهب التركمان، واكتفَى بالسمك حتى حكي له أن بعض الأمراء أكلَ على حافة الموضع الذي يُصاد له منه السمك ونفضَ ما فضل من سفرتهِ فيه فتركَ أكل السمك أيضًا، مات سبع وستين وأربع مئة، قال: أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد بن حَمُّوْيه _بفتح المهملة وشدة الميم المضمومة وإسكان الواو وبالتحتانية_السَّرَخْسي_بفتح المهملة والراء وسكون المعجمة، وقد تسكن الراء وتفتح الخاء_ سماعًا عليه وكان ثقة، صاحب أصول حسان، ولد سنة ثلاث وتسعين ومئتين، ومات سنة إحدى وثمانين وثلاث مئة، قال: أخبرنا الشيخ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفِرَبْري_ [بفتح الفاء] وكسرها وفتح الراء الأولى وإسكان الموحدة_ منسوب إلى فربر قريةٌ من قرى بخارى، قراءة عليه وكان ثقة، وربما سمع الصَّحيح من البخاري رواية، ونعم الحامل ونعم المحمول، ولد سنة إحدى وثلاثين ومئتين، ومات سنة عشرين وثلاث مئة ⌂.
          الشيخ الثاني: الإمام الحافظ محدث الحرم الشريف النبوي صلعم: أبو الحسن علي بن يوسف بن الحسن الزَّرَنْدِي _بفتح الزاي والراء وسكون النون وكسر الدال المهملة_ الأنصاري عالم المدينة في أوانه المضروب إليه أكباد المطي في أوانه، كان من أهل الإسماع في الروضة الشريفة ومن أهل الإفادة عند العتبة الكريمة المنيفة، صلوات الله وسلامه على صاحبها، مات سنة ثنتين وسبعين وسبع مئة قال: أخبرنا الشيخ جمال الدين أبو محمد عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري، عرف بابن شاهد الجيش _بالجيم والتحتانية والمعجمة_ سماعًا، وكان من بيت العلم رئيس ديوان الإنشاء بحلب والشام قال: أخبرنا الشيخ أبو الطاهر إسماعيل بن عبد القوي بن أبي العز عَزُّون _بفتح المهملة وضم الزاي المشددة وبالواو والنون_ الأنصاري الشافعي المصري، والشيخ نظام الدين أبو عَمرو عثمان بن عبد الرحمن بن رَشِق _بفتح الراء وكسر المعجمة_ الرَّبَعي _بالراء والموحدة المفتوحتين وبالمهملة_ المالكي قراءة عليهما وأنا أسمع خلا شيئًا يسيرًا من باب المسافر إذا جد به السير إلى كتاب الصيام، ومن باب ما يجوز من الشروط من المكاتب إلى باب الشروط في الجهاد، ومن غزوة المرأة في البحر إلى باب دعاء النبي صلعم الناس، فإنه بالإجازة قالا: أخبرنا أبو القاسم هبة الله بن علي بن سعود الأنصاري البُوْصِيْري _بضم الموحدة وسكون الواو وكسر المهملة وإسكان التحتانية وبالراء_ قراءة عليه قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن بركات ويقال: ابن هلال السعدي النحوي اللغوي سماعًا، قال: أخبرتنا أم الكرام كريمة بنت أحمد بن محمد بن حاتم المروزية سماعًا، قالت: أخبرنا الإمام أبو الهَيْثم _بفتح الهاء وسكون التحتانية وبالمثلثة_محمد بن مَكِّيّ _بفتح الميم وشدة الكاف / والتحتانية _ ابن محمد بن زُرَاع _بضم الزاي وخفة الراء وبالمهملة_ الأديب الكُشْماهَني_بضم الكاف وسكون المعجمة وبفتح الهاء وكسرها وقد تمال الألف وقيل الياء هو على الأصل_ وهي قرية بمرو، سماعاً عليه، قال: أخبرنا الفربري سماعاً عليه.
          الثالث: الشيخ الكبير بقية السلف وقدوة الخلف جمال الدين محمد بن الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الله بن عبد المعطي الأنصاري المكِّي، محدِّث الحرم الشريف الإلهي الناسك العابد سماعًا عليه بالمسجد الحرام بباب الرحمة تجاه الكعبة المشرفة حذاء الركن اليماني إلا من كتاب الشهادات إلى سورة الفتح، فإنه كان بداره المباركة بقرب باب إبراهيم من الحرم الشريف في ثلاثة أشهر آخرها رمضان سنة خمس وسبعين وسبعمائة، قال: أخبرنا الشيخ الرواية شيخ علماء الشرق والغرب، إمام مقام إبراهيم الخليل ◙ رضي الدين أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري، مات سنة اثنين وعشرين وسبعمائة سماعًا بسماعه على الشيخ الجليل المسند، ركن الدين عبد الرحمن بن أبي حَرَمي _بالمهملة والراء المفتوحتين_ ابن بنين، بلفظ جمع الابن، الكاتب المكي ما خلا من باب قوله: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا} [الأعراف:85] إلى باب مبعث النبي صلعم فإنه بالإجازة قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسن علي بن حُميد _بضم الحاء_ ابن عمَّار_بتشديد الميم_ الأَطْرابُلسِي _بفتح الهمزة وإسكان الطاء المهملة وبالراء وضم الموحدة وباللام وكسر المهملة_ المكي سماعاً قال: أخبرني أبو مكتوم _بالفوقانية_ عيسى بسماعه عن والده الحافظ أبي ذَرٍّ _بفتح المعجمة وشدة الراء_ عبد بن محمد بن أحمد الهروي، ولد سنة خمس أو ست وخمسين وثلاث مئة، ومات سنة أربع وثلاثين وأربع مئة بسماعه عن الأئمة الثلاثة أبي الهيثم الكشميهني، وأبي محمد السرخسي المتقدِّم ذكرهما، وأبي إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي ببلخ، وكان من الثقات، مات سنة ست وسبعين وثلاث مئة، هذا وللشيخ رضي الدين الطبري إمام المقام طريقة غير طريقة الفربري، وهي من النفائس وبها يكملُ لنا من البخاري إليها في كلِّ مرتبة راويان، وهو مهم معتنى به عند أهلِ هذا الشأن قال: أخبرني الشيخ ركن الدين عبد الرَّحمن الكاتب عن الحافظ أبي طاهر أحمد بن محمد بن سِلَفه _بكسر المهملة وفتح اللام وبالفاء_ وهو أعجميٌّ، ومعناه بالعربي: ثلث شفاه؛ لأن شفته كانت مشقوقة وأصله كان بالباء الموحدة فأبدلت بالفاء، الأصفهاني، ولد سنة ثنتين وسبعين وأربعمائة، ومات سنة ست وسبعين وخمسمائة فجأة بالإسكندرية، قال: أخبرني أبو الخطَّاب _بالمعجمة وشدة المهملة_ نصْر _بسكون المهملة_ ابن أحمد بن البَطْر _بفتح الباء وسكون المهملة_ القارئ _من القراءة_ سماعاً، ولد سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة، ومات سنة أربع وتسعين وأربعمائة قال:
          أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عُبَيد الله بن يحيى بن زكريا المؤدب، ويعرف بابن البَيِّع _بفتح الموحدة وكسر التحتانية الشديدة_ ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، ومات سنة ثمان وأربعمائة قال: أخبرنا القاضي الفقيه أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل الضبي _بالمعجمة_ المحاملي، كان أحد أجداده يبيع المحامل التي يركب عليها، وهو آخر من روى عن البخاري ببغداد، وقال بعضهم: سماعه منه إنما هو لبعض صحيحهِ لا لكله، ولد ابن المحاملي سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات / سنة ثلاثين وثلاث مائة.
          قلت: وكان شيخنا سليمان العلوي ينقل عن ((تهذيب)) المزي أنه إنما روى عنه غير الصَّحيح قال: ذكره في ترجمة إبراهيم بن أبي عباد.
          وأنا أروي مرويات الكرماني ومصنَّفاته عن القاضي مجد الدين الشيرازي عنه. ح: وأرويها عن الشيخ أبي الفتح بن زين الدين المراغي عن الكرماني إجازة، وأروي ((صحيح البخاري)) وسائر الأمهات الثمان عن شيخي نور الدين علي الأزرق عن الشيخ عبد الله اليافِعي، ولي فيها طرق رجوت نفعي الله بها وهي متقنةٌ في ثبتي عن الأزرق عن ابن مطير واليافِعي ▓، والله أعلم.
          وأما البخاري ☺ : فهو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه _بفتح الموحدة وإسكان الراء وكسر المهملة وسكون الزاي وبالموحدة_ الجُعْفي _بضم الجيم وسكون المهملة وبالفاء_ البخاري مولاهم، أسلم جده المغيرة وكان مجوسيًّا على يد اليمان الجعْفِي والي بخارى، وأبوه: إسماعيل، كان مِن خيار الناس، وأمُّه كانت صالحة مجابة الدعوة، كان البخاري قد ذهب بصره وهو صغير فرأت أمه في المنام إبراهيم الخليل ◙ وقال لها: يا هذه قد ردَّ الله على ابنكِ بصره ببركةِ دعائك وكثرةِ بكائكِ، فأصبحَ بصيرًا، وكان مولده سنة أربع وتسعين ومئة، ومات ليلة الفطر من سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره اثنان وستون سنة إلا أيامًا، وألهم حفظ الحديث في صغره، وهو ابن عشر سنين أو أقل، ثم حجَّ به أبوه فرجعَ أبوه، وأقام هو بمكَّة في طلبِ العلم وله ثمان عشرة سنة في العمر.
          ورحلَ في طلب الحديثِ إلى أمصار الإسلام، وكتبَ عن ألف وثمانين شيخًا ليس فيهم إلا صاحب حديث كلهم يقولون: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، يزيدُ وينقصُ، حتى صار إمام أئمة الحديث، وكتابه أصح الكتب بعد القرآن، رواه عنه خلائق نحو مائة ألف أو يزيدون، وكان الإمام مسلم بن الحجاج إذا دخل عليه يقول له: دعني أقبلُ رجلك يا طبيبَ الحديث في عللهِ، ويا أستاذَ الأُسْتَاذين، ويا سيد المحدِّثين، وقال أبو عيسى الترمذي: لم أر مثله، وجعله الله زَيْنَ هذه الأمة. وقال أبو نُعَيم بن حماد ويعقوب: إنه فقيه هذه الأمَّة، وكان علماء مكَّة يقولون: هو إمامنا وفقيهنا وفقيه خراسان، وقال علي بن المديني: ما رأى مثلَ نفسه. وقال ابنُ خُزيمة _مصغر: الخزمة، بالمعجمة وبالزاي_: ما تحتَ أديم السماء أعلم بالحديث منه وأحفظُ، وقال غيره: كان آية من آيات الله يمشي على الأرض، وكان في سعة من الدنيا، قد ورثَ من أبيه مالاً، وكان يتصدَّق منه، وكان يأتي عليه نهارًا لا يأكلُ فيه ويأكلُ أحياناً لوزة أو لوزتين، وكان يختمُ القرآن في كلِّ ثلاث ليالٍ، وقال: خرجتُ هذا الصَّحيح من ستمائة ألف حديث، وجعلتُه حجَّة بيني وبين الله تعالى، وما وضعتُ حديثاً إلا بعد غُسْل وصلاة ركعتين، وقيل: كان تبييضه له بالمدينة في الروضة: وقيل: بمكة، وصنفه في ست عشرة سنة.
          واعلم أن علم الحديثِ مقصُوده معرفةُ رسول الله صلعم وتصديقه ومعرفة أحكامه واتباعه في أفعاله وأقواله وأحواله، وبذلك تحصل سعادة الدارين.
          وعدد كتب الجامع: مائة وشيء، والأبواب: ثلاثة آلاف باب وأربع مائة / وخمسون باباً، مع اختلاف قليل في نسخ الأصول، وعدد الأحاديث المسندة فيه: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا، والمكررات منه قريب النَّصف، فأحاديثه غير المكرَّرة قريب من أربعة آلاف، وعددُ مشايخه الذين خرَّج عنهم في ((الجامع)): مائتان وتسعة وثمانون، تفرد عن مسلم: بمئة وأربعة وثلاثين، وتفرد أيضًا بمشايخ لم تقع الرواية عنهم لبقية أصحاب الكتبِ الخمسة إلا بواسطة، ووقع له اثنان وعشرون حديثًا عاليًا ثلاثي الإسناد، أعلى الله درجته وإيَّانا بمن توسلنا إليه بكلامهِ، وجمع بيننا وبينه في دار إكرامه، آمين آمين.


[1] في الأصل: ((سنين ومئين)) وليست في كتاب الكرماني هكذا.