الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: ألم يأن للرحيل

3- الثَّالث: حديث الرَّحْل: عن البراء بن عازب قال: جاء أبو بكرٍ إلى أَبي في منزله، فاشترى منه رَحْلاً، فقال لعازبٍ: ابعث معي ابنَك يحمِلْه معي إلى منزلي، فقال لي أَبي: احمله، فحملتُه، وخرج أبي معه ينتقِدُ ثَمنَه، فقال له أبي: يا أبا بكرٍ؛ كيف صنعتُما ليلةَ سريتَ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ؟ قال: «نعم؛ أَسرينا ليلتَنا كلَّها حتَّى قام قائمُ الظَّهيرة، [1] وخلا الطَّريق فلا يمرُّ فيه أحدٌ، حتَّى رُفِعَت لنا صخرةٌ طويلةٌ لها ظِلٌّ لم تأت عليه الشَّمس بعدُ، فنزلنا عندها، فأتيتُ الصَّخرةَ، فسوَّيت بيدي مكاناً ينام فيه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ظِلِّها ثمَّ بسطتُ عليه فَروةً، ثمَّ قلت: نَم يا رسول الله وأنا أنفضُ [2] لك ما حولَك، فنام وخرجتُ أنفضُ ما حولَه، فإذا أنا براعٍ مُقبلٍ بغنمه إلى الصَّخرة يريد منها الَّذي أردنا، فلقيتُه فقلت: لمن أنت يا غلامُ؟ فقال: لرجلٍ من أهل المدينة، [3] فقلت: أفي غنمِك لبنٌ؟ قال: نعم، قلت: أفتحلِب لي؟ قال: نعم؛ فأخذ شاةً، فقلت له: انفُضِ الضَّرعَ من الشَّعر والتراب والقَذى
ج1ص8
_ قال: فرأيت البراء يضرب بيده على الأخرى ينفضُ _ فحلب لي في قَعْبٍ معه كُثبةً [4] من لبنٍ، قال: ومعي إداوةٌ [5] أَرتوي فيها [6] للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ليشربَ منها ويتوضَّأ، قال: فأتيت النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وكرِهت أن أوقِظه من نومه، فوقفت حتَّى استيقظ _ وفي أخرى: فوافقته حين استيقظ _ فصببت على اللبن من الماء حتَّى برَد أسفَلُه، فقلت: يا رسول الله، اشربْ من هذا اللبن، قال: فشرب حتَّى رضيتُ، ثمَّ قال: ألم يأنِ للرحيل؟ قلت: بلى.
قال: فارتحلنا بعدما زالت الشَّمسُ، واتَّبعَنا سراقةُ بن مالك ونحن في جَلْدٍ من الأرض، فقلت: يا رسول الله؛ أُتِينا، فقال: لا تحزَن، إنَّ الله معنا. فدعا عليه رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فارتطمَت فرسُه إلى بطنها [7] _ أُرَى _ فقال: إنِّي قد علمت أنَّكما دعوتُما عليَّ، فادعوا لي، فاللهَُ لكما [8] أن أرُدَّ عنكما الطَّلبَ، فدعا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الله فنجا، فرجع لا يَلقى أحداً إلَّا قال: كُفيتم ما ههنا، ولا يلقى أحداً إلَّا ردَّه، ووفَّى لنا». [خ¦3615]
زاد في رواية إسرائيلَ أنَّ سراقة قال: «وهذه كِنانتي، فخذ سهماً منها، فإنَّك ستمرُّ على إبلي وغِلماني بمكان كذا وكذا، فخذ منها حاجتَك، قال: لا حاجةَ لي في إبلك. فقدمنا المدينةَ ليلاً، فتنازعوا أيُّهم ينزل عليه، فقال: أَنزِلُ على بني النجار أخوالِ عبد المطَّلب؛ أُكرِمُهم بذلك. فصعِد الرِّجالُ والنِّساء فوق البيوت، وتفرَّق الغلمان والخدم في الطرق ينادون: يا محمَّدُ يا رسولَ الله! يا محمَّدُ يا رسولَ الله!». [خ¦3652]
_ وفي روايةٍ أخرى: «جاء محمَّدٌ، جاء رسول الله»._ [9]
زاد في أخرى: قال البراء: فدخلت مع أبي بكرٍ على أهله، فإذا عائشةُ ابنتُه مضطجعةً قد أصابتها حمَّى، فرأيت أباها يقبِّل خدَّها وقال: كيف أنت يا بُنيَّةُ؟ [10] [خ¦3917]
في حديث شعبة زيادةُ لفظة: أنَّ البراء قال: «قال أبو بكرٍ _ يعني لمَّا خرج مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مكَّة إلى المدينة _: مررنا براعٍ وقد عطش رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
ج1ص9
قال أبو بكرٍ الصِّدِّيق: فأخذت قَدَحاً، فحلبت فيه لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كُثبةً من لبنٍ فأتيتُه بها، فشرب حتَّى رضيتُ». وقع مفصولاً من حديث الرَّحل، وكذلك أخرجاه. [خ¦3908]


[1] قال الحميدي: قائم الظهيرة: اشتداد الحر. هامش (ابن الصلاح).
[2] قال الحميدي: نفْضُ الأرض: أن ينظر هل فيها ما يخاف منه. (ابن الصلاح).
[3] قال الشيخ: المدينة ههنا مكةُ حُرست. هامش (ابن الصلاح).
[4] قال الحميدي: الكُثْبة: القليل من اللبن وغيره. هامش (ابن الصلاح)
[5] قال الحميدي: الإداوة: كالرَّكوة. هامش (ابن الصلاح).
[6] أرتوي فيها بالماء أي: أحمله للوضوء والشرب. هامش (ابن الصلاح).
[7] ارتطم في الأرض: إذا نَشِبَ فيه ولم يكد يتخلص، وارتطم المرء في أمره سُدَّت عليه مذاهبه. (ابن الصلاح) نحوه.
[8] قوله: (فالله) ضُبط بالرفع على الابتداء، وبالنصب على تقدير: فأُشهد الله لأجلكما، وقيل بالجر أيضاً بنزع الخافض، والتقدير: أُقسم بالله لكما. «عمدة القاري» (16/148).
[9] هذه الزيادة من رواية عبد الله بن رجاء، وليست في نُسخِنا من «الصحيحين».
[10] في هامش (ش): (رواية إبراهيم بن يوسف)، وقد أخرجه البخاري (3918)؛ من طريقه عن أبيه عن أبي إسحاق به.