الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: لا نورث، ما تركنا صدقة

6- السَّادس: عن عمرَ عن أبي بكرٍ المسند منه فقط وهو: «لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ»، لمسلم من رواية جُويريةَ بن أسماءَ عن مالك، وعن عائشة بطوله: أنَّ فاطمةَ سألت أبا بكرٍ أن يَقسِم لها ميراثَها [خ¦3092] .
وفي روايةٍ أخرى: أنَّ فاطمةَ والعبَّاسَ أتيا أبا بكرٍ يلتمسان ميراثَهما من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهما حينئذٍ يطلُبان أرضَه من فَدَكَ وسهمَه من خيبرَ، فقال أبو بكرٍ: إنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ»، إنَّما يأكل آل محمَّدٍ في هذا المال، وإنِّي والله لا أدعُ أمراً رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصنعُه فيه إلَّا صنعتُه. [خ¦4035]
زاد في رواية صالح بن كَيسان: إنِّي أخشى إن تركتُ شيئاً من أمره أن أَزيغَ [1] ،
ج1ص11
قال: فأمَّا صدقتُه بالمدينة فدفعَها عمرُ إلى عليٍّ وعبَّاسٍ، فغلبَه عليها عليٌّ، وأمَّا خيبرُ وفدكَ فأمسكهما عمرُ، وقال: هما صدقةُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كانتا لحقوقِه الَّتي تعروه ونوائبِه، وأمرُهما إلى مَن ولي الأمرَ، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. [خ¦3092]
قال غيرُ صالحٍ في روايته في حديث أبي بكرٍ: فهجَرَته فاطمةُ، فلم تكلِّمه في ذلك حتَّى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلاً ولم يُؤذِن بها أبا بكرٍ، قال: وكان لعليٍّ وجهٌ [2] من النَّاس حياةَ فاطمةَ، فلمَّا توفِّيت فاطمة انصرفَت وجوه النَّاس عن عليٍّ، ومكثَت فاطمة بعد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ستَّة أشهرٍ ثمَّ توفِّيت. _ فقال رجلٌ للزهري: فلم يبايعه عليٌّ ستَّةَ أشهر؟ فقال: لا والله، ولا أحدٌ من بني هاشم حتَّى بايعه عليٌّ. _ [3]
في حديث عروة: فلمَّا رأى عليٌّ انصراف وجوه النَّاس عنه ضَرَع [4] إلى مصالحة أبي بكرٍ، فأرسل إلى أبي بكرٍ: ائتنا، ولا يأتِنا معك أحدٌ، وكرِه أن يأتيَه عمر لِمَا علِم من شدَّة عمر، فقال عمر: لا تأتِهم وحدَك، فقال أبو بكرٍ: والله لآتينَّهم وحدي، ما عسى أن يصنعوا بي؟ فانطلق أبو بكرٍ، فدخل على عليٍّ وقد جمع بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أمَّا بعد؛ فلم يمنعْنا أن نبايعَك يا أبا بكرٍ إنكاراً [5] لفضلك، ولا نفاسةً [6] عليك بخيرٍ ساقه الله إليك، ولكنَّا كنَّا نَرى أنَّ لنا في هذا الأمر حقاً فاستبددتم علينا. ثمَّ ذكر قرابتَهم من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وحقَّهم، فلم يزل عليٌّ يذكر حتَّى بكى أبو بكرٍ، وصمت عليٌّ، فتشهَّد أبو بكرٍ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهلُه، ثمَّ قال: أما بعدُ؛ فوالله لَقرابة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أحبُّ إليَّ أن أصل من قرابتي، وإني والله ما ألَوت في هذه الأموال الَّتي [7] كانت بيني وبينكم عن الخير ولكنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ»، إنَّما يأكل آل محمدٍ في هذا المال، وإنِّي والله لا أدعُ أمراً صنعه
ج1ص12
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّا صنعتُه إن شاء الله، وقال عليٌّ: موعدُك للبيعة العشيَّة، فلمَّا صلَّى أبو بكرٍ الظهر أقبل على النَّاس يعذِر علياً ببعض ما اعتذر به، ثمَّ قام عليٌّ فعظَّم من حقِّ أبي بكرٍ وذكر فضيلته وسابِقتَه، ثمَّ قام إلى أبي بكرٍ فبايعه، فأقبل النَّاس على عليٍّ فقالوا: أصبت وأحسنت! وكان المسلمون إلى عليٍّ قريباً حين راجع الأمر المعروف، رضي الله عنهم أجمعين.


[1] إني أخشى أن أزيغ: أي أميل عن الحق {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} لا تصرفنا عن الهدى. (ابن الصلاح) نحوه.
[2] الوجه: معروف، والوجه هنا: الجاه.
[3] قوله: (قال رجل..) إلى آخره ليس في نسخنا من رواية الصحيحين وإنما فيهما: (ولم يكن بايع تلك الأشهر)؛ لكن عزاه الحافظ ابن حجر في «الفتح» إلى مسلم وقال: ضعفه البيهقي بأنَّ الزهريَ لم يسنده وأنَّ الروايةَ الموصولةَ عن أبي سعيد وغيره أنَّ علياً بايع أبا بكر في أول الأمر أصحُ، وجمع غيرُه بأنه بايعه بيعةً ثانية مؤكِّدةً للأولى؛ لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث كما تقدم، وعلى هذا فيحمل قول الزهري: لم يبايعه عليٌّ في تلك الأيام على إرادة الملازمة له والحضور عنده وما أشبه ذلك، فإنَّ في انقطاع مثله عن مثله ما يوهمُ من لا يعرف باطنَ الأمر أنَّه بسبب عدم الرضا بخلافته، فأطلق من أطلق ذلك، وبسبب ذلك أظهر عليٌّ المبايعة التي بعد موت فاطمة عليها السلام لإزالة هذه الشبهة. «فتح الباري» 7/495
[4] ضَرَع الرجلُ يضرَع ضرَاعةً: إذا سأل واستكان وانقاد كما أريد منهُ. (ابن الصلاح).
[5] استشكلها عند (ابن الصلاح) لأنها في «الصحيحين» (لا إنكاراً) وهو الأنسب للسياق.
[6] النَّفاسةُ: الحسد. (ابن الصلاح).
[7] من هنا إلى قوله في الحديث الثالث من أفراد البخاري: (أجمعه من الرِّقاع) ساقط في (ش).