المستند

عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع
اسم المؤلف الكامل : السخاوي شمس الدين محمد بن عبد الرحمن
تاريخ الوفاة : 902
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : الدكتور محمد عيد منصور
الأجزاء : 1
حول الكتاب : بنى الإمام السخاوي كتابه على أربعة محاور، وفصَّل فيها القول، وهذه المحاور هي:
المحور الأول: خصَّصه للحديث عن حياة الإمام البخاري صاحب الصَّحيح، وشذرات من حياته وأخباره وحفظه ونبوغه، ووجوه أرجحيته على ((صحيح مسلم)).
المحور الثاني: رواية الإمام السخاويِّ بالأسانيد المتَّصلة المتعدِّدة لآخر حديث في صحيح البخاري، منه إلى النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد تفننَّ المصنِّف وأبدع في سرد هذه الأسانيد، وفصَّل فيها، وبيَّن طرق الرِّواية والتَّحويل والسَّماع والإجازة والمكاتبة وغيرها، وفيه قال ابن العماد الحنبلي:
إنَّه كان يروي صحيح البخاري عن أزيد من مائة وعشرين نفسًا.
وقد روى السخاوي هذا الحديث عن سبعة من شيوخه، من بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال فيه: وقُرِئَ... وأنا أسمعُ على شيخِنا رحمه الله شيخِ الإسلامِ منْ لم تَرَ عيني في مجموعِهِ مثلَهُ أبي الفضلِ العَسْقَلانيِّ رحمهُ اللهُ، وكانَ واللهِ نسيجَ وحدِهِ، وهوَ أجلُّ مَنْ أخذتُ عنهُ العلمَ والحديث.
المحور الثَّالث: خصَّصه لبيان الشَّرح والفوائد المتعلِّقة بآخر حديث في صحيح الإمام البخاري: «كلمتان خفيفتان على اللسان.... سبحان الله وبحمده»، ومعظمه مستفاد من كتاب شيخ شيوخه ابن ناصر الدين الدمشقي: ((التنقيح في فضل التسبيح)).
المحور الرابع: ما ساقه نقلًا عن شيخه الحافظ ابن حجر للحديث الأخير في كلِّ كتاب من كتب صحيح البخاري.
حول المؤلف : شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي. محدِّث ومؤرخ. أصله من سخا، قرية بمصر، وُلد بالقاهرة سنة 831 هـ
حفظ القرآن العظيم، وهو صغير وجوَّده، ثم حفظ المنهاج الأصلي، وألفية ابن مالك، والنخبة، وألفية العراقي، وشرح النخبة، وغالب الشاطبية، ومقدمة الشاوي في العروض، وكلما انتهى حفظه لكتاب، عرضه على شيوخ عصره.
برع في الفقه والعربية والقراءة وغيرها، وشارك في الفرائض والحساب والميقات وأصول الفقه والتفسير وغيرها.
أما مقروءه ومسموعه فكثير جدًا لا يكاد ينحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون حتى بلغت عدة من أخذ عنه زيادة على أربعمائة نفس. وأذن له غير واحد بالإفتاء والتدريس والإملاء، وسمع الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب ابن حجر، وأقبل عليه بكليته إقبالًا يزيد على الوصف حتى حمل عنه علمًا جمًا، واختص به كثيرًا بحيث كان من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر، وقرأ عليه الاصطلاح بتمامه، وسمع عليه جلَّ كتبه كالألفية وشرحها مرارًا، وعلوم الحديث إلا اليسير من أوائله لابن الصلاح، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها كالتقريب. وثلاثة أرباع أصله، واللسان بتمامه. ومشتبه النسبة. وتخريج الزاهر. وتلخيص مسند الفردوس. والمقدمة. وأماليه الحلبية. والدمشقية. وغالب فتح الباري، وتخريج المصابيح. وابن الحاجب الأصل، وتغليق التعليق، ومقدمة الإصابة، وجملة يطول تعدادها، وفي بعضه ما سمعه أكثر من مرة، ولم يفارقه إلى أن مات، وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف.
جاب البلاد وجال، وجدَّ في الرحلة، فارتحل إلى حلب، ودمشق، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماه، وبعلبك، وحمص، بحيث أن الذي سمع عنهم يكونون قريب مائة نفر، بل زاد عدد من أخذ عنه من الأعلى والدون والمساوي على ألف ومائتين، والأماكن التي تحمل فيها من البلاد والقرى على الثمانين. واجتمع له من المرويات بِالسَّمَاْعِ والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا تنيف على العشر حسبما ذكره مستوفي في ترجمته من تاريخه.
وأعلى ما عنده من المروي ما بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بالسند المتماسكة فيه عشرة أنفس، واتصلت له الكتب الستة، وكذا حديث كل من الشافعي، وأحمد، والدرامي بثمانية وسائط، وفي بعض الكتب الستة كأبي دَاْوُد من طريق آخر وأبواب في النسائي ما هو سبعة، واتصل له حديث مالك وأبي حنيفة بتسعة، وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء، فأخذ عنهم كأبي الفتح الأعز، والبرهان الزمزمي، والتقي ابن فهد، وأبي السعادات ابن ظهيرة، وخلائق. ثم زار المدينة الشريفة، ورجع إلى القاهرة ملازمًا للسماع والقراءة والتخريج، والاستفادة من الشيوخ والأقران من غير فتور عن ذلك، ولم يزل يجتهد في السماع ويرحل إلى الأقطار حتى وصل إلى ما وصل إليه، وخصه بعض شيوخه على عقد مجلس الإملاء، فامتثل إشارته فأملى حتى أكمل تسعة وخمسين مجلسًا، ثم توجه إلى الحج في سنة سبعين فحج وجاور، وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها، واقرأ ألفية الحديث تقسيمًا، وغالب شرحها لناظمها، والنخبة وشرحها، وأملى مجالس بالمسجد الحرام. ولما رجع إلى القاهرة شرع في إملاء تكملة تخريج شيخه للأذكار، ثم أملى تخريج أربعين النووي، ثم غيرها، بحيث بلغت مجالس الإملاء ستمائة مجلس فأكثر، وكذا حج في سنة خمس وثمانين، وجاور سنة ست ثم سنة سبع، وأقام منها ثلاثة أشهر بالمدينة النبوية. ثم في سنة اثنين وتسعين، وجاور سنة ثلاثة، ثم سنة أربع، ثم في سنة ست وتسعين، وجاور إلى أثناء سنة ثمان فتوجه إلى المدينة النبوية فأقام بها شهرًا وصام رمضان بها، ثم عاد في شوالها إلى مكة، ومكث بها ما شاء الله ثم رجع إلى المدينة وجاور بها إلى أن مات سنة 902هـ، ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك، وكان جنازته حافلة، ولم يخلفه بعد مثله في مجموع فنونه.
قال الشيخ جار الله ابن فهد رحمه الله عقب تلك الترجمة: إن شيخنا صاحب الترجمة حقيق بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، ولقد والله العظيم لم أر في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته أو شاهده، وهو عارف فقيه منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: إنه انفرد بفنه فطار اسمه في الآفاق، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، طار صيته شرقًا وغربًا شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، ولذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بالعلل، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح، والتعديل، وإليه يشار في ذلك. ولهذا قال بعض العلماء: لم يأت بعد الحافظ الذهبي أحد سلك هذه المسالك، ولقد مات فن الحديث من بعده وأسف الناس على فقده ولم يخلق بعده مثله انتهى، وولي تدريس الحديث في مواضع متعددة وعرض عليه قضاء مصر، فلم يقبله رحمه الله تعالى.
وقد سَمّى صاحب هدية العارفين نحوًا من 130 كتابًا من مؤلفاته.
وذكر الزركلي أن مؤلفاته تبلغ نحوًا من 200 كتاب.
ولعل من أهمها:
الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع
فتح المغيث شرح فيه ألفية العِرَاقِيّ في علوم الحديث
المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة
الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ.
عملنا : النسخ المعتمدة في التحقيق
وقد امتنَّ الله علينا في هذا العمل فوفَّق للوقوف على ثلاثة نسخ للكتاب.
النسخة الأولى منها تبلغ أعلى درجات النَّفاسة؛ لأنها:
كُتبت من قِبَل أجلِّ تلامذة المؤلِّف، وهو الإمام القسطلاني شارح البخاري.
وكتبها في عصر المؤلِّف وفي حياته.
وقرأها عليه كاملة في مجلسين.
وعليها خطُّ المؤلِّف، في أكثر من موضع.
وختمها بإجازة عامة بخط المؤلِّف لكاتبها.
بالإضافة إلى أنَّ كاتبها من علماء الحديث المختصين والعارفين.
لأجل ذلك كانت هذه النُّسخة هي النُّسخة الأصل المعتمدة في هذا العمل.
النسخة الثانية:
وشاركتها نسخة أخرى للكتاب تقترب من نفاسة النسخة الأولى؛ لأنَّ كاتبها هو الإمام القسطلاني رحمه الله أيضًا، وهذه النُّسخة كُتبت بعد وفاة شيخه المصنِّف، وظهر ذلك جليًا في ترحُّمه عليه في أكثر من موضع من هذه النُّسخة.
النسخة الثالثة:
وهي لا تقلُّ نفاسةً عن النسخة الثانية؛ لأنها كتبت بخطِّ تلميذٍ آخر من تلامذة الإمام السخاوي؛ فهي بخط الإمام الببليسي (937هـ)، وهذه النسخة كسالفتها كُتبت بعد وفاة شيخه، لوجود الترحُّم عليه في مواضع من النَّسخة.
وبعد مقابلة النُّسخ وجدتُ أنَّ النسختين الثانية والثالثة كتبتا عن أصل واحد لتطابق كبير بينهما وزيادات واحدة على النسخة الأصل، وإن كان بينهما تغاير صغير سببه سرعة النقل أو انتقال البصر.
وقد رمزت للنسخة الأصل بـ: (ط)، كما رمزت للنسخة الثانية بحرف: (ب)، ولنسخة الببليسي بحرف: (س).
النسخ الثلاثة كاملة لا يوجد فيها نقص يُذكر، إلَّا الكلمة والكلمتين، ويوجد في النسختين الثانية والثالثة سقط لسطر أو سطرين، وفيهما إضافات يسيرة على النسخة الأصل.
ولذلك اعتمدت النسخة الأولى المشار إليها بحرف (ط) واعتمدتها أصلًا، وأثبتُّ كل ما فيها، إلَّا إذا كان فيها وهم واضح صريح فأصححه من النسخ الأخرى وأشير إلى ذلك في الهامش.
وقابلت الأصل بالنسختين الثانية والثالثة وما اتفقا عليه من زيادة على الأصل وضعت ذلك في صلب الكتاب ضمن معكوفتين، وما تفردت به إحدى النسختين أو خالفت غيرها بينت ذلك في الهامش.

عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع


التصنيف الرئيسي : _
التصنيف الفرعي : _
اسم الكتاب : عمدة القاري والسامع في ختم الصحيح الجامع
اسم المؤلف الكامل : السخاوي شمس الدين محمد بن عبد الرحمن
تاريخ الوفاة : 902
دار النشر : دار الكمال المتحدة
تاريخ النشر : 1437
بلد النشر : دمشق
الطبعة : 1
المحقق : الدكتور محمد عيد منصور
الأجزاء : 1
حول الكتاب : بنى الإمام السخاوي كتابه على أربعة محاور، وفصَّل فيها القول، وهذه المحاور هي:
المحور الأول: خصَّصه للحديث عن حياة الإمام البخاري صاحب الصَّحيح، وشذرات من حياته وأخباره وحفظه ونبوغه، ووجوه أرجحيته على ((صحيح مسلم)).
المحور الثاني: رواية الإمام السخاويِّ بالأسانيد المتَّصلة المتعدِّدة لآخر حديث في صحيح البخاري، منه إلى النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم، وقد تفننَّ المصنِّف وأبدع في سرد هذه الأسانيد، وفصَّل فيها، وبيَّن طرق الرِّواية والتَّحويل والسَّماع والإجازة والمكاتبة وغيرها، وفيه قال ابن العماد الحنبلي:
إنَّه كان يروي صحيح البخاري عن أزيد من مائة وعشرين نفسًا.
وقد روى السخاوي هذا الحديث عن سبعة من شيوخه، من بينهم الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي قال فيه: وقُرِئَ... وأنا أسمعُ على شيخِنا رحمه الله شيخِ الإسلامِ منْ لم تَرَ عيني في مجموعِهِ مثلَهُ أبي الفضلِ العَسْقَلانيِّ رحمهُ اللهُ، وكانَ واللهِ نسيجَ وحدِهِ، وهوَ أجلُّ مَنْ أخذتُ عنهُ العلمَ والحديث.
المحور الثَّالث: خصَّصه لبيان الشَّرح والفوائد المتعلِّقة بآخر حديث في صحيح الإمام البخاري: «كلمتان خفيفتان على اللسان.... سبحان الله وبحمده»، ومعظمه مستفاد من كتاب شيخ شيوخه ابن ناصر الدين الدمشقي: ((التنقيح في فضل التسبيح)).
المحور الرابع: ما ساقه نقلًا عن شيخه الحافظ ابن حجر للحديث الأخير في كلِّ كتاب من كتب صحيح البخاري.
حول المؤلف : شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي. محدِّث ومؤرخ. أصله من سخا، قرية بمصر، وُلد بالقاهرة سنة 831 هـ
حفظ القرآن العظيم، وهو صغير وجوَّده، ثم حفظ المنهاج الأصلي، وألفية ابن مالك، والنخبة، وألفية العراقي، وشرح النخبة، وغالب الشاطبية، ومقدمة الشاوي في العروض، وكلما انتهى حفظه لكتاب، عرضه على شيوخ عصره.
برع في الفقه والعربية والقراءة وغيرها، وشارك في الفرائض والحساب والميقات وأصول الفقه والتفسير وغيرها.
أما مقروءه ومسموعه فكثير جدًا لا يكاد ينحصر، وأخذ عن جماعة لا يحصون حتى بلغت عدة من أخذ عنه زيادة على أربعمائة نفس. وأذن له غير واحد بالإفتاء والتدريس والإملاء، وسمع الكثير من الحديث على شيخه إمام الأئمة الشهاب ابن حجر، وأقبل عليه بكليته إقبالًا يزيد على الوصف حتى حمل عنه علمًا جمًا، واختص به كثيرًا بحيث كان من أكثر الآخذين عنه، وأعانه على ذلك قرب منزله منه، وكان لا يفوته مما يقرأ عليه إلا النادر، وقرأ عليه الاصطلاح بتمامه، وسمع عليه جلَّ كتبه كالألفية وشرحها مرارًا، وعلوم الحديث إلا اليسير من أوائله لابن الصلاح، وأكثر تصانيفه في الرجال وغيرها كالتقريب. وثلاثة أرباع أصله، واللسان بتمامه. ومشتبه النسبة. وتخريج الزاهر. وتلخيص مسند الفردوس. والمقدمة. وأماليه الحلبية. والدمشقية. وغالب فتح الباري، وتخريج المصابيح. وابن الحاجب الأصل، وتغليق التعليق، ومقدمة الإصابة، وجملة يطول تعدادها، وفي بعضه ما سمعه أكثر من مرة، ولم يفارقه إلى أن مات، وأذن له في الإقراء والإفادة والتصنيف.
جاب البلاد وجال، وجدَّ في الرحلة، فارتحل إلى حلب، ودمشق، وبيت المقدس، والخليل، ونابلس، والرملة، وحماه، وبعلبك، وحمص، بحيث أن الذي سمع عنهم يكونون قريب مائة نفر، بل زاد عدد من أخذ عنه من الأعلى والدون والمساوي على ألف ومائتين، والأماكن التي تحمل فيها من البلاد والقرى على الثمانين. واجتمع له من المرويات بِالسَّمَاْعِ والقراءة ما يفوق الوصف، وهي تتنوع أنواعًا تنيف على العشر حسبما ذكره مستوفي في ترجمته من تاريخه.
وأعلى ما عنده من المروي ما بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بالسند المتماسكة فيه عشرة أنفس، واتصلت له الكتب الستة، وكذا حديث كل من الشافعي، وأحمد، والدرامي بثمانية وسائط، وفي بعض الكتب الستة كأبي دَاْوُد من طريق آخر وأبواب في النسائي ما هو سبعة، واتصل له حديث مالك وأبي حنيفة بتسعة، وحج بعد وفاة شيخه ابن حجر مع والديه ولقي جماعة من العلماء، فأخذ عنهم كأبي الفتح الأعز، والبرهان الزمزمي، والتقي ابن فهد، وأبي السعادات ابن ظهيرة، وخلائق. ثم زار المدينة الشريفة، ورجع إلى القاهرة ملازمًا للسماع والقراءة والتخريج، والاستفادة من الشيوخ والأقران من غير فتور عن ذلك، ولم يزل يجتهد في السماع ويرحل إلى الأقطار حتى وصل إلى ما وصل إليه، وخصه بعض شيوخه على عقد مجلس الإملاء، فامتثل إشارته فأملى حتى أكمل تسعة وخمسين مجلسًا، ثم توجه إلى الحج في سنة سبعين فحج وجاور، وحدث هناك بأشياء من تصانيفه وغيرها، واقرأ ألفية الحديث تقسيمًا، وغالب شرحها لناظمها، والنخبة وشرحها، وأملى مجالس بالمسجد الحرام. ولما رجع إلى القاهرة شرع في إملاء تكملة تخريج شيخه للأذكار، ثم أملى تخريج أربعين النووي، ثم غيرها، بحيث بلغت مجالس الإملاء ستمائة مجلس فأكثر، وكذا حج في سنة خمس وثمانين، وجاور سنة ست ثم سنة سبع، وأقام منها ثلاثة أشهر بالمدينة النبوية. ثم في سنة اثنين وتسعين، وجاور سنة ثلاثة، ثم سنة أربع، ثم في سنة ست وتسعين، وجاور إلى أثناء سنة ثمان فتوجه إلى المدينة النبوية فأقام بها شهرًا وصام رمضان بها، ثم عاد في شوالها إلى مكة، ومكث بها ما شاء الله ثم رجع إلى المدينة وجاور بها إلى أن مات سنة 902هـ، ودفن بالبقيع بجوار مشهد الإمام مالك، وكان جنازته حافلة، ولم يخلفه بعد مثله في مجموع فنونه.
قال الشيخ جار الله ابن فهد رحمه الله عقب تلك الترجمة: إن شيخنا صاحب الترجمة حقيق بما ذكره لنفسه من الأوصاف الحسنة، ولقد والله العظيم لم أر في الحفاظ المتأخرين مثله، ويعلم ذلك كل من اطلع على مؤلفاته أو شاهده، وهو عارف فقيه منصف في تراجمه، ورحم الله جدي حيث قال في ترجمته: إنه انفرد بفنه فطار اسمه في الآفاق، وكثرت مصنفاته فيه وفي غيره، طار صيته شرقًا وغربًا شامًا ويمنًا، ولا أعلم الآن من يعرف علوم الحديث مثله، ولا أكثر تصنيفًا ولا أحسن، ولذلك أخذها عنه علماء الآفاق من المشايخ والطلبة والرفاق، وله اليد الطولى في المعرفة بالعلل، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، والجرح، والتعديل، وإليه يشار في ذلك. ولهذا قال بعض العلماء: لم يأت بعد الحافظ الذهبي أحد سلك هذه المسالك، ولقد مات فن الحديث من بعده وأسف الناس على فقده ولم يخلق بعده مثله انتهى، وولي تدريس الحديث في مواضع متعددة وعرض عليه قضاء مصر، فلم يقبله رحمه الله تعالى.
وقد سَمّى صاحب هدية العارفين نحوًا من 130 كتابًا من مؤلفاته.
وذكر الزركلي أن مؤلفاته تبلغ نحوًا من 200 كتاب.
ولعل من أهمها:
الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع
فتح المغيث شرح فيه ألفية العِرَاقِيّ في علوم الحديث
المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة
الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ.
عملنا : النسخ المعتمدة في التحقيق
وقد امتنَّ الله علينا في هذا العمل فوفَّق للوقوف على ثلاثة نسخ للكتاب.
النسخة الأولى منها تبلغ أعلى درجات النَّفاسة؛ لأنها:
كُتبت من قِبَل أجلِّ تلامذة المؤلِّف، وهو الإمام القسطلاني شارح البخاري.
وكتبها في عصر المؤلِّف وفي حياته.
وقرأها عليه كاملة في مجلسين.
وعليها خطُّ المؤلِّف، في أكثر من موضع.
وختمها بإجازة عامة بخط المؤلِّف لكاتبها.
بالإضافة إلى أنَّ كاتبها من علماء الحديث المختصين والعارفين.
لأجل ذلك كانت هذه النُّسخة هي النُّسخة الأصل المعتمدة في هذا العمل.
النسخة الثانية:
وشاركتها نسخة أخرى للكتاب تقترب من نفاسة النسخة الأولى؛ لأنَّ كاتبها هو الإمام القسطلاني رحمه الله أيضًا، وهذه النُّسخة كُتبت بعد وفاة شيخه المصنِّف، وظهر ذلك جليًا في ترحُّمه عليه في أكثر من موضع من هذه النُّسخة.
النسخة الثالثة:
وهي لا تقلُّ نفاسةً عن النسخة الثانية؛ لأنها كتبت بخطِّ تلميذٍ آخر من تلامذة الإمام السخاوي؛ فهي بخط الإمام الببليسي (937هـ)، وهذه النسخة كسالفتها كُتبت بعد وفاة شيخه، لوجود الترحُّم عليه في مواضع من النَّسخة.
وبعد مقابلة النُّسخ وجدتُ أنَّ النسختين الثانية والثالثة كتبتا عن أصل واحد لتطابق كبير بينهما وزيادات واحدة على النسخة الأصل، وإن كان بينهما تغاير صغير سببه سرعة النقل أو انتقال البصر.
وقد رمزت للنسخة الأصل بـ: (ط)، كما رمزت للنسخة الثانية بحرف: (ب)، ولنسخة الببليسي بحرف: (س).
النسخ الثلاثة كاملة لا يوجد فيها نقص يُذكر، إلَّا الكلمة والكلمتين، ويوجد في النسختين الثانية والثالثة سقط لسطر أو سطرين، وفيهما إضافات يسيرة على النسخة الأصل.
ولذلك اعتمدت النسخة الأولى المشار إليها بحرف (ط) واعتمدتها أصلًا، وأثبتُّ كل ما فيها، إلَّا إذا كان فيها وهم واضح صريح فأصححه من النسخ الأخرى وأشير إلى ذلك في الهامش.
وقابلت الأصل بالنسختين الثانية والثالثة وما اتفقا عليه من زيادة على الأصل وضعت ذلك في صلب الكتاب ضمن معكوفتين، وما تفردت به إحدى النسختين أو خالفت غيرها بينت ذلك في الهامش.