تقييد المهمل وتمييز المشكل

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله رَبِّ العالَمين، والعَاقبةُ للمُتَّقِين، وصلَّى الله علَى مُحمَّدٍ خاتَمِ النَّبيِّين، وعلى أَهلِهِ الطَّاهِرين، وعلَى أزواجِه أُمَّهاتِ المؤمنين، وسَلَّم تَسليمًا.
أمَّا بَعدُ يَرحمُكَ اللهُ:
فإنَّكَ سَأَلتَني أنْ أَجمعَ لكَ ما اشتَبهَ عَلَيكَ مِمَّـا يَأتَلِفُ خَطُّه، ويَختِلفُ لَفظُه مِن أَسماءِ الرُّواةِ وكُنَاهُم وأَنسابِهم مِن الصَّحَابةِ والتَّابِعِينَ، ومَن بَعدَهم مِن الخَالِفِينَ، مِمَّن ذُكِر في الكِتَابَينِ «الصَّحِيحَينِ» في السُّنَن المُسْنَدَةِ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تَصنيفِ أَبي عَبدِ اللهِ مُحمَّدِ بنِ إِسمَاعِيلَ البُخَاريِّ الجُعْفِيِّ، وأبي الحُسَين مُسلِم بنِ الحَجَّاجِ النَّيْسَابُوْريِّ ثُمَّ القُشَيْريِّ رحمهما الله، وأُقَيِّدَ ما الْتبَسَ عليكَ في هذه الأَسماءِ والكُنَى والأَنسابِ بِتَقْيِيْدٍ يَحفَظُه من الإشكالِ في الخطِّ، ويُخرِجُه عن الإهمالِ بالتَّشْكِيلِ والنَّقْطِ، وأن أُمَيِّزَ بينَ مَن تَتَّفِقُ أسماؤُهم وأسماءُ آبائِهم أوْ كُنَاهُم، مع تَقارُبِ أعْصَارِهِم مِمَّن خُرِّجَ عنه فيهما، وأنْ أذكُرَ الأوهامَ الَّتي في الأَسانيدِ الَّتي العُهْدَةُ في أكثرِها على نَقَلةِ الكِتَابَينِ، وأُبيِّنَ وجهَ الصَّوابِ في ذلكَ.
وذَكَرتَ أنَّ البُخاريَّ رُبَّما حَدَّثَ عن شيوخٍ في «الجامِع الصَّحِيح» ولم يَنْسُبْهم؛ فأَحبَبْتَ أن تَقِفَ على أَسمائِهم مَنسُوبِينَ مُعرَّفِينَ.
فأَجَبْتُكَ إلى ذلكَ كُلِّه، مُستَعينًا بالله عزَّ وجلَّ على بيانِ ما رَغِبْتَ فيه؛ رَجاءَ ثَوَابِه، ولِمَا أَخَذَه الله تَعَالَى علَى العُلَماءِ: {لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، ولِمَا رُوِي عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَنْ سُئِلَ عَن عِلْمٍ فكَتَمَه؛ أُلْجِمَ يومَ القيامةِ بلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»، ولِقَولِه صلى الله عليه وسلم: «يَنقَطِعُ عَمَلُ المَرءِ بعدَهُ، إلَّا مِن ثَلَاثٍ: صَدَقةٌ جاريةٌ، أَو عِلمٌ يُنتفَعُ به، أَو وَلَدٌ صالحٌ يَدعُو لَه».
ثُمَّ إنِّي شَفَعْتُ إسعافَ ما رَغِبْتَ فيه بأَنْ ذَكَرتُ لكَ في آخِرِ الكِتابِ مَن شُهِرَ بلَقَبٍ وعُرِفَ به ممَّن رُوِيَ عنه في الكِتابَينِ «الصَّحِيحَين»؛ ليَكُونَ ذلكَ زائدًا في فائدةِ الكِتاب.
جَعَلَنا اللهُ ممَّن يَنطِقُ بالصَّوابِ ويَعملُ به، ونَفَعَنا بما عَلَّمنا؛ برَحمتِه. ص2
- حدَّثَنا أَبو عُمَرَ يُوسُفُ بنُ عَبدِ الله بنِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ رحمه الله؛ قال: حَدَّثَنا خَلَفُ بنُ القَاسِم الحافظُ؛ قال: حدَّثَنا أَبو المَيمُونِ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَبدِ الله بن رَاشِدٍ البَجَليُّ الدِّمَشْقيُّ؛ قال: حدَّثَنا أبُو زُرْعَةَ عَبدُ الرَّحمنِ بنُ عَمْرٍو الدِّمَشْقيُّ؛ قال: سَمعتُ عَفَّانَ بنَ مُسلِمٍ يَقولُ: سَمِعتُ حَمَّادَ بنَ سَلَمةَ يقولُ لأَصحابِ الحَدِيثِ: وَيْحَكُمْ؛ غَـــيِّرُوا _ يَعني: قَيِّدُوا واضْبِطُوا_! قَالَ أَبو زُرْعَةَ: ورَأَيتُ عَفَّانَ بنَ مُسلمِ يَحُضُّ أَصحابَ الحديثِ على الضَّبطِ والتَّقييدِ؛ ليُصَحِّحُوا إذا أَخَذوا عنه.
قال أبو زُرْعَةَ: ورَأَيتُ أبا مُسْهِرٍ يَكرَهُ للرَّجُلِ أَنْ يُحدِّثَ إلاَّ أَنْ يَكونَ عالمًا بما يُحدِّثُ، ضَابِطًا له.
وَيُروَى أَنَّ وَكيعَ بنَ الجَرَّاحِ كَانَ يَقُولُ لأَصحابِ الحَديثِ: احْفَظُوا؛ عِيسَى الحَنَّاطُ، وسَالمٌ الخيَّاطُ، ومُسلِمٌ الخَـبَّاطُ.
وَقَال أَحمَدُ بنُ حَنْبَلٍ رحمه الله: كان عَفَّانُ بنُ مُسلِمٍ وبَهْزُ بنُ أَسَدٍ وحَبَّانُ بن هِلَالٍ _ بفَتحِ الحاءِ_ أَصحابَ الشَّكْلِ والتَّنْقِيطِ. يَمدَحُهم بذلكَ، ويَذكُر نُبْلَهم.
ورُوِيَ عن عَبدِ الله بنِ إِدْرِيسَ الأَوْدِيِّ الكُوفيِّ؛ قال: لمَّا حَدَّثّني شُعْبَةُ بحديثِ بُرَيْدِ بنِ أَبي مَرْيمَ عن أبي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ، عن الحَسَن بنِ عَليِّ كَتبتُ أَسْفَلَه: «حُوْر عِيْن»؛ لِئَلَّا أَغْلَطَ.
- [قُلتُ]: اسمُ أبي الحَوْرَاءِ هذا رَبِيْعَةُ بنُ شَيْبَانَ.
- وَأَخبَرَنا أَبو عُمَرَ النَّمَريُّ؛ قَالَ: حدَّثَنا خَلَفُ بنُ أَحمَدَ بنِ عَبد الرَّحمنِ بنِ هَاشِمٍ _ يُعْرَف بابنِ أَبي جَعْفرِ الأُمَويِّ_ قال: حدَّثَنا أَبو عُمَرَ أَحمَدُ بنُ سَعِيدِ بنِ حَزْمٍ الصَّدَفِيُّ؛ قال: حدَّثَنا أَحمَدُ بنُ خَالدٍ؛ قال: حدَّثَنا مَرْوَانُ بنُ عَبدِ المَلِكِ؛ قال: حدَّثَنا أَبو الطَّاهِرِ؛ قال: حدَّثَنا بِشْرُ بنُ بَكْرٍ، عَن الأَوْزَاعِيِّ؛ قالَ: سَمِعتُ ثَابِتَ بنَ مَعْبَدٍ يَقُولُ: نُوْرُ الكِتَابِ العَجْمُ.
- وَقَرأتُ علَى أَبي عُمَرَ النَّمَرِيِّ: حَدَّثكم أبو مُحمَّدٍ عَبدُ الغَنيِّ بنُ سَعيدٍ الأَزْدِيُّ _ فيما كتَبَ به إِلَيكم؛ فَأقَرَّ به_ قال: سَمِعتُ أبا عِمرانَ مُوسَى بنَ عِيسَى الحَنِيْفِيَّ؛ قال: سَمِعتُ أبا إِسحاقَ إبراهِيمَ بنَ عِبدِ اللهِ النَّجِيْرَمِيَّ يَقُولُ: أَوْلَى الأَشياءِ بالضَّبْطِ أَسماءُ النَّاسِ؛ لأنَّه لا يَدخُلُه القِياسُ، ولا قَبلَه شَيءٌ يَدُلُّ علَيه، ولا بَعدَه شيءٌ يَدُلُّ عليه.
- وذَكَر أَبو أَحمَدَ الحَسَنُ بنُ عَبدِ الله بنِ سَعِيدٍ العَسْكَرِيُّ؛ قال: أَخبَرَنا أَبو مُحمَّدٍ يَحيَى بنُ مُحمَّدِ بنِ صَاعِدٍ؛ قال: حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ يَحيَى الأُرُزِّيُّ؛ قال: سَمِعتُ عَلِيَّ بنَ المَدِيْنيِّ يَقُولُ: أَشَدُّ التَّصحِيفِ التَّصحِيفُ ص3 في أَسماءِ الرِّجَالِ. قَال عَليٌّ: وَكَانَ شُعْبَةُ يُخْطِىءُ في أَسمَاءِ الرِّجَالِ.
- [قُلتُ]: وَأَنا الآنَ أَبْتَدِي بجَمْعِ ما سَأَلتَ عَنهُ وتَبيِينِه، ورَفْعِ ما فيه مِن الإِشكالِ بعونِ الله تعالَى، وتَألِيفِه بابًا بابًا، وأَذكُرُ الأسماءَ على حُرُوفِ المُعْجَمِ؛ لِيكُونَ أَسهلَ علَى مَن طَلَب فِيه مَعنىً أَو اسْمًا، بَعدَ أَنْ أَذكُرَ جُملةً كافيةً مِن أَخبارِهما وفَضَائِلهما، وشهادةِ الأئمَّةِ من أهلِ عَصْرِهما لهما بالحِفظِ والإتْقَانِ والتَّقدُّمِ في المعرفةِ بالصِّنَاعةِ، ثُمَّ أَذكُرُ أَسَانيدي في الكِتَابَيْنِ «الصَّحِيحَينِ» إلى البُخاريِّ ومُسلِمٍ رحمهما الله.