الفوائد الدراري في ترجمة الإمام البخاري

المقدمة

          ♫
          وبه نستعين
          الحمدُ لله العالم بجميع الأشياء جملة وتفصيلاً، الهادِي إلى الصِّراط المستقيم فلا يضلُّ من سلكه سبيلاً، والصَّلاة والسَّلام على نبينا محمَّد المرسلِ رحمةً للخلق كافَّة ومُرشداً ودَليلاً، وعلى إخوانهِ النَّبيين، وآله وأصحابه، ما دام التاريخُ بمعرفة الأنسابِ والأحوالِ كفيلاً.
          أمَّا بعدُ:
          فيقول العبدُ الفقير إلى مولاه الفتاح، إسماعيل العَجْلوني بن محمد جرَّاح:
          قد التمسَ مني بعضُ أرباب الفضلِ من أصدقاء الإخوان أن أفردَ برسالةٍ ترجمةَ الإمام البخاري عليه رحمةُ المليك الدَّيان، فأجبتُه لسؤاله، منفذاً لآماله؛ لتكون مَرجعاً عند الاحتياجِ إليها؛ لسهولةِ الأخذِ مما لديها، ولأنَّه / عند ذكر الصَّالحين، تنزلُ الرحمة من ربِّ العالمين.
          فقد روينا بسندنا إلى العارفِ الكبير سيدي الشيخ محيي الدِّين بن العَربي: أنه قال في كتابه ((الكوكب الدُّرِّي في مناقب ذي النُّون المصري))(1): جاء في بعضِ الآثار: ((عند ذكرِ الصَّالحين تنزلُ الرَّحمة))، قال: لأنَّ ذكرهم من ذكرِ الله، وهم الَّذين إذا رؤوا ذكرَ الله تعالى؛ كما صحَّ عن النبيِّ صلعم ، فهم لا يذكرونَ إلا به، ولا يضافون إلا إليه؛ إذ هم عبيدوا الاختصاصِ، الذين عبدوا الله على الصِّدق والإخلاص، فأصبَحوا لا يُعرفون إلا به، ولا يُقصدون إلا من أجلهِ، وهم الغياثُ للخلقِ، والقائمون بأمرِ الحقِّ؛ كما قال ذو النون:
مُرادون قد خُصُّوا وصفُّوا وطُيِّبوا                     فعاشُوا بروحِ الله في أعظمِ القدْرِ
رجالٌ أطاعُوا الله في كلِّ حالةٍ                     وما باشَروا اللَّذات يوماً من الدَّهر
أُناسٌ عليهم رحمةُ الله أُنزلتْ                     فظلُّوا سُكوناً في الكُهوف وفي القَفْر
يُراعون نجمَ الليل لا يَرقدُونه                     فباتُوا بإدمانِ التَّهجُّد والصَّبر
          انتهى.
          أعادَ الله علينا من بركاتهم، ونفَحنا بنفحةٍ من نفحاتهم.
          وقد لخصتُها من كتبٍ معتبرةٍ عديدة؛ كشروح ((صحيح البخاري)) السَّديدة، وكـ((المقدمة)) للحافظ ابنِ حجر، المشتملةِ على فوائد كعُقود الدُّرر، وكـ((تهذيب الأسماء واللغات)) و((شرح مسلم)) للنَّووي ذي الكرامات، وكـ((الطبقات الكُبرى)) للعلَّامة تاج الدين بن / الإمام السُّبكي تقي الدين. وسمَّيتها:
          ((الفوائد الدَّراري في ترجمةِ الإمام البُخاري))
          أعادَ الله علينا من بركاتهِ، وسلكَ بنا مسلكَ سعاداتهِ، آمين.
          وهذا أوانُ الشُّروع في المراد، بعونِ ذي الطَّول والإمدادِ، فنقول:
          اعلم أنَّ هذه الرسالةَ تشتملُ على أربعة أبوابٍ، كلُّ واحد منها كثير الفوائدِ والاستيعاب:
          الباب الأول: / في بيان مولد الإمام البخاري، وبدء أمرهِ ونشأتهِ، وفي بيان نسبهِ ونسبتهِ، وغير ذلك مما يُناسب المقام من الفوائدِ النَّفيسة المتعلِّقة بذلك الإمام.
          الباب الثاني: في بيان رحلتهِ الواسعةِ، لأخذ العلمِ من الأقطار الشَّاسعة، وبيان شيوخهِ الكثيرين، ومَن أخذَ عنه من المشايخِ و(2)الطالبين، وفي بيان سَعَة حفظهِ، وسَيلان ذهنهِ، وفهمهِ الثاقبِ، وثناءِ الناس عليه بالعلم والحفظِ والزُّهد، وغيرها من المآثرِ والمناقبِ.
          الباب الثالث: فيما ورد في أهلِ الحديثِ، ومنهم البخاري السَّاعي سعيهُم بالسَّير الحثيثِ.
          الباب الرابع: في بيان تصانيفهِ المفيدةِ، وبيان اسمِ كتابه ((الجامع الصحيح)) وترجيحِهِ على غيره من تآليف البشرِ العديدةِ، وفي بيان شارحيهِ، وعددِ أحاديثِهِ، وفوائد أُخر شريفة؛ كالكلامِ على تراجمهِ، وعدد أبوابهِ، وغير ذلك من أبحاثٍ مُنيفةٍ.


[1] جاء في (ص) زيادة: ((أنه قال)) وشطب عليها في (ع) وهو الصواب.
[2] ((المشايخ و)): ليس في (ص).