الإمام البخاري أمير المؤمنين في الحديث

ومضات من حياة البخاري

ومضات من حياة البخاري
كان البخاريُّ مخلَصاً للعلم، وكان حافظاً نادرة في الحفظ، وكان كريماً أعجوبة في الكرم، وكان مجاهداً سبَّاقاً إلى الجهاد، وكان سرياً وكان غنياً، وكان صدراً في كلِّ شيء، وكان مع ذلك من أعبد العبَّاد وأزهد الزهًّاد، وأشدِّ المتواضعين، إنه أحد أعاجيب الرِّجال في تاريخ الإسلام العلمي.
وتاريخ المحدِّثين خاصَّةً حافلٌ بالرحلات والصَّبر، وبالإحاطة والحفظ، وبالتقوى والورع، وما منهم إلا من شارك في إقامة هذا البناء العظيم، الذي لا تعرف مثله أمةٌ في الدنيا، ولكن لم يبلغ أحد منهم ما بلغ البخاريَّ، حتى ولا (المحدِّث الأكبر) أحمدَ بن حنبل.
نعم ليس لأمة علم كعلم الحديث، وأيُّ أمة استطاعت أن تتتبَّع كل كلمة قالها نبيها أو زعيمها، وتبيِّن مسراها خلال العصور، ومن سمعها منه، ومن نقلها عنه، وما هو الطريق الذي مشت فيه، من شخص إلى شخص، لا في يوم أو يومين، بل في القرون الطوال، مع ما اضطرهم إليه من بحث أحوال الرجال، أمانةً وذاكرةً، وحسن معاملة وصلاح نفس، وسيرهم وتواريخهم؟
وإذا كنَّا نصدِّق أن نابليون خطب في (استرلتز)، وأن بسمارك قال كذا، ولم نعرف من سمع ذلك منه ومن رواه عنه، ولعله أُخِذ من جريدة كاذبة، أو مؤلِّف مبتدع، فكيف نطعن بحديث نقل هذا النقل المضبوط، بهذا السند المتصل، على قرب الزمان بين الرسول صلى الله عليه وسلم وهؤلاء المحدِّثين الأولين؟ إن علم الحديث من حيث السند _ وهو طريق الرواية _ قد بلغ من الكمال، ما لا زيادة عليه لمستزيد.
وأعود الآن إلى البخاري.
لقد سمعتم فيما مضى قصَّة فتح بخارى على يد القائد الكبير قتيبة، ولم يدخل المسلمون بخارى قط، ولكن بخارى دخلت في الإسلام، ولم تمضِ عليها مدة قصيرة، حتى صارت معقلاً من أعظم معاقله، وحصناً من أكبر حصونه، وبذلك يمتاز الفتح الإسلامي.
إنه ليس فتحاً للبلاد، ولا استعماراً لها، ولا حماية ولا وصاية ولا انتداباً، كل هذه أشكالٌ زائلة، ولكنَّه فتحٌ للقلوب وللبصائر، حتي يصير أهل البلاد المفتوحة أحرصَ على الدِّين وأخلصَ له من الفاتحين، وهذه أسرار الأخوة الإسلامية، وأنَّ المؤمن أخو المؤمن.
إنها بوتقة ذات حرارة عالية، تُذيب كلَّ عنصر وكل جنس، مهما كان معدنه شديداً قوياً، فتجعل من ذلك سبيكةً واحدة، هي أثمن وأغلى وأشدُّ تماسكاً وارتباطاً، من كل عنصر تألَّفت منه ودخل فيها.
وقد حاولت فرنسا أن تقلِّد فما أحسنت التقليد، أرادت أن تجعل الجزائريين فرنسيين، بإعطائهم الجنسية الفرنسية، ونسيت حقيقة ظاهرة، وهي أن العربيَّ لا يصير أبداً فرنسياً، ولكن الفارسيَّ والصينيَّ يصير مسلماً؛ لأن الفرنسية (جنسية) و(قومية) والإسلام عقيدة ودين.
لقد ولد الإمام البخاري بعد فتح بخارى بمئة سنة، وكان جده هو الذي دخل في الإسلام، ونشأ هو وأبوه من قبله، وجده من قبلهما في ظلال الإسلام، وكان أبوه غنياً، ترك له مالاً جزيلاً، وأورثه تجارة واسعة، فكان يضارب بها، لا المضاربة في (البُرْصات) بإصطلاح اليو م، بل شركة المضاربة بالعرف الإسلامي، وهي أن يدفع الغني ماله لمن يتاجر به ويكونان شريكين، هذا بماله وذاك بعمله.
وأنا محدِّثكم عن أسلوبه في التجارة؛ لتروا كيف كان يطبق علمه على تجارته، ومبادئه على معاملته، لا كمن يدَّعي الدين والعلم بلسانه، ويكون عمله... ما نسأل الله من مثله العافية.
جاءته تجارةٌ، فأقبل التُّجَّار فدَفَعَ له جماعةٌ منهم خمسة آلاف دينار ربحاً، فقال لهم: انصرفوا حتى أفكِّر وأعطيكم الجواب، وجاءه بعدهم من دفع عشرة آلاف، قال: إني نويتُ أن أبيع أولئك، ولا أحبُّ أن أنقض نيَّتي، وباع بربح خمسة آلاف، وترك العشرة [1].
وكان يكرم العلماء، ويحبو السائلين، ولا يردُّ أحداً، ثم إنَّه كان يبني من ماله الرباطات والحصون والمدارس، ويدعو الناس إلى العمل فيها، وينصب لهم الموائد، فربَّما تغدَّى على مائدته ثلاثمائة رجل.
وبلغ من الجاه والعظمة منزلةً لم تبلغها الملوك، كلَّما نزل بلدة (وهو في رحلةٍ دائمة) يخرج أهل البلد عامَّتهم وخاصَّتهم وأمراؤهم ورعيَّتهم إلى استقباله من مسافة أميال، ويرتجُّ البلد فرحاً به، ويزدحم الكبار على بابه، ويتسابقون إلى سماع محاضراته والأخذ عنه.
وكان _ مع هذا كله _ زاهداً متقشِّفاً، مَرِضَ مرةً فعرضوا ماءه (أي بوله) على الطبيب لفحصه، وكانت هذه طريقة الفحص الطبيِّ عندهم، نعم من أكثر من ألف ومئتي سنة! فقال: هذا ماء رجل لا يأتدمُ. فسألوه، فقال: صحيح، إنِّي ما ائتدمتُ _ أي ما أكلتُ مع الخبز إداماً _ منذ عشرين سنة [2].
فأصرَّ الطَّبيب عليه، فصار يأكل مع الرغيف سُكَّرة.
أما تواضعه فكان أعجوبةً، وكان سباقاً إلى كلِّ خير، ألقى رجلٌ وسخاً في المسجد، فانتظر البخاريُّ حتى إذا رأى الناس لا يبصرونه، قام فحمل الوسخ، وألقاه خارج المسجد.
وأغضبته جاريةٌ مرةً، ولم تقبل أن تترضاه، فقال: إن لم تترضني، فأنا أُرضي نفسي، فأعتقها، وقال: الآن أرضيت نفسي.
وَلَدَغَهُ زنبورٌ مرَّة وهو يصلي مرات كثيرة، فلم يترك الصلاة، حتى إذا انتهت، قال: انظروا أي شيءٍ آذاني في صلاتي!
وكان مع هذا جندياً محارباً، بطلاً في الرَّمي، يخرج للتدريب مع تلاميذه، فلا يخيب له هدفٌ.
تسألون الآن عن علمه؟!
لقد بدأ يحفظ الحديثَ وهو في الكتَّاب، ابنَ عشر سنين، وكان أول أستاذ له (الداخلي)، فسمعه البخاريُّ مرَّةً يروي عن سفيان عن أبي الزُّبير عن إبراهيم، فقال له: ما هكذا، إن أبا الزبير لم يروِ عن إبراهيم.
قال الداخلي: وما يدريك أنت يا غلام؟ قال: ارجع إلى الكتاب. فرجع فإذا هو كما قال البخاري، قال له ليمتحنه: وكيف هو؟ قال: الزبير عن إبراهيم. كان عمره إحدى عشرة سنة.
وقرأ كتب أهل الرأي مع سماعه الحديث. ثم رحل في طلب العلم.
وإذا كان الشاب اليوم يرحل بالطيارة أو الباخرة إلى أوربا، فإنَّ رحلات البخاري لو جمعت لزادت عن محيط كرة الأرض مرتين [3].
قضى حياته في رحلاتٍ دائمة، فلم يدعْ محدِّثاً ولا عالماً إلا أخذ منه ما عنده، حتى بلغ من أخذ عنه أربعة آلاف شيخ! [4].
وكان يرحل لطلب الحديث الواحد، حتَّى جمع في هذه الذَّاكرة العجيبة ما عند المحدِّثين جميعاً، وكان يعيش للعلم يفكِّر فيه نهاره كله، ويفكّر فيه ليله، يقوم في اللَّيل يُشعل السِّراج ويكتب شيئاً، أو يعلِّم على حديثٍ، ثم ينام قليلاً، ثمَّ يخطر له خاطرٌ جديد فيقوم، حتَّى إنَّه ليشعل السِّراج في اللَّيلة الواحدة أكثر من عشرين مرَّة.
وقد أجمع علماء عصره على أنه الأستاذ الأكبر لعلم الحديث، وكان أساتذته يرجعون إليه، ويعرضون عليه مؤلَّفاتهم، وقد يفخرون بأنَّه نظر فيها، أو صحَّح لهم أخطاءها ولم يكونوا يبالون بأن يأخذوا عمن كان تلميذهم؛ لأن غايتهم العلم، لا حظّ النفس ولا نيل الدنيا.
وقد تعجبون إذا سمعتم أنه حفظ مليون حديث، وتقولون: وكيف تبلغ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا العدد؟
يا سادة: لقد وقع في هذا الخطأ مؤلِّف من أكبر مؤلِّفي العصر هو أحمد أمين في (فجر الإسلام)، وسبب هذا الخطأ الجهلُ باصطلاح المحدِّثين، إن الحديث له متن، وهو الكلام المرويُّ عن الرَّسول صلى الله عليه وسلم .
وسند، وهو طريق انتقاله إلينا عن فلان عن فلان، وقد يكون للمتن الواحد عشرون سنداً، فيعدّ بذلك عشرين حديثاً، فمن هنا جاء هذا العدد الضخم.
وها كم حادثاً واحداً يدلُّكم على ذاكرة البخاري العجيبة، هو أنَّه لمَّا قدم بغداد في شبابه، أحبّ بعض المحدِّثين أن يختبروا حفظه، فعمدوا إلى مئة حديث، فخلطوا متونها بأحاديثها، فوضعوا سند هذا لذاك، وسند ذلك لهذا، وجاؤوا بعشرة تلاميذ فحفَّظوا كلّ واحدٍ عشراً من الأحاديث (المشوَّشة) ليسألوه عنها. فلمَّا قعد في الحلقة، قام الأول فقال: أتعرف حديث كذا؟ وسرد الحديث الأول قال: لا أعرفه، قال: فحديث كذا...؟ حتَّى استوفى العشرة.
ثم قام الثاني، وهكذا حتى سردوا الأحاديث المئة، وهو يقول: لا أعرفه، فلمَّا انتهوا، قال: أما الحديث الأول فروايته كذا، وصوابه كذا... حتَّى أعاد المئة بخطئها وصوابها...
وهذه حادثة ثابتة، وهي من أعجب حوادث الحفظ، وليس العجيب حفظ المئة الصحيحة، ولكن العجيب (كما يقول الإمام ابن حجر) حفظ المئة المغلوطة من مرة واحدة.
عرض هذه الأحاديث كلها، ثم اختار منها أصلحها وأثبتها، فوضعه في كتابه، الذي بدأه في المسجد [النبوي]، وبقي في تأليفه ست عشرة سنة، والذي جمع فيه (7261) حديثاً فقط.
هذا هو (صحيح البخاري) الذي اتفق المسلمون على أنه أصحُّ كتاب بعد كتاب الله _ وإن فضَّل بعضُ المغاربة صحيح مسلم في حسن تبويبه وترتيبه _ والذي اعتُني به أجلَّ عناية فشُرِح ثلاثة شروح كبار [5]، أجلُّها شرح ابن حجر العسقلاني في (فتح الباري)، ثم شرح العيني، ثم شرح القسطلاني، والذي اختُصر في مختصرات عديدة، وما زال العلماء يشتغلون به.
ولم يدخل البخاري حديثاً فيه، إلا بعد الاستخارة وصلاة ركعتين. وليست المنفعة بالبخاري أن يقرأ بلا فهم، أو يوضع في صدر البيت لئلا يُحرق أو يُسرق، ولا للتبرك به، فهذا فعل السُّخفاء، بل بفهمه، والاستنباط منه، والعمل به.
ولم ينجُ البخاريُّ من (المحنة) محنة خلق القرآن، ولقد ناله منها أذى وضر، وفارق من أجلها بلده، ومات في سمرقند، التي فتحها قتيبة، ليلة عيد الفطر، سنة 256هـ. مات، ولكن لم يمت اسمه، ولم يمت كتابه، وسيظل أبداً باقياً، ما بقي على الأرض مسلمون.
جزاه الله عن حديث نبيه صلى الله عليه وسلم أفضل ما يجزي العلماء العاملين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


[1] هذا ورع منه ، ولو فعل الفعل الآخر ما كان حراماً.
[2] وهو الذي يغدي على مائدته الثلاثمئة!.
[3] يبدو أن هذا للتكثير، وأراد منه سعة رحلات الإمام البخاري وقطعه لمسافات طويلة جدًا. (المراجع).
[4] ذكروا في ترجمته أنه أخذ عن 1080شيخاً (المراجع)
[5] كذا قال: وقد شرح صحيح البخاري بما يزيد عن 100 شرح. (المراجع).