شرح أول حديث في صحيح الإمام البخاري

حديث: إنما الأعمال بالنيات

(حدَّثنا الحميديُّ): وهو أبو بكر، عبد الله بن الزبير بن عيسى، القرشيُّ المكيُّ، الثقة الحافظ الحجة، صاحب المسند، وأجلُّ أصحاب ابن عيينة، قال الحاكم: كان البخاريُّ إذا وَجَد الحديثَ عنده؛ لا يعبره إلى غيره.
(قال: حدَّثنا سفيان): المراد به ابن عيينة بن أبي عمرو ميمون الهلالي، أبو محمد الكوفيُّ، المكيُّ، التابعيُّ، الثقة، الحافظ، الفقيه، الإمام، الحجة، أحد مشايخ الشافعيِّ، والمشارك لمالك في أكثر شيوخه، وعاش بعده عشرين سنة. (قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد): أي: ابن قيس (الأنصاريُّ)، المدنيُّ، التابعيُّ الصغير، المشهور، أبو سعيد، قاضي المدينة، الثقة، الثبت. (قال: أخبرني محمد بن إبراهيم): بن الحارث بن خالد (التيمي) تيم قريش، أبو عبد الله، المدنيُّ، الثقة، من أواسط التابعين: (أنَّه سمع علقمة بن وقاص الليثيَّ): المدنيَّ، الثقة، الثبت، من كبار التابعين، وأخطأ من زعم أنَّ له صحبة، توفي بالمدينة في خلافة عبد الملك بن مروان، (يقول: سمعت عمر بن الخطاب): ابن نفيل القرشيَّ، العدويَّ، أمير المؤمنين، وثاني الخلفاء الراشدين (على المنبر) النبويِّ المدني (قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما): أداة حصر عند المحققين، وأصلها: «إنَّ» التوكيدية، دخلت عليها «ما» الكافة، وهي حرف زائد، خلافًا لمن زعم أنَّها «ما» الزائدة، وهي هنا لتأكيد الحصر؛ لأنه مستفاد من عموم المبتدأ أو خصوص الخبر؛ على حدِّ: صديقي زيد، ويجوز أن تكون للحصر الذي هو إثبات الحكم للمذكور [1] ونفيه عما عداه، ولا حجة في اجتماع الأدلة على مدلول واحد، كما في «شرح المفتاح» للشريف.
(الأعمال): جمع عمل، بالألف واللام، مفيد للاستغراق، مستلزم للحصر، من حصر المبتدأ في الخبر، ويعبِّر عنه البيانيون بقصر الموصوف على الصفة، وربما قيل: قصر المسند إليه على المسند، ومعناه: كلُّ عملٍ عُمِل بنية، فلا عمل إلا بنية؛ لأن الجمع إذا قوبل بجمع يُحمَل على التوزيع، وجمع (عمل)؛ وهو حركة البدن الظاهر كلًّا أو بعضًا، فيشمل الأعمال البدنية المطلوبة من العبد كلها؛ أصغرها وأكبرها، قليلها وكثيرها، فرضها ونفلها، وكون الضمير المعية؛ خلافًا لمن وَهِمَ فقيَّد بأعمال المكلفين، ويخرج عنه المباحات والأعمال العادية؛ لأنه لا معنى لطلب النية فيها؛ لكونه لا يُتقرَّب بها إلى الله، إلا أن يقصد بها أمر مطلوب، فلا بدَّ من النية لتحصيل الثواب، وكذا يخرج عنه النواهي والتروك؛ لأن الإنسان يخرج عن عهدتها وإن لم يشعر بها، لكن حصول الثواب فيها يحتاج إلى القصد، ويخرج عنه أيضًا أفعال القلوب المطلوبة؛ كالنية ومعرفة الله وتعظيمه وما أشبه ذلك؛ لأنها ليست من أعمال الجوارح الظاهرة، وهي متميزة بنفسها، فلا تحتاج لنية، ويستثنى من عموم ما يدخل فيه الأوامر التي صورة فعلها كافية في تحصيل المقصود منها؛ كردِّ الودائع، وأداء الديون، والنفقات على الزوجة والأقارب، والأعمال البدنية التي لا لبس فيها؛ لعدم وقوعها عادة؛ كالأذكار، وقراءة القرآن؛ لأنها متميزة له تعالى، فلا تحتاج لنية لصراحتها، إلا لغرض الإثابة، وأمَّا إزالة النجاسة؛ فالأكثرون على أنها من قبيل المتروك، فلا تحتاج إلى نية.
ثمَّ ظاهره أنَّ ذوات الأعمال إنما توجد بنية، وأنَّها منتفية عند عدمها، قيل: وهذا الظاهر متروك؛ لأنَّ ذوات الأعمال موجودة في الخارج مطلقًا، كانت النية أو لم تكن، وإنَّما المراد: نفي أحكامها المتعلقة بوجودها؛ كالصحة ونحوها، وعليه: فمنهم من
ص6
قرر الصحة أو ما هو في معناها، إمَّا في المبتدأ، وإما في الخبر؛ أي: إنَّما صحة الأعمال كائنة بالنيات، أو إنَّما الأعمال صحيحة أو مجزئة، ومنهم من قرر الكمال؛ أي: إنَّما كمال الأعمال، أو الأعمال الكاملة، ونسبه للحنفية فيه، والأوَّل أولى؛ لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة من الكمال، وما كان أكثر لزومًا للشيء؛ كان أقربه خطورًا بالبال عند إطلاق اللفظ، فيكون الحمل عليه أولى، وأيضًا فهذا التقدير يوهم عدم اشتراط النية في العبادات كلها، مع أنَّ الخلاف إنَّما هو في الوسائل كالوضوء؛ لأنه مقصود لغيره لا لذاته، وكالتيمم، وأمَّا المقاصد؛ فلا خلاف في اشترط النية فيها.
ومنهم من جعل المقدر «القبول» على نحو ما تقدَّم، وفيه: أنَّ القبول إن قلنا: إنَّه لازمٌ للصحة؛ فهو كتقديرها، وإن قلنا غير لازم؛ فهو كتقدير الكمال، والأوجه _كما قاله جماعة من المحققين كابن زكريا وغيره_ عدمُ تقدير شيء من هذا؛ لأنَّ حذفَ المضاف _وإن كان كثيرًا_ خلافُ الأصل، وحذف الكون الخاصِّ قليل بالنسبة لحذف الكون المطلق، بل يمتنع إذا لم يدلَّ عليه دليل.
وحينئذ فيقدر المتعلق الذي هو الخبر في الحقيقة كونًا مطلقًا على ما هو الأكثر والأغلب، ويكون المراد بالأعمال: الحقائق الشرعية، لا الصور المرئية، والمعنى: إنَّما حقائق الأعمال الشرعية كائنة وموجودة بالنيات، لا بدونها، فالصلاة مثلًا بلا نية حركة مخصوصة لا صلاة، والإمساك في جملة النهار بلا نية إمساك لا صيام، وهكذا، فالنية هي التي تحقق الحقائق؛ أي: توقعها في أفراد الصور؛ كالسجود لله وللصنم شيءٌ واحد في الصورة، وكان هذا عبادة، وهذا كفرًا بالنية.
(بالنيات): الباء فيه: تحتمل المصاحبة؛ أي: مصاحبة لها، وقال ابن قرقول: للسببية؛ أي: بسببها، وقيل: يظهر أثر ذلك في أنَّ النية شرط خارج عن ماهية العمل على أنها للمصاحبة؛ لأنَّ الشرط خارج عن الماهية، مصاحب لها، أو ركن من أركانه وجزء من ماهيته على أنَّها للسببية، فتكون جزءًا من العبادة، والأول هو الأشبه عند الغزاليِّ، والثاني الأظهر عند الأكثرين، والحق: أنَّ كلًا من المصاحبة والسببية صادقٌ مع الشرطية ومع الركنية؛ فليتأمل.
وقيل: إنَّها للاستعانة، واقتصر عليه الكرمانيُّ.
ثمَّ هي جمع نيَّة _بتشديد الياء، وتخفَّف في بعض اللغات_ وهي لغةً: توجه القلب نحو الشيءِ مطلقًا، وشرعًا: توجهه نحو الشيءِ، يقصد بما يفعله ابتغاء وجه الله وامتثالًا لأمره، فهي من باب العزم والإرادات، لا من باب العلوم والاعتقادات، وهذه هي حقيقتها.
وحكمها: الوجوب، وحكمتها: تمييز العادات من العبادات، حتى يتميز ما هو لله عمَّا ليس له، وتتميز مراتب العبادات في أنفسها، بعضها عن بعض، فيتميز الواجب من غيره.
ومحلها: القلب على ما عليه أكثر المتشرعين وأقلُّ الفلاسفة، وقيل: الدماغ، وهو مذهب بعض المتشرعين وأكثر الفلاسفة.
ووقتها: وقت إرادة الشروع في العبادة.
وكيفتها: تختلف بحسب المنوي.
وشرطها: إسلام الناوي، وتمييزه، وعدم إتيانه بما ينافيها بأن يستصحبها حكمًا، ومقارنتها للمنوي إلا ما استثني؛ كالصوم، فإنه لا تشترط فيه المقارنة؛ للمشقة، وكالزكاة في الوكالة على إخراجها، وكون المنوي محقق الوجوب أو مظنونه لا مشكوكه، ومن كسب الناوي أو تابعًا لما هو من كسبه؛ كالوجوب في صلاة الفرض، والندب في صلاة الضحى مثلًا، فإنَّهما غير مكتسب للعبد، ولكنهما تابعان للأفعال التي يأتي بها، وهي مكتسبة.
والتي تطلب فيه البدنية الظاهرة التي يطلب فعلها من المكلَّف، وليست صورة فعلها كافية في تحصيل المقصود منها، ويلتبس فعلها بفعل غيرها من العادات، كالصلوات، والطهارات، والصيام، والنسك، دون المباحات، والأعمال العادية؛ لأنَّه لا يتقرب بها إلى الله، فلا
ص7
معنى لطلب النية فيها، إلا أن يقصد بها أمر مطلوب، فلا بدَّ حينئذٍ من النية ليحصل الثواب، ودون النواهي والتروك؛ لأنَّ الإنسان يخرج من عهدتها وإن لم يشعر بها، فضلًا عن القصد إليها، إلا أنَّ حصول الثواب في تركها لا بد فيه من القصد، ودون الأوامر التي تكون صورة فعلها كافية في تحصيل مصلحتها؛ كأداء الديون والودائع، ونفقات الزوجات والأقارب، فإنَّ المقصود من هذه الأمور انتفاع أربابها، وذلك لا يتوقف على قصد الفاعل، فيخرج الإنسان من عهدتها وإن لم ينوها، ودون الأوامر التي لا لبس فيها؛ لتميزها بنفسها، وعدم وقوعها عادةً، فلا تحتاج إلى نية، كنية الإيمان بالله، وتعظيمه، ومعرفته، والخوف من عذابه، والرجاء لثوابه، والتوكل عليه، والمحبة لجماله، ونحوها من أفعال القلوب المطلوبة؛ كالتسبيح، والتهليل، والأذان، وقراءة القرآن، وسائر الأذكار، فإنها متميزة بجنابه تعالى، فلا تحتاج إلى نية؛ لصراحتها للغرض الإثابة.
(وإنَّما لِكُلِّ امرئٍ) أي: رجل (ما نوى)؛ أي: الذي نواه من خير أو شر، أو جزاء نيته، وكذا لكلِّ امرأة ما نوت؛ لأنَّ النساء شقائق الرجال.
ثمَّ إنَّ «إنَّما» للحصر، وتقديم الخبر على المبتدأ يفيد الحصر أيضًا، وهو هنا من حصر الخبر في المبتدأ، أو يقال: من قصر الصفة على الموصوف، والمسند على المسند إليه، عكس الجملة الأولى.
وفائدة هذه الجملة بعد قوله: «إنَّما الأعمال بالنيات»: قال القرطبيُّ: التوكيد، فذكر الحكم بالأولى، وأكَّده بالثانية، تنبيهًا على شرف الإخلاص، وتحذيرًا من الرياء المانع من الاختصاص، لكن يَرِدُ عليه: أنَّ الإفادة خير من الإعادة.
وقال الخطابيُّ: إفادة اشتراط تعيين المنوي، فلا يكفي في الصلاة اشتراط نيتها من غير تعيين، بل لا بد من تمييزها بالظهر أو العصر مثلًا، وكأنَّه استنبطه من (ما) الموصولة؛ لأنَّها من المعارف المفيدة للتعيين، وفيه بحثٌ؛ لأن َّالتعيين يمكن أن يستفاد من الجملة الأولى أيضًا بجعل «أل» في «الأعمال» للعهد؛ لأنَّها موضوعة له، كما اختاره صاحب «المفتاح»، والمعهود بالأعمال المعينة؛ وهي الطاعات.
وقال ابن عبد السلام: بيان توقُّف الثواب على النية، وفائدة الأولى بيان توقف الصحة عليها، ورُدَّ بأنَّه ينتفي أنَّ العمل له نيتان: نية بها يصح، ونية بها يثاب عليه؛ وهذا لا يصح.
وقال بعضٌ: إفادة منع الاستنابة في النية، فيكون التقدير: ثواب ما نواه هو دون ما نواه غيره، والأولى لا تفيد هذا، لكن يستثنى منه مسائل، فإنَّها واقعة على خلاف الأصل؛ كنية الحاكم في الزكاة إذا أُخِذت كرهًا، ونية ولي الصبي في الحج، ونحو ذلك؛ لمدارك تخصها.
وقال آخرون: إفادة أنَّ جزاء العمل على قدر النية، فيكون التقدير: وإنَّما لكلِّ امرئٍ مقدار ما نوى، دون ما لم ينوه، وتكون الجملة الأولى نبَّهت على أنَّ الأعمال لا تكون معتبرة إلا بنية، والثانية على أنَّ العامل يكون له من الثواب على قدر نيته، فإذا نوى بالفعل نية واحدة؛ كان له ثوابها، أو عشرين، أو مئة مثلًا؛ كان له ثوابها، أو نية عالية أو دنيَّة، فله ثواب ما نوى من قليل أو كثير، أو جليل أو حقير، وقد ذكروا: أنَّ فرض الكفاية؛ كالصلاة
ص8
على الجنازة، وسنة الكفاية؛ كالأذان والإقامة، إذا أراد فاعلهما إسقاط الحرج عن غيره من حاضري ذلك الموضع من المكلفين: أنَّه تكون له أجورهم وإن بلغت أعدادهم ما بلغت.
وقال السمعانيُّ في «أماليه»: إفادة أنَّ الأعمال العادية التي لا تتوقف على النية قد تفيد الثواب إذا نوى بها فاعلها القربة؛ كالأكل والشرب إذا نوى بهما التقوي على الطاعة، والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة، والوطء إذا نوى به السنة أو الولد أو التعفف عن الفاحشة، والتطيب إذا قصد به إقامة السنة، والتنظف إذا قصد به دفع الروائح المؤذية لعباد الله.
وقال بعضهم_ وهو القول السابع_: إفادة أنَّ من نوى شيئًا؛ يُكتَب له ثوابه وإن لم يعمله لمانع شرعي؛ كمريض تخلَّف عن الجماعة، والأحاديث الشاهدة له كثيرة.
ثمَّ إنَّه وقع في رواية الحميديِّ هذه إسقاط أحد وجهي التعميم، وهو قوله: (فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله؛ فهجرته إلى الله ورسوله)، وهو ثابت في روايات أخرى غير هذه الرواية، ومعناه: «فمن كانت هجرته»؛ أي: انتقاله من بلاد الكفر أو الجهر بالمعاصي والفواحش، أو العمل بالبدع المخالفة للسنة «إلى الله ورسوله» قصدًا و عزمًا؛ أي: ينوي نية وإرادة «فهجرته إلى الله ورسوله»: ثوابًا وأجرًا، وإن شئت؛ قلت: حكمًا وشرعًا؛ أي: قلت: في الدافع ونفس الأمر، وقيل: المعنى: فمن كانت هجرته لاتِّباع أوامر الله ورسوله وابتغاء مرضاتهما؛ فهجرته مقبولة عندهما، يثاب عليها بالثواب العظيم، والأجر الجسيم.
وذكر سيدي ابن عبَّاد في «شرح الحكم» أنَّ المعنى: فمن كان أصل هجرته وابتداؤها إلى الله ورسوله؛ فهجرته كلُّها إلى الله ورسوله، ولا يضرُّه ما يطرأ عليه بعد من العوارض، وهذا لأنَّ الشرط والجواب لابدَّ من تغايرهما؛ لأنهما إذا اتحدا؛ لا تحصل منهما فائدة.
قالوا: ومن الهجرة إلى الله ورسوله: الذهاب لحضور مجالس العلم، لاسيما مجالس قراءة الحديث، وسماع الأخبار النبوية وتفهمها، فمن كمال الإيمان أن يتلذذ ؟؟؟ بذلك، ويستحليه، ويجد له في قلبه موقعًا وحلاوة، ويعتقد أنَّه غنيمة العمر، وربح العيش، ويشكر الله على دفعه إليه، وإلهامه له، كما قيل: إذا أردت أن تعرف قدرك عنده؛ فانظر في ماذا يقيمك، ومن وجد خيرًا؛ فليحمد الله.
والموجود هنا في رواية الحميديِّ هو قوله: (فمن كانت هجرته) بظاهره وباطنه، أو بباطنه فقط مظهرًا خلاف ذلك (إلى دُنيا)؛ بضم الدَّال، وحُكِيَ كسرها: سائر المخلوقات الموجودة قبل الدار الآخرة، وقيل: الأرض مع الهواء والجو، وعليه فالسماوات وما فيها ليست من الدنيا، (يصيبها) أي: يحصلها، (أو إلى امرأةٍ ينكحها) أي: يتزوجها، و«أو» هنا الأولى أنَّها للتقسيم، فيكون قد جعلها قسيمًا للدنيا، مقابلًا لها؛ إيذانًا بشدة فتنتها، ولذا ورد: «ما تركت بعدي فتنة أشدُّ على الرجال من النساء» وقال بعض العارفين: ما أيس الشيطان قط من إنسان، إلا أتاه من قبل النساء، وقال سفيان: قال إبليس: سهمي الذي إذا رميتُ به لم أخطأ النساء.
(فهجرته إلى ما هاجر إليه)؛ أي: بباطنه وقلبه من الدنيا أو المرأة، وليس له من ثواب الله شيء، والعبرة إنَّما هي بالبواطن دون الظواهر، وإنَّما ذمَّ قاصد أحدهما وإن كان قصده مباحًا؛ لأنه أبطن خلاف ما أظهر، أو لأنه رحل من كون إلى كون خسيس مثله، لا لأحدٍ قربًا إلى الله، بل ربما أفاده البعد عنه، ولذا قال في «الحكم»: لا ترحل من كون إلى كون، فتكون كحجار الرحى يسير والذي ارتحل إليه هو الذي ارتحل منه، ولكن ارحل من الأكوان إلى المكوِّن، {وأنَّ إلى ربك المنتهى} [النجم: 42]، وهذه هي الهجرة الحقيقية، وهي الخروج من أرض الأكوان والسِّوى إلى أرض الغُنْيَة عما سوى المولى، ومن قصد الله صادقًا؛ وَجَدَهُ، ويكون عطاءً نواه وقصده.
ثمَّ هذا الحديث تواتر النقل عن الأئمة بتعظيم موقعه، وكثرة فوائده، وأنَّه أصل عظيم من أصول الدين، ومن ثمَّ خطب به النبيُّ صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجرًا على ما قيل، وسيدُنا عمر على منبره عليه السلام حسبما وقع التصريح به هنا، وقال أبو عبيدة: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر
ص9
فائدة منه، وقال أبو داود: هو نصف العلم، والشافعيُّ وأحمد وجماعة: ثلث العلم، وقال الشافعيُّ: إنَّه يدخل في سبعين بابًا؛ يعني: من أبواب العلم.
ص10


[1] في الأصل: (المذكور)، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.