شرح الأحاديث الأولى من صحيح البخاري

 كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

قال الإمام البخاريُّ [1] رحمه الله:
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
أقول مستعينًا بفضله: أبتدأ بالبسملة تأسِّيًا بالله ورسوله، ولحديثٍ رواه أبو داود وغيرُه مرفوعًا، وصحَّحه الحاكم، وحسَّنه النوويُّ، وهو: «كلُّ أمر ذي بال لا يُبدَأ فيه بالحمد لله _وفي رواية: بحمد الله، وفي رواية: بذكر الله، وفي رواية: ببسم الله الرحمن الرحيم_ أقطعُ».
وبالبسملة يحصل الحمد؛ لأنَّه الوصف بالجميل على ما تقرَّر، والظاهر: أنَّ خصوص لفظ (الحمد) ليس مرادًا، كما صرَّح به النوويُّ مستدلًّا باكتفاء النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في كتاب هرقل وغيره بالبسملة، مع أنَّه ذو بال، على أنَّه لو حُمِل على اللَّفظ؛ فلا إيراد على المصنِّف؛ لأنَّ البداية لا تقتضي الكتابة، ولم يأتِ بصريح خطبةٍ وديباجةٍ متابعةً للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في رسائله، وأكثرِ السلف مِن شيخه وشيخ شيخه وأئمَّة دهره كمالك، وعبد الرَّزَّاق، وأبي داود، وأحمد، وإنَّما أتى بهما قليلٌ منهم كما قاله، وحُمل صنيعُهم هذا على أنَّهم حمدوا لفظًا، أو رأوا ذلك مُختصًّا بالخُطَب دون الكتب.
أقول: فيه بُعدٌ تامٌّ عن قوله: «كلُّ أمر ذي بال»، فالأولى حمله على ما مرَّ مِن حمل
ص2
(الحمد) على المعنى، ويحتمل أن يكون الاكتفاء بالبسملة؛ إشعارًا بعدم الأمر بالابتداء بلفظ (الحمد)، والله أعلم.
وقيل: لم يأت بهما؛ لئلَّا يتقدَّم على الحديث شيء من كلامه [2]؛ يعني: ممَّا لا احتياجَ إليه، فلا نقضَ بالترجمة والإسناد، لكنَّه قد أتى بمقاصدهما إجمالًا، كما ستعرف، وأمَّا إيراد ترك الشهادة لحديثٍ ورد فيها؛ فأقول: غير مُتوجِّهٍ؛ فإنَّ الحديث: «كلُّ خطبة ليس فيها شهادة؛ فهي كاليد الجذماء»، وهو لم يخطب صريحًا، فلا حاجة إلى القول بالتلفُّظ وعدم الصِّحَّة [3]، مع أنَّه قد صحَّحه النَّوويُّ والبيهقيُّ على ما نقله بعض العلماء الثِّقات.
(بَاب: كيفَ كانَ...).
رُوِي بضمِّ (الباب) على القطع والإضافة، وجُوِّز الوقف على سبيل التعداد من غير إعراب، والجملة على القطع استئناف يبيِّن ما يذكر في الباب، وأُورد على الإضافة أنَّ (الباب) ممَّا لا يضاف إلى الجملة [4]، وأجيب: بأنَّ المراد مِن الجملة لفظُها، وحينئذٍ لا منعَ، والمقصود: باب جواب هذا السؤال أو بيانه؛ ليستقيم المعنى.
أقول: الظاهر: أنَّ (كيف) هذه مخرَجة عن معنى السؤال، كما نصَّ عليه الشيخ الرَّضيُّ؛ مثل: انظر إلى كيف تصنع، والمقصود: باب كيفيَّة البدء، و(كيف) بهذا المعنى غير عزيز، والله أعلم، وليس في رواية الأصيليِّ وأبي ذرٍّ لفظ: (الباب).
(بَدْء): بفتح الموحَّدة، وسكون المهملة، والهمز؛ أي: الابتداء، وحكى القاضي [5] ضمَّ الأوليين، وواو مُشدَّدة، بمعنى الظهور، قال ابن حجر: لم أره، والمسموع هو الأوَّل، وجوَّز الكرمانيُّ [6] أن يكون البَدْو [7] _على (فَعْل) ناقصًا_ من الظهور، ولكن ما رأيته مِن غيره.
(الوحي): في اللُّغة: لمعانٍ [8]؛ منها: الكلام الخفيُّ، وكلُّ ما ألقيته إلى غيرك بأيِّ وجه كان، وفي الشرع: يُطلَق على إعلام الله الشَّرعَ وعلى المُوحَى؛ أي: كلام الله المُنزَّل
ص3
على نبيِّه، وعلى إعلام الله نبيَّه شيئًا بكتابٍ، أو رسالة مَلَك، أو نومٍ، أو إلهامٍ، أو نحوِها. ذكره البرماويُّ رحمه الله.
واعترض الإمام التيميُّ على المُصنِّف: بأنَّه لو قال: كيف الوحي وبدؤه؛ لكان أحسن؛ لأنَّه تعرَّضَ فيه؛ لبيان كيفيَّة الوحي، لا لكيفيَّة البدء؛ يعني أنَّه ذكر أيضًا في الباب ما فيه كيفيَّة الوحي مطلقًا، لا البدء فالأحسن أن يتعرَّض له في الترجمة أيضًا، فأجاب بأنَّ المراد من حال ابتداء الوحي حالُه مع كلِّ ما يتعلق به، أيَّ تعلُّق كان؟ وبأنَّ المراد مجموعُ الباب فيه، فلو علم في أثنائه شيء ممَّا يتعلَّق به؛ لصحَّ.
أقول على الجوابين: أحسنيَّة ما ذكره التيميُّ باقيةٌ بحالها؛ لعدم احتياجه إلى تكلُّف أصلًا، ولا يبعد أن يقال: جعل المصنِّف الباب؛ لما يتعلَّق بالآية أيضًا، وفيها ذكر مطلق الوحي إلى نبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم، فكأنَّه قال: باب كيفيَّة بدء الوحي، والوحي، فلا قصور في كلام المُصنِّف، ولعلَّ هذا توجيه وجيه تركه الأوائل للأواخر، ثمَّ إنَّ [...][9] اعترض على التَّيميِّ بأنَّ في الباب حديثَ عائشة، ويعلم منه حال بدء الوحي، فما فرَّ هو منه لازمٌ عليه؛ لوجود (البدء) في تقديره أيضًا.
أقول: لم يرد ما توهَّمه مِن أنَّه لم يتعرَّض لكيفيَّة البدء أصلًا؛ ليتوجَّه عليه ذلك، بل المراد ما ذكرنا في تفسير مراده، فلا يتَّجه عليه أصلًا ما ذكره يدلُّ عليه لفظة (فقط) في آخر كلامه عند [....][10]، والله أعلم.
و(قولِ الله): بالجرِّ: عطف على محلِّ الجملة السابقة؛ أي: باب ما يتعلَّق بالآية،
ص4
وبالرفع: عطف عليه أيضًا، إذا قطع (الباب) أو حذف، أو على اسم (كان) بأدنى مسامحة، فلا يَرِدُ أنَّ قول الله لا يُكيَّف، كما فعله ابن حجر، وعند الأصيليِّ: (عزَّ وجلَّ)، وعند ابن عساكر: (سبحانه)، وزاد أبو ذرٍّ: (الآية) [11]، الكرمانيُّ: أراد أنَّ الوحي سُنَّة الله في أنبيائه، وابن حجر: أنَّ صفة الوحي إلى نبيِّنا توافق صفة الوحي إلى النبيِّين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فإنَّ أوَّل أحوالهم في الوحي بالرؤيا، كما رُوِي عن علقمة بإسناد حسن، ولا تنسَ ما ذكرته [12].
وقدَّم نوحًا في الآية؛ لأنَّه أوَّل نبيٍّ أُرسِل إلى من كذَّبه وآذاه، فأهلك بعذاب عظيم، فناسب الابتداء به في مقام التسلية والتهديد، وقيل: لأنَّه أوَّل أولي العزم، وقيل: أوَّل مُشرِّع، وفيهما خلاف.


[1] في هامش الأصل: (هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن بَرْدَزبه البخاريُّ، الجعفيُّ مولاهم، كتب عن أحمد ابن حنبل، ويحيى بن معين وخلائق يزيدون على ألف، وروى عنه مسلم في غير «صحيحه»، وأبو زرعة، والترمذيُّ، وابن خزيمة، قيل: والنَّسائيُّ، ولد ثالث عشر شوَّال، سنة أربع وتسعين ومئة، ومات ليلة السَّبت ليلة عيد الفطر، ستٍّ وخمسين ومئتين، ودفن بخرتنك؛ _بفتح المعجمة، وإسكان الراء المهملة، وفتح الفوقانيَّة، وسكون النون، «كرماني»_ قرية على فرسخين من سمرقند، ومناقبه جمَّة، أفردت بالتآليف، وحكي أنَّه عمي صبيًّا، فرأى في نومه إبراهيم على نبيِّنا وعليه أفضل الصلاة والسلام، فتفل في عينيه أو دعا له، فأبصر، فمن ثمَّ لم يقرأ كتابه في كرب إلَّا فُرِّج، الذي في «شرح الكرمانيِّ» أنَّ أمَّه كانت مجابة الدعوة، وأنَّها التي رأت إبراهيم عليه السَّلام في النوم، وهو يقول لها: يا هذه؛ قد ردَّ الله على ابنك بصره، لكثرة دعائك وبكائك، فأصبح بصيرًا، اهـ).
[2] في هامش الأصل: (توضيحه: أنَّ الإمام البخاريَّ أراد ألَّا يقدِّم كلامه بين يدي كلام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مشيرًا إلى قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات:1].
فائدةٌ: اختلف أغراض المؤلفين في ابتداء تأليفهم؛ فمنهم من ابتدأ بـ(الإيمان)، وهو مسلم بن الحجَّاج صاحب «الصحيح» رحمه الله، لأنَّ العبادات لا تصحُّ إلَّا بالإيمان، ومنهم من ابتدأ بـ«الصِّفات»، وهو ابن أبي زيد صاحب «الرسالة» رحمه الله؛ لأنَّ العبادات لا تصحُّ حتَّى تُعلَم لمن هي، ومنهم من ابتدأ بـ«الوقت»، وهو الإمام مالك رحمه الله في «الموطَّأ»؛ لأنَّ أهمَّ العبادة الصَّلاة، وهي لا تجب إلَّا بدخول الوقت، ومنهم مَن بدأ بـ«المياه»، كما بدأ الفقهاء في كتبهم؛ لأنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلَّا بالطَّهارة، وهي مفتقرة إلى الماء، ومنهم مَن بدأ بالوحي، كما فعل هذا الإمام؛ لأنَّ الوحي سبب العبادات كلِّها، فتفهَّم ذلك).
[3] في هامش الأصل: (أي: صحَّة حديثها).
[4] في هامش الأصل: (لأنَّ الذي يضاف إلى الجملة، على ما ذكره ابن هشام في «المغني» ثمانية: اسما الزَّمان، وحيث، وآية بمعنى علامة، وذو، ولدن، وريث، وقول، وقائل، وتعقَّب هذه للآخرين).
[5] في هامش الأصل: (أي: عياض، على ما في «القسطلاني»).
[6] في هامش الأصل: (علامة الشُّرَّاح: النَّوويُّ: الن، الطِّيبيُّ: الط، الكرمانيُّ: الكـ، ابن حجر: حجر، البرماويُّ: البر، القسطلانيُّ: قس، العيني: عن، وقد يرمز للرُّواة؛ كأبي ذرٍّ: ذرٍّ، والأصيليُّ: أص، وأبي الوقت: وقت، وابن عساكر: عس).
[7] في هامش الأصل: (كالغزو).
[8] في هامش الأصل: (في «شرح القسطلانيِّ»: وأقسام الوحي: الرُّؤيا الصَّادقة، ونزول إسرافيل أوَّل البعثة _كما ثبت في الطرق الصِّحاح أنَّه عليه السَّلام وكَّل الله به إسرافيل، فكان يتراءى له ثلاث سنين، ويأيته بالكلمة من الوحي والشيء_ ثمَّ وكَّل به جبريل، فكان يأتيه في صورة رجل، وفي صورة دحية، وفي صورته التي خُلِق عليها مرَّتين، وفي صورة رجلٍ شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر... إلى أن قال، وفي مثل صلصلة الجرس، والوحي إليه فوق السماوات بلا واسطة، وإلقاء الملك في روعه مِن غير أن يراه، واجتهاده _على القول بالجواز مطلقًا، أو في الحرف والأداء_ فإنَّه صوابٌ قطعًا. وسيأتي في الشرح إشارة إلى بعضه).
[9] في هامش الأصل إشارة.
[10] بياض في الأصل، وأشار إلى حاشية ولم يذكرها.
[11] في هامش الأصل: (وحينئذ فرواية أبي ذرٍّ: وقول الله عزَّ وجلَّ: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء:163] الآية).
[12] في هامش الأصل: (والآية جواب لأهل الكتاب عن اقتراحهم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، واحتجاج عليهم بأنَّ أمره في الوحي كسائر الأنبياء).