نيل الأماني في توضيح مقدمة القسطلاني

الفصل الأول: في فضيلة أهل الحديث...

[الفصل الأوّل: في فضيلة أهل الحديث وشرفهم في القديم والحديث]
قال رحمه الله: (الفصل الأول): يُطلق الفصلُ في اللُّغة على معانٍ منها الحاجز بين الشَّيئين كما في القاموس، والمصنِّفون يترجمون به أثناء الكتب؛ إمَّا لأنَّه نوعٌ من المسائل مفصولٌ عن غيره، أو لأنَّه ترجمةٌ فاصلةٌ بينه وبين غيره فهو بمعنى مفعول أو فاعل.
قوله: (أهل الحديث) سيأتي أنَّه في الاصطلاح: ما أضيف إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، وبينه وبين الحديث التَّالي الجناس التَّام، ووقع منه في القرآن كثير، وإن قال بعضهم لم يقع منه فيه إلَّا موضعان: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} [الرُّوم: 55] {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ*يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ} [النُّور: 43-44] إذ الأوَّلُ جمعُ «بصرٍ» والثَّاني جمعُ «بصيرةٍ»، فقد بُنيت سورة النَّاس عليه كما بيَّنه المفسرون، ووقع في قوله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ} الآية [آل عمران: 78] ، على ما ذكره بعض المفسِّرين من أنَّ المراد بالأوَّل المكتوب في التَّوراة وبالثَّاني نفس التَّوراة وبالثَّالث جنس الكتب الإلهيَّة وغير ذلك كما فصَّلناه في غير ما هنا [1] .
قوله: (في القَدِيْمِ والْحَدِيْثِ) أي: الزَّمن السَّابق واللَّاحق (والإِبَانَةُ) مصدرُ أَبَنْتُهُ، بمعنى أوضحته فهو بمعنى ما قبله. وفي «القاموس»: بَيَّنْتُهُ وتَبَيَّنْتُهُ وأَبَنْتُهُ واسْتَبَنْتُهُ: أوضحْتُهُ وعَرِفْتُهُ فبَانَ، وبَيَّنَ وتَبَيَّنَ وأَبَانَ واسْتَبَانَ كُلُّهَا لازمةٌ ومتعدِّيةٌ، والتِّبْيَانُ، ويفتح: مصدرٌ شاذٌ. انتهى. فقوله: (لازِمَةٌ ومُتَعَدِّيَةٌ) يعني: أنَّ هذه الأوزان الخمسة تُسْتَعْمَلُ لازمةً ومتعدِّيةً؛ فيُقال: بَانَ الشَّيءُ وبِنْتُهُ، وأَبَانَ الشَّيءَ وأَبَنْتُهُ، وتَبَيَّنَ وتَبَيَّنْتُهُ، وبَيَّنَ الشَّيءَ وبَيَّنْتُهُ، واسْتَبَانَ الشيءَ واسْتَبَنْتُهُ. وقوله: (والتِّبْيَان، ويفتحٍ مصدرٌ شاذٌ) أي: مصدر لبَيَّنَ وهو بالكسر وفيه الفتحُ، ومجيءُ المصدرِ منهُ على هذا الوزنِ _أي التِّفعال_ بالكسر شاذٌّ؛ فإنَّ المصادر إنَّما تجيء على التَّفْعَال بالفتح، قال في «الصّحاح»: ولم يجئ بالكسر إلَّا التِّبيان والتِّلقاء. انتهى. وانْحصار تِفعال بالكسر في هذين اللَّفظين به جزم الجماهير من أئمَّة اللُّغة والصَّرف.
ص3


[1] هذه المقدمة ليست في مخطوطتي الكتاب، وإنَّما أثبتناها من الطبعة الحجرية.