مجلس في ختم الصحيح

الطرف الثاني

          الطَّرف الثَّاني: في إعرابه:
          قوله: (كَلِمَتانِ) مبتدأ، وقوله: (حَبِيبَتَانِ) صفة له، وكذا قولُه: (خَفِيفَتَانِ) (ثَقِيلَتَانِ) وهو مِن باب إطلاق (الكلمة) على (الكلام) كقوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «أصدقُ كلمةٍ قالها الشَّاعرُ كلمةُ لبيد:
ألَا كلُّ شَيءٍ مَا خَلا اللهَ باطل                      وكلُّ نعيمٍ لا مَحالةَ زائلُ».
          وهذا ونحوُه لا خلاف في أنَّه كلام مركَّبٌ مفيدٌ فائدةٌ يُكتفى بها، وينطلق عليه حدُّ (الكلام) لا (الكلمة)، فمراده: الكلمة اللُّغويًّة، ومثلُ هذا كثيرٌ في كلامهم.
          وقوله: (سُبْحَانَ الله...) / إلى آخره خبرُ (كَلِمَتانِ) لأنَّه مؤخَّرٌ لفظًا، والأصلُ عدمُ مخالفة اللَّفظ محلَّه إلَّا لموجِبٍ يوجِبُه، وهو مِن قَبيلِ الخبر المفرَد بلا تعدُّد؛ لأنَّ (سبحان الله) مع عاملِه المحذوف إنَّما أريد لفظُه، والجملُ المتعدِّدة إذا أُريدَ لفظُها فهي من قَبيلِ المفرد الجامد؛ ولذلك لا تتحمَّل ضَميرًا، ولأنَّه محلُّ الفائدة بنفسِه، بخلاف (كلمتان) فإنَّه _أعني: كلمتان_ إنَّما يكون محطًّا للفائدة باعتبار وصفِه بالخفَّة على اللِّسان، والثِّقل في الميزان، والمحبَّة للرَّحمن، ألا ترى أنَّ جعلَ (كلمتان) الخبرَ غيرُ بيِّن؛ لأنَّه ليس متعلَّقَ الغَرض الإخبارُ منه صلعم عن (سُبحان الله...) إلخ بأنَّهما كلمتان، بل بملاحظة وصفِ الخبر بما تقدَّم _أعني: (خفيفتان) (ثقيلتان) (حبيبتان)_ فكان اعتبار (سبحان...) إلى آخِرِه خبرًا أَولى.
          ومنهم مَن جعل (سبحان الله...) إلخ مبتدأً قُدِّم خبرُه _وهو(كلمتان...) إلخ_ لنكتةٍ بلاغيَّةٍ لأجلها يُقدَّم الخبر؛ وهي تشويقُ السَّامع إلى المبتدأ؛ لأنَّ كثرة الأوصافِ الجميلة تزيد السَّامع تشوُّقًا، وتبعثه على طلب الموصوف؛ كقول الشَّاعر:
ثلاثةٌ تشرق الدُّنيا ببهجتها                     شمسُ الضُّحى وأبو إسحاق والقمرُ
          قال السكَّاكيُّ: وكونُ التَّقديم يفيد التَّشويق حقُّه(1) طول الكلام في الخبر، وإلَّا لم يحسُن ذلك أحسَن؛ لأنَّه كلَّما كَثُرَ التَّشويق بالتَّطويل بذكر أوصافِه الجارية عليه؛ ازداد تشوُّق السَّامع إلى المبتدأ، وهذا كما في الحديث الشَّريف حيث قال: «كلمتان حبيبتان إلى الرَّحمن، خفيفتان على اللِّسان، ثقيلتان في الميزان» فإنَّه لمَّا كَثُرَ الشَّوقُ بذلك إلى سماع المحدَّث عنه؛ فلم يجِئ (سبحان الله وبحمده) إلَّا والنَّفسُ في غاية الشَّوق إلى سماعه، وسوَّغ الابتداءَ بـ(سبحان) وإن كان نكرةً الإضافةُ المحضة، قال العلَّامة الكمالُ ابن الهُمام / ⌂: وقد ذهبَ بعضُ العلماء إلى تعيينِ خبريَّة «سبحان الله...» إلى آخره، ووجَّهه بوجهينِ:
          أحدهما: أنَّ «سبحان الله» لزم الإضافةَ إلى مفرد، فجرى مَجرى الظُّروف، والظُّروف لا تقع إلَّا أخبارًا.
          ثانيهما: أنَّ «سبحان الله» كلمة؛ إذ المرادُ بـ«الكلمة» في الحديث اللُّغويَّة كما تقدَّم، فلو جُعِلَ مبتدأً لزِمَ الإخبار عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان.
          وأجيب عنه بأنَّه لا يَخفى على سامعٍ أنَّ المراد اعتبارُ «سبحان الله وبحمده» كلمةً و«سبحان الله العظيم» كلمة، فهذا كما يصحُّ أن يعبَّر عنه بـ«كلمة» كذلك يصحُّ أن يُعبَّر عن كلِّ جملةٍ منه بـ«كلمة» غير أنَّه لمَّا كان كلٌّ مِنَ الجملتين _أعني: (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم)_ لا يستقلُّ بكونه ذكرًا تامًّا، وتفرَّد بالقصد؛ اعتُبِرَ كلمةً، وعُبِّر عنهما بـ«كلمتين»، على أنَّ ما ذكره لازمٌ على تقدير جعل «سبحان الله» الخبرَ كما هو لازمٌ على تقدير جعله مبتدأً؛ لأنَّه كما لا يصحُّ أن يُخبَر عمَّا هو كلمةٌ بأنَّه كلمتان؛ كذلك لا يُخبَر عمَّا هو كلمتان بما هو كلمةٌ.
          وبعبارة أخرى: وقوله: «سبحان الله...» إلخ مبتدأ مؤخَّر، و«كلمتان» خبر مقدَّم، وما بينه وبين المبتدأ صفاتٌ له، وقد أورد صاحبُ «المصابيح» سؤالين:
          فقال: فإن قلت: المبتدأ مرفوع، و«سبحان الله» في المحلَّين منصوبٌ يُعرَب، فكيف وقعَ مبتدأً مع ذلك؟ وأجاب بأنَّ لفظَهما محكيٌّ.
          وقال في الثَّاني: فإن قلت: الخبرُ مثنًّى، والمخبَرُ عنه غيرُ متعدِّد؛ ضرورةَ أنَّه ليس ثَمَّ حرفُ عطف يجمعُهما، ألا ترى أنَّه لا يصحُّ قولُك: «زيد عمرٌو قائمان»، وأجاب بأنَّه على حذف العاطف؛ أي: سبحان الله وبحمده وسبحان الله العظيم كلمتان خفيفتان... إلخ.
          وقوله: (حَبِيبَتَانِ) تثنيةُ (حَبيبة) أي: محبوبة؛ بمعنى المفعول لا الفاعل، صفة لـ(كلمتان)، وكذا ما بعده، فيكون المراد به / محبوبيَّة قائلِهما.
          فائدة: (فَعيل) إذا كان بمعنى (مفعول) يستوي فيه المذَّكر والمؤنَّث إذا ذُكِرَ الموصوف؛ نحو: رجل قَتيل، وامرأة قتيل، وأمَّا إذا لم يُذكَر الموصوف فإنَّه يُفرَّق فيه بين المذَّكر والمؤنَّث؛ نحو: قتيل وقتيلة، وأمَّا إذا كان بمعنى (فاعل) فيُفرَّق فيه بين المذَّكر والمؤنَّث، سواءٌ ذُكِرَ الموصوف أو لم يُذكَر؛ نحو: مررت برجلٍ بصير وامرأة بصيرة، وأمَّا (فَعول) إذا كان بمعنى (فاعل) لم يُفرَّق فيه بين المذَّكر والمؤنَّث، إذا ذُكِرَ الموصوف؛ نحو: مررت برجلٍ صَبور وامرأةٍ صَبورٍ، وإذا لم يُذكَر فُرِّقَ بين المذَّكر والمؤنَّث؛ نحو: صَبور وصَبورة، وإن كان بمعنى (مَفعول) فإنَّه يُفرَّق فيه بين المذَّكر والمؤنَّث، سواء ذُكِرَ الموصوف أو لم يُذكَر؛ نحو: مررت برجلٍ مَنوع وامرأةٍ مَنوعة.
          فإن قيل: لفظ (الفَعيل) في الحديث بمعنى (المفعول) وقد تقرَّر أنَّ (الفعيل) إذا كان بمعنى (المفعول) يستوي فيه المذَّكر والمؤنَّث، فما وجهُ لحوق علامة التَّأنيث؟ فالجواب: أنَّ التَّسوية جائزةٌ لا واجبة، وقيل: إنَّما أنَّثها لمناسبة (الخفيفة) و(الثَّقيلة) لأنَّهما بمعنى الفاعليَّة لا المفعولية، والله أعلم.
          و(الرَّحْمَنِ) (فَعْلان) مِنَ الرَّحمة، والألف واللام فيه للغَلَبة، ولم يُستَعمَل في غير الله تعالى؛ كما لم يُستَعمَل اسمُه في غيره، وسُمِعَت إضافتُه، قالوا: يا رَحمانَ الدُّنيا والآخرة، ووصفُ غير الله به مِن تعنُّت المُلحِدين، وفي صرفِه قولانِ حكاهما أبو حيَّان في «البحر»:
          أحدهما يستند إلى أصلٍ عامٍّ؛ وهو أنَّ أصلَ الاسم الصَّرف.
          وثانيهما إلى أصل خاصٍّ؛ وهو أنَّ أصلَ (فَعْلان) المنعُ لغلَبَته فيه.
          قال: ومِن غريبِ ما قيل فيه: إنَّه أعجميٌّ بالخاء المعجَمة، فعُرِّب بالحاء المهملة، قال ثعلبٌ: واختُلِفَ هل هو صفةٌ أو عَلَم؟ فقال جماعةٌ: إنَّه صفةٌ لله، ودُفِعَ بأنَّه أتى في القرآن غيرَ تابعٍ لاسمٍ قبله؛ كقوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] فلا يكون وصفًا، بل عَلَمٌ على التنزيهِ البَليغ / مِن جميع القبائحِ الَّتي يُضيفُها إليه أعداؤه.
          وفي هذه الرِّواية تقديمُ (حبيبتان) وتأخيرُ (ثقيلتان).
          وقوله: (سُبْحَانَ اللهِ) اسمُ مصدر، لا مصدر، يقال: سبَّح يُسبِّح تسبيحًا؛ لأنَّ قياس (فعَّل) بالتَّشديد إذا كان صحيحَ اللَّام (التَّفعيل) كالتَّسليم والتَّكرير، وقيل: إنَّ (سبحان) مصدر؛ لأنَّه سُمِعَ له فعلٌ ثلاثيٌّ، وبعض الكُبَراء قال: إنَّ فيه وجوهًا:
          أحدها: أنَّه مصدرٌ تأكيديٌّ؛ كما في (ضربت ضربًا) فهو في قوَّة قولنا: أُسبِّح الله تسبيحًا، فلمَّا حُذِفَ الفعلُ أُضيف المصدر إلى المفعول، ومعنى (أُسبِّح الله) أي: أَنظِمُ نفسي في سلك الموقِنين بتقديسه عن جميعِ ما لا يليقُ بجنابِه سبحانه، وأنَّه مقدَّسٌ أَزَلًا وأبَدًا وإن لم يقدِّسه أحد.
          ثانيها: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ على مثالِ ما يُقال: عظِّمِ السُّلطانَ تعظيمَ السُّلطان؛ أي: تعظيمًا يليق بجنابه ولا يستحقُّه غيرُه، ويُناسب مَن يتَّصف بالسَّلطنة، والمعنى: أسبِّحه تسبيحًا يختصُّ به، وذلك إذا كان بما يليق بجنابه؛ فالإضافة لا إلى الفاعل ولا إلى المفعول، بل للاختصاص، فتأمَّله.
          ثالثها: أنَّه مصدرٌ نوعيٌّ، ولكنَّه على مثال ما يُقال: أذكُرُ الله مثل ذكرِ الله، فالمعنى: أُسبِّح الله تَسبيحًا مثلَ تسبيحِ الله لنفسه؛ أي: مثل ما سبَّح الله به نفسه، فهو صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ بحذف المضاف إلى (سبحان) وهو لفظ (المثل)، فالإضافة في (سبحان الله) إلى الفاعل.
          رابعها: أنَّه مصدرٌ أُرِيد به الفعل مجازًا؛ كما أنَّ الفعل يُذكَر ويُراد به المصدرُ مجازًا؛ كقوله: (تَسمَع بالمُعيديِّ) وذلك لأنَّ المصدر جزءٌ مفهوم الفعل، وذِكرُ البعض وإرادةُ الكلِّ مجازٌ؛ كعكسه، ولمَّا كان المراد مِنه(2) الفعل الذي أُرِيد به إنشاءُ التَّسبيح؛ بُنيَ هذا المصدر على الفتح، فلا محلَّ له مِنَ الإعراب؛ وذلك لأنَّ الأصل في الفعل أن يكون مبنيًّا، وذلك لأنَّ الشبه الَّذي أعرب به المضارع منعدمٌ في الإنشاء؛ فمثله كمثل أسماء الأفعال، وهذا وجهٌ نحويٌّ يمكن / أن يُقال به، فافهم، قال: وما ذكرناه لا يبطله كونُ هذا اللَّفظ معرَبًا في الأصل، فلا يضرُّنا ما جاء في شعر أميَّة مُنَوَّنًا انتهى.


[1] في الأصل: (خفة).
[2] في الأصل: (من).