مشارق الأنوار على صحاح الآثار

المقدمة

[ مقدمة المؤلف ]
بسم الله الرحمن الرحيم
صلَّى الله على سيِّدنا ومولانا محمَّدٍ وآله وسلم تسليماً
قال الشَّيخُ الإمامُ العالمُ الحافظُ الفقيهُ القاضي أبو الفَضلِ عِياضُ بنُ موسى بنِ عِياضٍ اليَحصبيُّ رَحِمَهُ اللهُ:
الحمدُ لله مُظهِرِ دينِهِ المُبِينِ، وحافِظِه من شُبَهِ المُبطِلين، وتحرِيفِ الجاهِلين، بعَث محمَّداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى كافَّةِ خَلْقِه، بكِتابِه الَّذي لا يَأتِيه الباطلُ من بينِ يدَيه ولا من خَلفِه، وضمِنَ تعالى حِفظَه؛ فما قدَر العدُوُّ على إدْخالِ الخلَلِ في لَفظِه، مع كَثرةِ الجاحدِ الجاهدِ على إطفاءِ نُورِه، وظُهرَةِ المُعادي المُعاند لظُهورِه.
وبيَّن على لسانِ نبيِّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مَناهجِه وشِرْعَتِه ما وكَّل نفيَ التَّحريفِ عنه لعُدُولِ أعلام الهُدى من أمَّته، فلم يزالوا ـ رضي الله عنهم ـ يذبُّون عن حِمى السُّننِ، ويقُومُون لله بهَديهِم القَوِيم الحسَن، ويُنبِّهون على مَن يُتَّهم بهَتكِ حَريمِها [1] ، ومَزجِ صحيحِها بسَقيمِها، حتَّى بان الصِّدقُ من المَينِ، وبان الصُّبحُ لذي عَينَينِ، وتميَّز الخبيثُ من الطَّيِّبِ، وتبيَّن الرُّشدُ من الغَيِّ، واستقامَ مِيسَمُ الصَّحيح، وأبدَى عن الرَّغوةِ الصَّريح.
ثمَّ نظروا ـ رحِمهُم الله ـ بعد هذا التَّمييزِ العزيزِ، والتَّصريحِ المُريحِ، نظراً آخرَ في الصَّحيحِ، فيما يقَع لآفةِ البَشريَّة من ثِقاتِ رُوَاته من وَهمٍ وغَفلةٍ، فنقَّبوا في البِلاد عن أسْبابِها، وهتَكُوا ببارعِ مَعرِفتِهم ولُطف فِطنَتهم سُجُفَ حِجابها، حتَّى وقَفوا على سِرِّها، ووقَعوا على خَبيئةِ أمرِها، فأبانُوا عِلَلَها، وقيَّدوا مُهمَلَها، وأقاموا مُحرَّفَها، وعانَوا سَقيمَها، وصحَّحوا مُصحَّفها، وأبرَزوا في كلِّ ذلك تصانيفَ كثُرتْ صنُوفُها، وظهَر شفُوفُها، واتَّخذها العالَـمُون قدوَةً، ونصبَها العالِـمُون قِبْلةً [2] ، فجزاهُم الله عن سَعيِهِم الحَمِيد أحسَن ما جازى به أحبارَ ملَّةٍ.
ثمَّ كلَّت بعدَهم الهِمَم، وفتَرت الرَّغائبُ، وضعُف المَطلُوبُ والطَّالبُ، وقلَّ القائمُ مَقامَهم في المَشارِق والمَغاربِ، وكان جُهْدُ المُبرَّز في حملِ عِلْم السُّنن والآثارِ نَقْلَ ما أثبَت في كتابه، وأداءَ ما قيَّده فيه دون مَعرفةٍ لخطئه من صَوابه، إلَّا آحاداً من مَهرةِ العُلماءِ، وجَهابذَة الفُهماءِ، وأفراداً كدَرارِيِّ نُجومِ السَّماءِ، ولعَمرُ الله! إنَّ هذه بعدُ لَخُطَّةٌ أعطى صاحبُ الشَّريعةِ للمُتَّصف بها من الشَّرفِ والأجر قِسطَه، إذا وفَّى عملَه شرطَه، وأتقَن وعيَه وضبطَه، فقال عَلَيْهِ السَّلام في الحديثِ الصَّحيحِ: «نَضَّر الله امرَأً سمِعَ مقالَتي فوَعَاها، فأدَّاها كما سمِعَها، فرُبَّ حامِلِ فقهٍ ليس بفقيهٍ، ورُبَّ حامِلِ
ج1ص2
فقهٍ إلى مَن هو أفْقَهُ منه» [3] .


[1] في ( ف ): ( حُرمَتِها ).
[2] في ( ف ): ( إسوة )، وضبطه بفتح الهمزة وكسرها، وكتب فوقها: ( معاً ).
[3] أخرجه الطيالسي في ( مسنده ) ( 618 ) ـ وعنه الإمام التِّرمذيُّ في ( الجامع ) ( 2656 )، وقال: حديث حسن_ وكذا أخرجه الإمام أحمد في ( المسند ) ( 5/183 ) ( 21590 )، وأبو داود ( 3660 )، وابن ماجه ( 4105 )، والدَّارمي في ( السنن ) ( 229 ) من طرقٍ عن شعبة به.