الفرائد المنتظمة والفوائد المحكمة

هل روى البخاري عن الشافعي وأحمد

[هل روى البخاري عن الشافعي وأحمد]
وأمَّا كون البخاريِّ لم يروِ في صحيحه عن إمامنا الشَّافعي رضي الله عنه،
فلأنَّ الشَّافعيَّ لم يتَّسع له الوقت في طلب الحديث بتحصيل الغرائب والطرق، وإنَّما كانت هِمَّتُه تحصيلَ أحاديث الأحكام وأعلا مَن لقيه [1] مالك بن أنس ومَن في طبقته.
وكانت وفاة الشَّافعيِّ سنةَ طلبِ البخاريِّ الحديثَ أو بعد ذلك، لأنَّ مولد البخاريِّ سنة أربع وتسعين ومئة، ومات الشَّافعيُّ سنة أربع ومائتين، لا خلاف بين علماء الأخبار في ذلك.
وصحَّ عن البخاريِّ أنَّه طلب الحديث شابًّا، ولكن بعد أن جاوز العشر.
وأما رحلته فكان أوَّل ما رحل سنة عشرين [2] ومائتين، ودخل مصر بعد ذلك، وقد أدرك جمعًا كثيرًا من أصحاب الشَّافعيِّ،
ص30
لكن لم يخرِّج عنهم عنه في الصَّحيح شيئًا، لأنَّ كبار شيوخ الشَّافعيِّ الذين أدركهم في مرتبة شيوخ البخاري، وعلوُّ الإسناد قُربة إلى الله ورسوله، مع أنَّه نَقَل عنه في صحيحه في موضعين:
1 - أحدهما: في الزَّكاة عقيب [3] قوله: (باب: في الرِّكاز الخُمس) فقال: وقال مالك وابن إدريس: الرِّكاز دفين الجاهليَّة، في قليله وكثيره الزَّكاة، وليس المعدن برِكاز.
2 - وثانيهما: في (باب: تفسير العَرايا) من (البيوع) فقال: وقال ابن إدريس: العَرِيَّة لا تكون إلَّا بالكيل من التَّمر، يدًا بيدٍ، لا تكون بالجُزاف.
قال البخاريُّ: وممَّا يقوِّيه قول سهل بن أبي حَثْمة: (بِالْأَوْسُقِ الْمُوَسَّقَةِ).
قال الحافظ ابن حَجَر: أخطأ من زعم أنَّه أراد بذلك عبد الله بن إدريس الأَودي، فإنَّ هاتين المسألتين منصوصتان للشَّافعي بلفظهما في كتبه [4].
وقد أدرك الإمام البخاريُّ الإمامَ أحمد ابن حنبل، ولقيه، وسمع منه، ولكنَّه لم يُكثر عنه، ولا طالت مجالسته له، لأنَّه في ابتداء الأمر كان بعضُ من أخذ عنهم أحمد أحياءً أدركهم [5] البخاريُّ وأخذ عنهم، وفي ثاني الحال أخذ عنه، وفي الآخَر كان أحمد [6] قطع التَّحديثَ، وقد احتاج البخاريُّ إلى حديث عند أحمد لم يكن عنده عنه، فحدَّث به عن واحد عن أحمد، وهو قبل [7] (تفسير القرآن) من صحيحه، وروى عن أحمد ابن حنبل في ((صحيحه)) بغير واسطة في كتاب النِّكاح [8]. قاله الحافظ ابن حَجَر في بعض الأجوبة.
وقال الحافظ: المذكور في كتابه _يعني البخاريَّ [9]_
ص31
((الجامع)) يشهد له بالتَّقدُّم في استنباط المسائل الدَّقيقة، وبالاطِّلاع على اللُّغة والتَّوسُّع في ذلك، وبإتقان العربيَّة والصَّرف، وبما يعجز عنه الواصف من معرفة الفنِّ، ومن تأمَّل اختياراته الفقهيَّة في جامعه علم أنَّه كان مجتهدًا، وإن كان كثيرَ المُوافقة للشَّافعيِّ، وقد استشهد بقوله في موضعَين من كتابه. وساق ما تقدَّم.


[1] في (م): (وعلى من لقيه).
[2] في (ز): (عشر).
[3] في (ز): (عقب).
[4] في (ز): (في كتبه بلفظهما).
[5] في (ز): (فأدركهم).
[6] زيد في (ز): (قد).
[7] في (ز): (قبيل).
[8] في (بَاب مَا يَحِلُّ مِنْ النِّسَاءِ وَمَا يَحْرُمُ)، وجاء في أوله: وَقَالَ لَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ...
[9] عبارة (ز): (وقال الحافظ المذكور: وكتابه يعني البخاري...).