التلويح شرح الجامع الصحيح

[كتاب الشفعة]

كتاب الشُّفْعة
قال ابن حزم: هي لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل سيدنا رسول الله
ج3ص278
صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، كما يعزى معنى الصلاة والزكاة والصيام والكفارة والنسك وشبهها، حتى بَيَّنَهَا رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، وذكر ابن التَّيَّاني الشفعة على مثال رُكْبة، وذكر بعض الفقهاء: أن كل فعل يجوز تثقيله وتخفيفه إذا لم يكن مسموعًا، قال ابن دريد: سميت بذلك، لأنه يشفع ماله بها، والشافع الطالب لغيره يستشفع به إلى المطلوب منه.
وفي «التهذيب»: سئل أبو العباس [1] عن اشتقاق الشفعة فقال: الشفعة الزيادة، وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتشفعه بها، أي: تريده، وقال ابن سِيْدَه: الشفعة في الشيء القضاء به لصاحبه، وعن ابن بطال: هي في اللغة الضم والجمع، وقال ابن التين: مأخوذة من الشفاعة.
قَالَ البُخَارِيُّ: (الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ).
وذكر حديث جابر مرفوعًا: «قَضَى بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلاَ شُفْعَةَ» رواه القعنبي وأبو عاصم عن مالك منقطعًا، فرد به الحنفي بذلك وجعله علة، ولقائل أن يقول: قد روى أبو يوسف القاضي عن مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة مثله مسندًا، فلم لا يأخذ به.
وزعم بعضهم أن قوله: (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ... ) إلى آخره ليس من كلام النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ، إنما هو من كلام الراوي فيُنظر.
قال ابن التين: أجمع المسلمون على ثبوتها للشريك في العقار ما لم يقسم، وخُصَّ العقار بالشفعة، لأنه أكثر الأنواع ضررًا، واتفقوا على أنه لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة وسائر المنقول، وشذَّ عطاء فأثبت الشفْعَة في العُروض وقال: تثبت الشفعة في كل شيء حتى في الثوب، وعن أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان والبناء [2] المنفرد.
وفي «المصنف» عن ابن أبي مليكة وسُئِلَ عن الشفعة فقال: «قَضَى النبيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ
ج3ص279
وسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيْءٍ الأَرْضِ والدَّارِ والخادمِ والجاريةِ».
قال ابن حزم: وإلى هذا رجع عطاء، وهو عنهما بأصح سند أسنده عمر بن هارون عن شعبة عن ابن جبير عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قال: «الشُّفْعَةُ في العبدِ وَفِي كُلِّ شَيءٍ» ردَّه ابن عدي بعمر.
وعند الطحاوي، حدَّثَنَا ابن خزيمة، حَدَّثَنا يونس بن عدي، حَدَّثَنا أبو إدريس الأودي عن ابن جريج عن عطاء عن جابر: «قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَيء».
وقال ابن حزم: الشفعة واجبة في كلِّ جزءٍ بِيْعَ مشاعًا بين اثنين فصاعدًا من أي شيء كان مما يقسم ومما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، ومن عبد أو أمة أو ثوب أو سيف أو من طعام أو حيوان أو أي شيء بيع.
ورُفِعَ إلى عبد الملك بن يعلى رجلٌ باع نصيبًا له غير مقسوم فلم يُجِزْهُ.
وقال ابن سيرين: لا بأس بالشريكين بينهما الشيء الذي لا يُكَالُ ولا يُوْزَنُ أن يبيعه قبل أن يقاسمه، وقال الحسن: لا بيع فيه ولا في غيره حتى يقاسمه إلا أن تكون لؤلؤة أو ما لا يقدر على قسمته. ولم ير عثمان البَتِّي شفعة لشريك، ورأى ابن شُبْرمة الشفعة في الماء، ورأى مالك الشفعة في التين والعنب والزيتون والفواكه في رؤوس الشجر.
وفي «الاستذكار» عن مَعْمَرٍ، قلت لأيوب: أتعلم أحدًا كان يجعل في الحيوان شفعة؟ قال: لا، قال معمر: وأنا لا أعلم أحدًا جعل فيه شفعة، وقال ابن شهاب: ليس في الحيوان شفعة.
وعن إبراهيم: لا شفعة إلا في دار أو أرض.
وعن عمر بن عبد العزيز: «أنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ قَضَى بالشفعةِ في الدينِ». وفي لفظ: «مَنِ ابْتَاعَ دينًا على رجلٍ فصاحبُ الدينِ أَوْلَى إِذَا أَدَّى مثلَ الذي أَدَّى صَاحِبُهُ».
وجمهور العلماء على أنه لا شفعة إلا في المشاع لحق ضرر الشركة، منهم الأربعة خلا أبا حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبا ثور [3].
وحكاه ابن المنذر عن عمر وعثمان وابن المسيب وسلمان بن يسار وعمر بن
ج3ص280
عبد العزيز والزهري ويحيى الأنصاري وأبي الزناد وربيعة ومالك والأوزاعي والمغيرة بن عبد الرحمن وإسحاق وأبي ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: يثبت بالجوار، وبه قال فيما ذكره ابن أبي شيبة شريحٌ، فكان يقضي الرجل من أهل الكوفة للرجل من أهل الشام.
وقال إبراهيم: الشريك أحق بالشفعة، فإن لم يكن شريك فالجار.
وفي لفظ: الخليط أحق من الجار، والجار أحق من غيره.
وعن أبي حيان عن أبيه: أن عمرو بن حريث كان يقضي بالجوار، وعن الحكم عن علي وعبد الله أنهما قالا: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالشُّفْعَةِ لِلْجِوَارِ».
وعن الشعبي قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «الشريكُ أَوْلَى مِنَ الْجَارِ، وَالْجَارُ أَوْلَى مِنَ الْجُنُبِ».
وفي لفظ: «قَضَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ بِالْجِوَارِ».
وعند الترمذي محسَّنًا وقال: صححه البخاري، عن الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرْضٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهَا شِرْكٌ وَلَا قَسْمٌ إِلَّا الْجِوَارُ؟ فقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ مَا كَانَ». زاد عبد الملك بن أنس في كتابه: قال عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي الرازي عن عمرو بن الشريد، قلت لعمرو: ما سقبه؟ قال: الشفعة، فقلت: زعم الناس أنها الجوار، قال: الناس يقولون ذلك.
قال ابن حزم: فهذا راوي الحديث لا يرى الشفعة بالجوار، ولا يرى لفظ ما روي يقتضي ذلك.
وعن سمرة، قال رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «جَارُ الدارِ أحقُّ بالدارِ».
أخبرنا... عن عبد اللطيف الحراني عن يوسف بن... الأبهري، أخبرنا الشيخان أبو بكر بن الحاجب وأبو حفص بن... عن أبي سعيد بن علقمة، أخبرنا أبو علي
ج3ص281
الحسن بن علي بن نصر الطُّوسي، قال: حَدَّثَنا أبو موسى محمد بن مثنى ومحمد بن يحيى الهذلي الذهلي، حَدَّثَنا أبو الوليد، حَدَّثَنا شعبة عن قتادة عن الحسن عنه ثم قال: يقال: حديث سمرة حسن صحيح.
قال: وروى عيسى بن يونس عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس عن النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ مثله، والصحيح عند أهل العلم حديث الحسن عن سمرة، ولا يعرف حديث قتادة عن أنس إلا من حديث عيسى بن يونس، وحديث عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمر بن الشريد عن أبيه مرفوعًا في هذا الباب هو حديث حسن، ولما ذكر الترمذي حديث سمرة قال: حسن صحيح.
ولما رواه ابن حزم من حديث أحمد بنِ حُبَابٍ عن عيسى، قال أحمد بنُ حُبَابٍ: أخطأ فيه عيسى، وإنما هو موقوف على الحسن، وهو عند النسائي من حديث إسحاق بن إبراهيم عن عيسى.
وقال الدَّارَقُطْني: وهم فيه عيسى، وإنما هو موقوف عن الحسن.
وعند ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ: حَدَّثَنا محمد بن إسماعيل، حَدَّثَنا الحسن بن سَوَّار أبو العلاء، حَدَّثَنا أيوب عن عتبة اليمامي عن الفضل عن قتادة عن عبد الله بن عمرو بن العاصي، عن رسول الله صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ أنه قال: «الجَارُ أَحَقُّ بِصَقبِ أَرْضِهِ» وردَّه بانقطاع ما بين قتادة وعبد الله، وبضعف أيوب وجهالةِ الفضل، قال: فإن كان ابنُ دَلْهَم فهو ساقط، وإن كان غيره فهو مجهول.
وعند أبي داود عن جابر: «الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ يُنْظَرُ فيه، وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا»
وقال فيه الترمذي: حسن غريب، فيه عبد الله بن أحمد عن سعيد عن عبد الملك عن عطاء عن جابر: «الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يَنْتَظِرُهُ بِهَا إِنْ كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا» قال... أو فقال بهتًا، قلت لأحمد: لم قال شعبة هذا حديث منكر: الزهري عن أبي سلمة عن جابر يخالفه؟
ج3ص282
قال: إن عبد الله... عبد الملك عن عطاء فخالفه، ولما ذكره الأشبيلي من طريق ابن أيمن بلفظ: قال جابر: اشتريتُ أرضًا إلى جَنْبِ أرضِ رجلٍ، فقالَ: أنا أحقُّ بِهَا، فاخْتَصَمْنَا إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فقلتُ له: يا رسولُ الله، ليس له في أرضي طريقٌ ولا حقٌّ، فقالَ صَلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ: «هُوَ أحقُّ بِهَا، فَقَضَى له بالجوارِ» وذكر من عند الترمذي اللفظ الأول وقال: هذا يرويه سليمان بن داود عن هشيم عن عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن عطاء عنه، والذي يرويه قبله يرويه أحمد وغيره عن هشيم بهذا السند، والحديث يدور على العرزمي، وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث، ذكره الترمذي، ولا نعلم أحدًا تكلم فيه عن شعبة أجل هذا الحديث، وهو حديث حسن غريب.
وقال ابن شيبة: حَدَّثَنا غندر عن شعبة قال: سألت الحكم وحمادًا عن الشفعة فقالا: إذا كانت الدار إلى جنب الدار ليس بينهما طريق ففيها شفعة.
وعنه الطحاوي: كتب عمر بن الخطاب إلى شُرَيْحٍ أن تقضي بالشفعة للجار الملاصق.
وفي «كتاب القضايا» لأبي غانم من حديث الحكم عمن سمع عليًّا وعبد الله يقولان: «قَضَى النبيُّ بالجوارِ» وعن الشعبي مرسلًا مثله، وكذا عن الحسن.
ج3ص283


[1] قوله: «العباس» ليس في الأصل.
[2] قوله: «فأثبت الشفْعَة في العُروض وقال: تثبت الشفعة في كل شيء حتى في الثوب، وعن أحمد رواية أنها تثبت في الحيوان والبناء» سواد في الأصل.
[3] قوله: «وجمهور العلماء على أنه لا شفعة إلا في المشاع لحق ضرر الشركة، منهم الأربعة خلا أبا حنيفة، والأوزاعي، وإسحاق، وأبا ثور» سواد في الأصل.