مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة

86م- كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة:
منه حديث أنس في قصة العرنيين السالفة في الطهارة، وكأن البخاري ذهب في هذا الحديث والله أعلم إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة، ولم يبن ذلك في الحديث.
وقد بين عبد الرزاق في روايته فقال: حدثنا معمر، عن قتادة، عن أنس فذكره، وفي آخره قال قتادة: فبلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم {إنما جزاء} [المائدة:33] الآية كلها.
وممن قال: إن هذه الآية نزلت في أهل الشرك: الحسن، والضحاك, وعطاء، والزهري.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الأرض بالفساد ويقطع الطريق، وهو قول أبي حنيفة ص4830 ومالك والكوفيين والشافعي وأبي ثور، إلا أن بعض هؤلاء يقولون: إن حد المحارب على قدر ذنبه، على ما في تفسيره.
وقيل: نزلت في أهل الذمة الذين نقضوا العهد، وقيل في المرتدين، وكله خطأ، وليس قول من قال: إن الآية وإن كانت نزلت في المسلمين مناف في المعنى لقول من قال بأنها نزلت في أهل الردة والمشركين؛ لأن الآية وإن كانت نزلت في المرتدين بأعيانهم فلفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد في الأرض.
ألا ترى أن الله جعل قصر الصلاة في السفر بشرط الخوف، ثم ثبت القصر للمسافرين وإن لم يكن خوف؛ لما يجمعهما في المعنى وظاهر القرآن، وما مضى عليه عمل المسلمين يدل على أن هذه الحدود نزلت في المسلمين، كما قاله القاضي إسماعيل؛ لأن الله تعالى قال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب} [محمد:4] وقال: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة:36] فلم يذكر فيهم إلا القتل والقتال؛ لأنهم إنما يقاتلون على الديانة، لا على الأعمال التي يعملونها من سرقة أو قطع طريق أو غيره.
وإذا ذكرت الحدود التي تجب على الناس من الحرابة والفساد في الأرض أو السرقة وغيرها لم تسقط عن المسلمين؛ لأنها إنما وجبت من طريق أفعال الأبدان لا من طريق اعتقاد الديانات، ولو كان حد المحارب في الكافر خاصة لكانت الحرابة قد نفعته في أمور دنياه؛ لأنا نقتله بالكفر، فإن كان إذا أحدث الحرابة مع الكفر جاز لنا أن نقطع يده ورجله من خلاف، أو ننفيه من الأرض أو نقتله، فقد خفف عنه العقوبة.
وأما ترتيب أقوال العلماء الذين جعلوا الآية نزلت في المسلمين في حد المحارب المسلم، فقال مالك: إذا أشهر السلاح وأخاف السبيل ولم يقتل، ولا أخذ مالا كان الإمام مخيرا فيه، فإن رأى أن يقتله أو يصلبه أو يقطع يده ورجله من خلاف أو ينفيه من الأرض فعل ذلك.
وقال الكوفيون والشافعي: إذا لم يقتل ولا أخذ مالا لم يكن عليه إلا التعزير، وإنما يقتله الإمام إن قتل، ويقطعه إن سرق، ويصلبه إذا قتل وأخذ المال، وينفيه إذا لم يفعل شيئا من ذلك، ولا يكون الإمام مخيرا فيه.
قال إسماعيل: فأجروا حكم المحارب كحكم القاتل غير المحارب، ولم توجب المحاربة عندهم شيئا، وقد ركب ما ركب من الفساد في الأرض، وقد قال تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} [المائدة:32] فجعل الفساد بمنزلة القتل، والمعنى والله أعلم من قتل نفسا بغير نفس، أو بغير فساد في الأرض، فلم يحتج إلى أن تعاد (غير) وعطف الكلام على ما قبله، فجعل الفساد عدلا للقتل، وإذا كان الشيء بمنزلة الشيء فهو مثله، فكأن الفساد في الأرض بمنزلة القتل،
وقال عطاء ومجاهد والضحاك: كل شيء في القرآن (أو) (أو) فهو خيار، واحتج من أسقط التخيير بقوله عليه السلام: ((لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)) الحديث.
واختلف في صفة نفي المحارب، فعند مالك: أنه ينفيه إلى غير بلده، وعنه: يحبسه فيه حتى تظهر توبته، وقال أبو حنيفة: يحبسهم في بلدهم، وقال الشافعي: ينفيهم، إذا هربوا بعث الإمام خلفهم، وطلبهم ليأخذهم ويقيم عليهم الحد.
وقال أبو ثور: قال بعضهم: ينفى من البلد التي هو فيها إلى بلدة غيرها، كما يفعل بالزاني، وهو مروي عن ابن عباس، وقال الشعبي: ينفى من عمله، حكاه ابن المنذر.
وقال الحسن: ينفى حتى لا يقدر عليه، قال ابن القصار ص4831 والنفي بعينه أشبه بظاهر القرآن؛ ولقوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة:33] وهذا يقتضي أن ينفيهم الإمام، كما يقتلهم أو يصلبهم، وما قاله أبو حنيفة من الحبس في بلدهم، فالنفي ضد الحبس، وليس يعقل من النفي حبس الإنسان في بلده، وإنما يعقل منه إخراجه من وطنه وهو أبلغ في ردعه، ثم يحبس في المكان الذي يخرج إليه حتى تظهر توبته، هذا حقيقة النفي وهو أشد في الردع والزجر، وقد قرن الله تعالى مفارقة الوطن بالقتل فقال {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم} الآية [النساء:66].
ومشهور مذهب مالك أنه لا بد من قتل المحارب، وفيه خلاف منتشر.
قوله: (اجتووا المدينة): كرهوا المقام بها. ومعنى (سمل أعينهم): فقأها. ومعنى (لم يحسمهم): لم يكوهم بالنار لينقطع الدم، وقال الداودي: لم يدخل ما قطع منهم في زيت، وإنما لم يحسمهم؛ لأن قتلهم كان واجبا بالردة، فمحال أن يحسم به من يطلب نفسه، وأما من يتوجب قطع يده في حد من حدود الله، فالعلماء مجمعون على أنها لا بد من حسمها؛ لأنه أقرب (إلى الله) وأبعد من التلف.