مجمع البحرين وجواهر الحبرين

كتاب الأطعمة

70- كتاب الأطعمة
ذكر ابن بطال هذا الباب بعد الطب وقبل التعبير، ولا أدري لم ذكره هناك، وذكر عقب النفقات الشهادات، وهي مقدمة كما سلف، وكذا ساق الآية الثانية بلفظ: {كلو من طيبات ما كسبتم} والتلاوة: ‹أنفقوا› بدل {كلوا}.
وسئل الفضيل عمن يترك الطيبات من الجواري واللحم والخبيص للزهد؟ فقال: وما يأكل الخبيص بأس، إنك تتقي الله وتأكل؛ إن الله لا يكره أن تأكل الحلال إذا اتقيت الحرام، والمراد بالطيبات الحلال، وقيل: جيده، وقيل: طيبه، يؤيده حديث البراء بن عازب أنهم كانوا يتصدقون بالرديء من تمرهم وطعامهم فنزلت، والآية الثالثة كهذه، ولم يختلف أهل التأويل في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم}[] أنها نزلت فيمن حرم على نفسه لذيذ الطعام واللذائذ المباحة.
قال عكرمة: إنها نزلت في عثمان بن مظعون وأصحابه حين هموا بترك النساء واللحم، والخصي، وأرادوا التخلي من الدنيا والترهب، منهم: علي وعثمان بن مظعون، وقد سلف في باب التبتل.
ثم ذكر خ حديث أبي وائل، عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أطعموا الجائع، وعودوا المريض...)) الحديث، وسلف قريباً في الوليمة.
وأبو وائل اسمه شقيق بن سلمة، وأبو موسى اسمه عبد الله بن قيس بن سليم. قال سفيان: والعاني الأسير. وكل من ذل واستكان وخضع فقد عنا يعنو فهو عان، والمرأة عانية، جمعها عوان، ومنه الحديث: ((اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم)) كالأسرى، ومنه حديث المقدام: ((الخال وارث من لا وارث له؛ يفك عانه)) أي: عانيه، فحذف الياء.
ومعنى الأسر في الحديث: ما يلزمه، ويتعلق به بسبب الجنايات التي سبيلها أن تتحملها العاقلة، هذا عند من يورث الخال ومن لا يورثه يقول: إنها طعمة أطعمها الخال لا أن يكون وارثاً، كما قاله ابن الأثير. وفي هذا الحديث الأمر بالمواساة وإطعام الجائع، وذلك من فروض الكفاية.
وقد سلف شيء من هذا في باب: فكاك الأسير من الجهاد. ثم ساق خ حديث محمد بن فضيل، عن أبيه، عن أبي حازم واسمه سلمان، مولى عزة، عن أبي هريرة قال: ((ما شبع آل محمد من طعام ...)) الحديث.
وعن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: ((أصابني جهد شديد...)) الحديث.
والسند الثاني معطوف على الأول من غير شك، وعند م: ((ما شبع رسول الله وأهله ثلاثاً تباعاً من خبز البر حتى فارق الدنيا)).
وروى المقدام بن معدي كرب مرفوعا فيما أخرجه الزمخشري في ((ربيعه)): ((ما ملأ ابن آدم وعاء شراً من بطن، بحسب الرجل من طعامه ما أقام صلبه)). وأما إذا ... ابن آدم فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث نفس.
وأخرج من حديث حذيفة مرفوعاً: ((من قل طعمه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعمه سقم بطنه وقسا قلبه))، وفي لفظ: ((لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب؛ فإن القلب ثمرة كالزرع إذا كثر عليه الماء انتهى))، فيحتمل أن تركه عليه السلام الشبع لهذا لا للعدم، وأجمعت العرب كما قال فضيل بن عياض على أن الشبع من الطعام لوم، بل نص الشافعي على أن الجوع يدلي.
والجهد فيه بضم الجيم وفتحها لغتان، وقال نفطويه: الضم ص3978 المشقة، والفتح المبالغة والغاية.
وقال الشعبي: الضم المشقة، والفتح العمل.
قوله: (فأمر لي بعس لبن) هو القدح الضخم وجمعه عساس، قوله: (فشربت حتى استوى بطني فصار كالقدح) هو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم أول ما يقطع قطعاً، ثم يبرى فيسمى برياً، ثم يقوم، فيقال: القدح، وهو السهم إذا قوم، وذلك أن السهم يراش ثم يركب نصله، فهو حينئذ سهم، والمراد: إن بطنه استوى فامتلأ فصار كالسهم.
قوله: (قال عمر: والله لأن أكون أدخلتك) الحديث هذا حث منه، وحرص على فعل الخير، والحمر: لون محمود في الإبل، يريد يملكها ويضعها في سبيل الخير، فهي أحسنها وأطهرها جلداً.
قال بنو عبس: ما صبر معنا في حربنا من النساء إلا بنات العم، ومن الإبل إلا الحمر، ومن الخيل إلا الكميت. وفي حديث أبي هريرة هذا التعريض بالمسألة والاستحياء، وذكر الرجل ما كان أصابه من الجهد، وفيه إباحة الشبع عند الجوع؛ لقوله: ((فشربت حتى استوى بطني)) يعني: أنه لما روي من اللبن استقام بطنه وصار كأنه سهم؛ لأنه كان بالجوع ملتصقاً مثنياً. وفيه: ما كان السلف عليه من الصبر على التقلل وشظف العيش والرضا باليسير من الدنيا؛ ألا ترى قول أبي هريرة: ((ما شبع آل محمد من طعام ثلاثاً)) ستأتي معاني هذا الحديث وما عارضه في باب: ما كان عليه السلام وأصحابه يأكلون.
وفيه: سد الرجل خلة أخيه المؤمن إذا علم منه حاجة من غير أن يسأله ذلك. وفيه: أنه كان من عادتهم إذا استقرأ أحدهم صاحب القرآن أن يحمله إلى بيته، ويطعمه ما تيسر عنده، والله أعلم لِمَ لَم يحمل عمر أبا هريرة حين استقرأه أبو هريرة لشغل كان به، أو أنه لم يتيسر حينئذ ما يطعمه.
وقد روي عن أبي هريرة أنه قال: ((والله ما استقرأت عمر الآية، وأنا أقرأ لها منه إلا طمعاً في أن يذهب بي ويطعمني)). وهو زائد على ما في خ من قوله: ((والله لقد استقرأتك الآية ولأنا أقرأ لها منك)).
وفيه: الحرص على أفعال الخير ليأسف عمر على ما فاته من حمل أبي هريرة إلى بيته وإطعامه إن كان محتاجاً إلى الأكل، وأن ذلك كان أحب إليه من حمر النعم.