الفيض الجاري بشرح صحيح الإمام البخاري

[كتاب التيمم]

(7) (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ): ثبتت البسملة مقدمة لكريمة على الكتاب، ولأبي ذر مؤخرة عنه كتأخيرها عن أسماء سور القرآن، وسقطت للأصيلي.
(كِتَابُ التَّيَمُّمِ): كذا لأبي الوقت، والأصيلي، وابن عساكر، ولغيرهم: <باب التيمم>، والأولى: الكتاب لما لا يخفى على أولي الألباب.
وهو لغةً: القصد، يقال: تيممت فلاناً ويممته، وتأممته، وأممته.
قال الفراء: لم يسمع أممته _ بالتخفيف _
قال تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} [البقرة:267]، وقال الشاعر:
~ولا أدري إذا يممت أرضاً أريد الخير أيهما يليني
وقال امرؤ القيس:
~تيممتها من أذرعات وأهلها بيثرب
على رواية، وإلا فالمشهور: تنورتها.
وعن الخليل: التيمم يجري مجرى التوخي، تقول: تيممت أطيب ما عندك فأطعمنا منه، فهو أخص من الأول؛ لأن التوخي كما قيل: لا يستعمل إلا في الخير.
وقال ابن السكيت: أصله: القصد، ثم كثر استعماله حتى صار اسماً لمسح الوجه واليدين بالتراب.
وأقول: هو على كل حال شرعاً عند من شرط النية: مسح الوجه واليدين بتراب مخصوص مع النية، فهو حقيقة شرعية، ومجاز لغوي من نقل المتعلق بالكسر إلى المتعلق بالفتح على الأول مع النية، ففيه تصرفان: النقل، والتخصيص، وعلى ما قاله ابن السكيت تصرف واحد.
وأما قول ((الفتح)): إنه مجاز لغوي على قول ابن السكيت، وحقيقة شرعية على غيره، ففيه ما فيه لمن تأمل.
وقال الكرماني: وهو إما مجاز لغوي، أو حقيقة شرعية.
والتيمم من خصوصيات هذه الأمة.
قال الكرماني وتبعه البرماوي: واعلم أن التيمم ثابت بالكتاب، والسنة، والإجماع، وهو خصيصة خص الله سبحانه هذه الأمة به، وأجمعوا على أنه لا يكون إلا في الوجه واليدين، سواء كان عن حدث أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها، وهو عندنا رخصة مطلقاً على الأصح، وقيل: عزيمة
ج1ص967
مطلقاً، وبه جزم الشيخ أبو حامد، وقيل: التيمم لعدم الماء عزيمة، وللعذر رخصة، وفرض سنة أربع، أو خمس، أو ست، أو عام الفتح، احتمالات على الخلاف في زمن نزول آيته في أي عزوة؟ كما سيأتي، وفرضيته معلومة بالكتاب، والسنة، والإجماع في المحدث، وعلى المشهور في الجنب لمخالفة عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والنخعي، وغيرهم فيه، كما ستعرفه، ونقل رجوعه عنه.
(قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى): ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي: <عز وجل> بدل: (تعالى)، ولابن عساكر، والأصيلي: <وقول الله>: بالواو، فقول الله: خبر لمحذوف؛ أي: الدال على ذلك، أو مبتدأ خبره محذوف؛ أي: دال على ذلك، ولا يصح جعله:{فلم تجدوا} [النساء:43] الآية؛ لأنه مقول القول، ولعدم الفائدة.
وأما تجويز الكرماني ومن تبعه ذلك على تقدير: قول الله في شأن التيمم هذه الآية، ففيه تكلف، والأظهر: كونها مع الواو معطوفة على (كتاب) أو (باب)، ويجوز كونها استئنافية كما في ((الفتح))، وأما على تركها، فهي مستأنفة لا غير.
واعترضه العيني الاستئناف: بأنه جواب من سؤال، ولا محل له هاهنا، فإن أراد اللغوي فهو غير صحيح أيضاً؛ لأنه في اللغة الإعادة، ولا محل لها هنا.
وأقول: هو بكلا معنييه صحيح، أما البياني: فلأن قوله: (كتاب التيمم): ينشأ عنه ما دليله؟أو هل له دليل؟ وأما اللغوي: فلأن معناه الابتداء كما في ((القاموس)) كـ((الصحاح)) لا كما قاله: فلم نعثر عليه بهذا المعنى، على أنه لو سلم فلا مانع منه، وإن كان خلاف الظاهر، إذ لو قيل:إن المعنى مثلاً أعود إلى الكلام على التيمم تفصيلاً بعد ذكره إجمالاً، وبقي هناك احتمال إرادة الاستئناف النحوي، وهو ليس له تعلق بما قبله من حيث الإعراب، وهو صحيح الإرادة هنا، فتأمل.
على أنه يمكن أن يريد بالاستئنافية المعطوفة؛ لأنها إذا عطفت على المستأنفة فهي مستأنفة، فتأمل وأنصف.
({فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً}): كذا للأكثر موافقة للتلاوة التي في المائدة لا النساء، كما ظنه العيني وهو الصواب كما قال صاحب ((المشارق))، ورواه النسفي، وعبدوس، والمستملي، والحموي: <فإن لم تجدوا> موافقة لآية النساء؛ لكنه خلاف الصواب لذكر ({منه}) في آخر الآية في رواية كريمة، ولما سيذكره المصنف من رواية عمرو بن الحارث: فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} إلى قوله: {لعلكم تشكرون} [المائدة:6].
وحينئذٍ فلا حاجة لقول ((الفتح)): ظهر لي أن البخاري أراد أن يبين أن المراد بالآية المبهمة في قول عائشة في حديث الباب:(فأنزل الله آية التيمم): أنها آية المائدة، ووقع التصريح بذلك في رواية حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة في قصتها المذكورة، قال: فأنزل الله آية التيمم: فإن لم تجدوا ماء فتيمموا، الحديث، فكأن البخاري أشار إلى هذه الرواية المخصوصة، واحتمل أن تكون قراءة شاذة لحماد بن سلمة أو غيره، أو وهماً منه
({فَتَيَمَّمُوا صَعِيدَاً طَيِّبَاً} [المساء:43]): هو عند الشافعي: التراب الطهور، وعند الحنفية: كلما صعد على الأرض من جنسها.
قال العيني: قال أبو إسحاق: الطيب: النظيف، وقيل: الحلال، وقيل: الطيب: ما تستطيبه النفس، والأكثر أن معناه: طاهر، بل قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف في ذلك. انتهى
({فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ}): الأيدي: يصدق إلى المرفقين، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة، وإلى الكوعين، وهو مذهب أحمد، ومالك، وتقدم الكلام على الآية في أول كتاب الغسل، ووقع في رواية الأصيلي بعد:({فتيمموا}):<الآية>، ووقع في رواية كريمة والشبوني ذكر:({منه})، وسقطت لغيرهما.