الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: اللهم أنجز لي ما وعدتني

84- السَّادس: عن ابن عبَّاسٍ _ من رواية سِماكٍ عنه _ قال: حدَّثني عمر بن الخطَّاب قال: «لمَّا كان يومُ بدرٍ نظرَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلى المشركين وهم ألفٌ وأصحابُه ثلاثُ مئة وتسعةَ عشرَ رجلاً، فاستقبلَ نبيُّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم القِبلة، ثمَّ مَدَّ يَدَيه فجعل يَهتِف [1] بربِّه يقول: اللَّهمَّ أنجز لي ما وعدتَني [2] ، اللَّهمَّ آتِ [3] ما وعدتَني، اللَّهمَّ إن تهلِكْ هذه العصابةُ من أهل الإسلام لا تُعبدْ في الأرض. فما زال يهتِف بربِّه مادًّا يدَيه حتَّى سقط رداؤه عن مَنكِبيه، فأتاه أبو بكرٍ فأخذ رداءه فألقاه على مَنكِبيه، ثمَّ التزمَه من ورائه وقال: يا نبيَّ الله؛ كذاك مُناشدتُك ربَّك [4] ! فإنَّه سيُنجز لك ما وعدك، فأنزل الله عزَّ وجلَّ: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم [5] بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ [6]} [الأنفال:9]
ج1ص59
فأَمدَّه اللهُ بالملائكة.
قال سِماك: فحدَّثني ابن عبَّاسٍ قال: بينما رجلٌ من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في إثْرِ رجلٍ من المشركين أمامَه، إذ سمع ضربةً بالسَّوط فوقَه، وصوتَ الفارس يقول: أقدِم حَيزومُ، إذ نظر إلى المشرك أمامَه خَرَّ مُستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم أنفُه [7] وشُقَّ وجهُه كضربة السَّوط، فاخضرَّ ذلك أجمعُ، فجاء الأنصاريُّ فحدَّث بذاك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقال: صدقتَ، ذاك من مَدد السَّماء الثَّالثة. فقتلوا يومئذٍ سبعينَ، وأسروا سبعينَ.
قال ابن عبَّاسٍ: فلمَّا أسروا الأَُسارى قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي بكرٍ وعمر: ما ترون في هؤلاء الأَُسارى؟ فقال أبو بكرٍ: يا رسول الله؛ هم بنو العمِّ والعشيرة، أرى أنْ تأخذَ منهم فديةً، فتكونَ لنا قوَّةً على الكفَّار، فعسى الله أن يهديَهم إلى الإسلام! فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ما ترى يا ابن الخطَّاب؟ قال: قلت: لا والله يا رسول الله؛ ما أرى الَّذي رأى أبو بكرٍ، ولكنِّي أرى أن تمكِّنَّا فنضربَ أعناقَهم، فتُمكِّنَ عليًّا من عَقيلٍ، وتمكِّنِّي من فلان _ نسيباً كان لعمرَ _ فأضربَ عنقَه، فإنَّ هؤلاءِ أئمَّةُ الكفر وصَناديدُها [8] ، فهَويَ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ما قال أبو بكرٍ، ولم يهوَ ما قلتُ.
فلمَّا كان من الغدِ جئتُ، فإذا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وأبو بكرٍ قاعدَين يبكيان! فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أيِّ شيءٍ تبكي أنت وصاحبك؟! فإن وجدتُ بكاءً بكَيت، وإن لم أجد بكاءً تباكَيت لبكائكما، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أَبكي للَّذي عَرَض عليَّ أصحابُك مِن أخذِهم الفداءَ، لقد عُرِضَ عليَّ عذابُهم أدنى من هذه الشَّجرة. لشجرةٍ قريبةٍ من نبيِّ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنزل الله عزَّ وجلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ [9] فِي الأَرْضِ} إلى قوله: {فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ} [الأنفال:67-69] فأحلَّ الله الغنيمة لهم» [10] .
ج1ص60


[1] هَتَف يهتِفُ: إذا رفع صوتَه في دعاء أو غير ذلك.
[2] إنجازُ الوعد: تعجيلُه.
[3] في (ابن الصلاح): (إيت)، وأشار فوقها بـ(كذا).
[4] كذاك مناشدتك ربك: إشارة إلى الرفق وترك الإلحاح.
[5] أمدَّ يُمِدُّ: أعان والممِدُّ المعين والمَدَد العون وجمعه أمداد.
[6] التَّرادف: التتابعُ، مردفينَ يتبع بعضهم بعضاً ويردف آخره أي يتبعه.
[7] خُطِم أنفُه: أُصيب بضربةٍ أثرت فيه.
[8] الصَّناديد: الأشرافُ واحدهم صنديد.
[9] الإثخانُ: الإفراطُ والمبالغة، وأثخَن في العدوِّ: إذا أكثرَ القتلَ لهم والإيقاع بهم، وأثخَن في الأرض: تمكَّن فيها بالغلبة والقهرِ لأعدائه، وأثخنه المرضُ: اشتد عليه وبلغ منه مبلغاً، وأثخنَتْهُ الجراح: أي؛ بلَّغتْهُ مبلغَ الخوف عليه. (ابن الصلاح) نحوه.
[10] في هامش (ابن الصلاح): (بلغ).