الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

حديث: لما وقف الزبير يوم الجمل دعاني فقمت

          176- الحديث الأوَّل: وصيَّة الزُّبير: عن عبد الله بن الزُّبير قال: لمَّا وقف الزُّبير يومَ الجمل دعاني فقمتُ إلى جنبه، فقال: يا بُنيَّ؛ إنَّه لا يُقتل اليومَ إلَّا ظالمٌ أو مظلومٌ، وإنِّي لا أُراني إلَّا سأُقتل اليومَ مظلوماً، وإنَّ مِن أكبر همِّي لَدَيني، أفتُرَى دَينَنا يُبقِي من مالِنا شيئاً؟ ثمَّ قال: يا بُنيَّ؛ بِعْ مالَنا واقضِ دَيني، وأوصى بالثُّلث وثلثُه لبَنيه(1) _يعني لبني عبد الله_ قال: فإن فضَلَ من مالنا بعدَ قضاء الدَّين شيءٌ فثَلِّثْه لولدك(2)، قال عبد الله بن الزُّبير: فجعل يوصيني بِدَينه ويقول: يا بنيَّ؛ إن عَجَزت عن شيءٍ منه فاستعِن عليه بمَولاي، قال: فوالله ما دريتُ ما أراد حتَّى قلت: يا أبتِ؛ مَن مَولاك؟ قال: الله؛ فوالله ما وقعتُ في كربةٍ من دَينه إلَّا قلت: يا مَولى الزُّبير اقضِ عنه دَينه، فيقضيه.
          قال: فقُتِلَ الزُّبير ولم يدَعْ ديناراً ولا درهماً إلَّا أرَضينَ، منها الغابةُ وأحدَ عشرَ(3) داراً بالمدينة، ودارين بالبصرة، وداراً بالكوفة، وداراً بمصر. /
          قال: وإنَّما كان دَينُه الَّذي كان عليه أنَّ الرجل كان يأتيه بالمال فيستودِعه إيَّاه، فيقول الزُّبير: لا؛ ولكن هو سَلَفٌ؛ إنِّي أخشى عليه الضَّيعَة، وما وَلي إمارةً قطُّ ولا جِبايةً ولا خَراجاً ولا شيئاً إلَّا أن يكون في غزوٍ مع رسول الله صلعم، أو مع أبي بكرٍ وعمر وعثمان.
          قال عبد الله بن الزُّبير: فحسَبتُ ما كان عليه من الدَّين فوجدُته ألفَي ألفٍ ومئتي ألفٍ، قال: فلقي حكيمُ بن حزام عبدَ الله بن الزُّبير فقال: يا ابن أخي؛ كم على أخي من الدَّين؟ قال: فكتمتُه وقلت: مئة ألفٍ، فقال حكيم: والله ما أدري أموالُكم تسعُ هذه؟! فقال عبد الله: أرأيتَك إن كانت ألفَي ألفٍ ومئتي ألفٍ، قال: ما أراكم تطيقون هذا! فإن عَجَزتم عن شيءٍ منه فاستعينوا بي.
          قال: وكان الزُّبير قد اشترى الغابة بسبعين ومئة ألفٍ، فباعها عبد الله بألف ألفٍ وست مئة ألفٍ، ثمَّ قام فقال: مَن كان له على الزُّبير شيءٌ فليوافِنا بالغابة، قال: فأتاه عبد الله بن جعفرٍ _وكان له على الزُّبير أربع مئة ألفٍ_ فقال لعبد الله: إن شئتم تركتُها لكم، قال عبد الله: لا؛ قال: فإن شئتم جعلتموها فيما تؤخِّرون إن أخَّرتم، فقال عبد الله: لا؛ قال: فاقطعوا لي قطعةً، قال: فقال عبد الله: لك من ههنا إلى ههنا، قال: فباع عبد الله منها فقضى دَينه فأوفاه، وبقي منها أربعةُ أسهمٍ ونصفٌ.
          قال: فقدم على معاوية وعندَه عمرو بن عثمان والمنذر بن الزُّبير وابن زَمعَة، قال: فقال له معاوية: كم قُوِّمتِ الغابة؟ قال: كلُّ سهمٍ مئةُ ألفٍ، قال: كم بقي منها؟ قال: أربعة أسهمٍ ونصفٌ، فقال المنذر بن الزُّبير: قد أخذتُ منها سهماً بمئة ألفٍ، وقال عمرو بن عثمان: قد أخذتُ سهماً بمئة ألفٍ، وقال ابن زمعةَ: قد / أخذت سهماً بمئة ألفٍ، قال: فقال معاوية: كم بقي؟ قال: سهمٌ ونصفٌ(4)، فقال: قد أخذتُه بخمسين ومئة ألفٍ، قال: وباع عبد الله بن جعفر نصيبه من معاوية بست مئة ألفٍ.
          قال: فلمَّا فرغ ابن الزُّبير من قضاء دَينه قال بنو الزُّبير: اقسم بيننا ميراثَنا، قال: والله لا أَقسِم بينكم حتَّى أُنادي بالموسم أربع سنين؛ ألَا مَن كان له على الزُّبير دَينٌ فليأتِنا فلنقضِه، قال: فجعل كلَّ سنةٍ ينادي في الموسم، فلمَّا مضى أربعُ سنينَ قَسَم بينهم، ورَفع(5) الثُّلث.
          قال: وكان للزُّبير أربع نسوةٍ، فأصاب كلَّ امرأةٍ ألفُ ألفٍ ومئتي ألفٍ، قال: فجميع ماله خمسون ألف ألفٍ ومئتا ألفٍ. [خ¦3129]


[1] في هامش (ابن الصلاح): قال شيخنا: معناه أنه جعل ثلث الثلث الموصى به لبني عبد الله، وهو مصرَّح به في كتاب البخاريّ فحذفه الحميدي، ولفظُه عند البخاري: وثلثه لبنيه يعني بني عبد الله، يقول: ثلثُ الثلث، فإن فضل من مالنا..إلى آخره.واعلم أنّ قوله: فثلِّثه لولدك يتعين أن يَقرأه بالتشديد، فعل أمر بالتثليث حتى يصحَّ إضافته إلى ولده؛ ليكون التثليثُ وصلةً إلى إيصال ثلث الثلث إليهم، ولا يستقيمُ أن يضيفَ الثلث إليهم مع كونهم ليس لهم إلا ثلثُ الثلث إلا بتكلف برد الضمير فيه إلى الثلث السابق ذكره وهو بعيدٌ، والظاهر أنّ قوله: يقول: ثلث الثلث أيضاً بالتشديد، فاعلم ذلك فإنه مشكلٌ عن كاشفه ولله الحمد وهو أعلم.
[2] تصحفت عند (أبي شجاع) إلى: (لولد لك).
[3] كذا في الأصلين واستشكلها عند (ابن الصلاح) لأن صوابها: إحدى عشرة، وكذلك هي في رواية البخاري.
[4] في (أبي شجاع): (ونصف سهم)، وما أثبتناه من (ابن الصلاح) موافق لنسختنا من رواية البخاري.
[5] في هامش (ابن الصلاح): (ص: ودفع)، وما أثبتناه من الأصلين موافق لنسختنا من رواية البخاري.