الجمع بين الصحيحين للحميدي مع تعقبات الضياء المقدسي

دواعي التصنيف في السنة وأوائل من صنف

ولمَّا امتد الزَّمان، وخِيفَ اختلاطُ الصَّحيح بالسَّقيم، واشتباهُ المرتاب به بالسَّليم؛ انتدَب جماعةٌ من الأئمَّة السَّالفين رضي الله عنهم أجمعين إلى تقييد ذلك بالتأليف، وحفظِه بالجمع والتصنيف؛ كمالكِ بن أنسٍ وابنِ جُريجٍ وسفيانَ ومَن بعدَهم، فبلغ كلٌّ من ذلك إلى حيث انتهى إليه وُسْعُه، وأمكنَه استيفاؤه
ج1ص2
وجمعُه، واتصل ذلك إلى زمان الإمامين: أبي عبد الله محمَّد بن إسماعيل البخاريِّ، وأبي الحسين مسلم بن الحجَّاج النَّيسابوريِّ، رضي الله عنهما وعنهم. فخُصَّا من الاجتهاد في ذلك وإنفادِ الوُسْعِ فيه، واعتبارِه في الأمصار، والرِّحلةِ عنه إلى متباعدات الأقطار من وراء النهر إلى فُسطاط مصر، وانتقادِه حرفاً حرفاً [1] ، واختيارِه سنداً سنداً؛ بما قد وقع اتِّفاق النُّقاد من جَهابذة الإسناد عليه، والتَّسليمُ منهم له، وذلك نتيجةَ ما رُزِقَا من نهاية الدِّراية، وإحكامِ المعرفة بالصِّناعة، وجَودةِ التمييز لانتقاد الرِّواية، والبلوغِ إلى أعلى المراتب في الاجتهاد والأمانة في وقتهما، والتَّجرُّدِ لحفظ دين الله الَّذي ضَمِن حفظَه، وقيَّض له الحافظين له بالإخلاص لله عزَّ وجلَّ فيه، وشاهدُ ذلك ما وضع الله لهما ولهم من القَبول في الأرض على ما ورد به النص فيمن أحبه الله تعالى وأمر أهل السَّماوات العُلى بحبِّه.
ولمَّا انتهيا من ذلك إلى ما قصداه، وقرَّرا منه ما انتقداه، على تنائيهما في الاستقرار حين الجمع والاعتبار، أخرجا [2] ذلك في هذين الكتابين المنسوبين إليهما، ووسَم كلُّ واحدٍ منهما كتابه بـ(الصَّحيح)، ولم يتقدَّمْهما إلى ذلك أحدٌ قبلَهما، ولا أفصحَ بهذه التسمية في جميع ما جمعه أحدٌ سواهما فيما علمناه؛ إذ لم يستمرَّ ذلك لغيرهما في كلِّ ما أورده، فتبادرت النيات الموفَّقة على تباعدها، من الطوائف المحقِّقة على اختلافها، إلى الاستفادة منهما، والتَّسليم لهما في علمهما وتمييزهما، وقَبولِ ما شَهدا بتصحيحه فيهما، يقيناً بصدقِهما في النية، وبراءتِهما من الإقبال على جهةٍ بحميَّةٍ، أو الالتفاتِ إلى فئةٍ بعصبيَّةٍ، سوى ما صحَّ عمَّن أُمِرنا بالرجوع إليه، والتعويلِ في كلِّ ما أخبرَنا به عليه صلَّى الله عليه وسلَّم.


[1] ضبطها في (ش) بضبطين معاً في كلمة واحدة: (حرفاً حرفاً) و(جُزءاً جُزءاً).
[2] في(ابن الصلاح): (جمعا).