إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم

528- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المٌهمَلة والزَّاي، ابن محمَّد بن حمزة، الزُّبيريُّ المدنيُّ (قَالَ: حَدَّثَنِي) بالإفراد، وفي رواية أبي ذَرٍّ: ((حدَّثنا)) (ابْنُ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المُهمَلة والزَّاي، عبد العزيز، واسم أبي حازمٍ سلمة بن دينارٍ المدنيُّ (وَ) عبد العزيز بن محمَّد ابن عبيدٍ (الدَّرَاوَرْدِيُّ) بفتح الدَّال والرَّاء المُهمَلتين فألفٍ ثمَّ واوٍ مفتوحةٍ ثمَّ [1] راءٍ ساكنةٍ، ثمَّ دالٍ مُهمَلَةٍ فياءٍ؛ قريةٌ بخراسان نُسِب إليها، كلاهما [2] (عَنْ يَزِيدَ) ولأبي ذَرٍّ زيادة: ((ابن عبد الله)) وللأَصيليِّ: ((يعني: ابن عبد الله [3] ابن الهادِ)) أي: اللَّيثيِّ الأعرج، التَّابعيِّ الصَّغير (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ) التَّيميِّ التَّابعيِّ، راوي حديث: «إنَّما الأعمال بالنِّيَّة [4] » (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بفتح اللَّام (بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم يَقُولُ: أَرَأَيْتُمْ) بهمزة الاستفهام التقريريِّ [5] وتاء الخطاب، أي: أخبروني (لَوْ) ثبت (أَنَّ نَهَرًا) بفتح الهاء وسكونها، ما بين جنبتي [6] الوادي، سُمِّي به لسعته، صفته أنَّه (بِبَابِ أَحَدِكُمْ) ظرفٌ مستقرٌّ حال كونه (يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ) ظرفٌ لـ «يغتسل» (خَمْسًا) أي: خمس مرَّاتٍ [7]، مصدرٌ له (مَا تَقُولُ؟) أيُّها السامع، أي: ما تظنُّ؟ فأجرى فعل القول مجرى فعل الظَّنِّ كما نبَّه عليه ابن مالكٍ في «توضيحه» لأنَّ «ما» الاستفهاميَّة تقدَّمت، وَوَلِيَهَا فعلٌ مضارعٌ مُسنَدٌ إلى ضمير المٌخاطَب، فاستحقَّ أن يعمل عمل فعل الظَّنِّ، وقال في «المصابيح»: جواب «لو» اقترن بالاستفهام كما اقترن به جواب «إنَّ» الشَّرطيَّة في مثل قوله تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى} [العلق: 14] هكذا مثَّل [8] بعضهم، ومثَّل الرَّضِيُّ لذلك بقوله تعالى: {أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ} [9] [الأنعام: 47] وفيهما نظرٌ؛ فإنَّ اقتران الجواب في مثله بالفاء واجبٌ، ولا محلَّ لهذه الجملة المتضمِّنة للاستفهام لأنَّها مستأنفةٌ لبيان الحال المستخبر عنها، كأنَّه لمَّا [10] قال: «أرأيتم» قالوا: عن أيِّ شيءٍ تسأل؟ فقال: «لو أنَّ نهرًا بباب أحدكم يغتسل فيه [11] في [12] كلِّ يومٍ خمسًا ما تقول» (ذَلِكَ) أي: الاغتسال (يُبْقِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه المُخفَّف من الإبقاء، وهو بالمُوحَّدة [13] عند الجمهور، وحكى عياضٌ عن بعض شيوخه ((أنَّه ينقِّي)) بالنُّون، والأوَّل أوجه (مِنْ دَرَنِهِ؟) بفتح أوَّله، أي: من وسخه، زاد مسلمٌ: «شيئًا»، و«ما» الاستفهاميَّة في موضع نصبٍ بـ «يبقي»، وقُدِّم لأنَّ الاستفهام له الصَّدر، فإن قِيل: خاطب أوَّلًا الجماعة بقوله: «أرأيتم»، ثمَّ أفرد في «تقول»، فما وجهه؟ أجاب في «المصابيح» بأنَّه أقبل على الكلِّ أوَّلًا فخاطبهم جميعًا، ثمَّ أفرد إشارةً إلى أنَّ هذا الحكم لا يُخاطَب به مُعيَّنٌ؛ لتناهيه في الظُّهور، فلا يختصُّ به مُخاطَبٌ دون مُخاطَبٍ، وقد مرَّ نظيره [14] (قَالُوا: لَا يُبْقِي) بضمِّ أوَّله وكسر ثالثه [15] المُخفَّف، وفاعله ضميرٌ يعود إلى ما تقدَّم، أي: لا يبقي ذلك الفعل أو الاغتسال (مِنْ دَرَنِهِ) وسخه (شَيْئًا) نُصِبَ على المفعوليَّة (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (فَذَلِكَ) «الفاء» جواب شرطٍ محذوفٍ، أي: إذا علمتم ذلك فهو (مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) بفتح الميم والمُثلَّثة، أو بالكسر والسُّكون (يَمْحُو اللهُ بِهِ الْخَطَايَا) أي: الصَّغائر، وتذكير الضَّمير باعتبار أداء الصَّلوات، وللأربعة: ((بها)) أي: بالتَّأنيث باعتبار الصَّلوات، وفائدة التَّمثيل التَّأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس، قال الدَّمامينيُّ رحمه الله تعالى: شبَّه _على جهة التمثيل_ حال المسلم المقترف لبعض [16] الذُّنوب المحافظ على أداء الصَّلوات الخمس في زوال الأذى عنه وطهارته من أقذار السَّيِّئات
ج1ص483
بحال المغتسل في نهرٍ على باب داره كلَّ يومٍ خمس مرَّاتٍ في نقاء بدنه من الأوساخ وزوالها عنه، ويجوز أن يكون هذا من تشبيه أشياء بأشياء، فشُبِّهت «الصَّلاة» بـ «النَّهر» لأنَّها تنقِّي صاحبها من درن الذُّنوب كما ينقِّي النَّهر البدن من الأوساخ الَّتي تعلق به بالاغتسال فيه، وشُبِّه قرب تعاطي الصَّلوات [17] وسهولته بكون النَّهر قريبًا من مُجاوَرته على باب داره، وشُبِّه أداؤها كلَّ يومٍ خمس مرَّاتٍ بالاغتسال المتعدِّد كلَّ يومٍ [18] كذلك، وشُبِّهت الذُّنوب بالأدران للتَّأذِّي بمُلابَستها، وشُبِّه محو السَّيِّئات عن المُكلَّف بنقاء البدن وصفائه، والأوَّل أفحل وأجزل.
ورواة هذا الحديث السَّبعة مدنيُّون، وفيه ثلاثةٌ من التَّابعين: يزيد ومحمَّد وأبو سلمة، وفيه: التَّحديث والعنعنة والسَّماع، وأخرجه مسلمٌ في «الصَّلاة»، والتِّرمذيُّ في «الأمثال».
ج1ص484


[1] في (ص): «و».
[2] في هامش (ص): (قوله: «كلاهما» متعلِّقٌ بقوله: «عن يزيد» أي: كلا الرَّاوييِّن روى عن يزيد). انتهى.
[3] «وللأَصيليِّ: يعني ابن عبد الله»: سقط من (د).
[4] في (د): «بالنِّيَّات».
[5] في (د): «التَّقديريِّ»، وهو تحريفٌ.
[6] في (د) و(م): «جنبي».
[7] في هامش (ص): (قوله: «أي: خمس مرَّاتٍ» إشارةٌ إلى أنَّ تمييز هذا العدد محذوفٌ، والإضافة فيه واجبةٌ، وقوله: «مصدرٌ له» أشار به إلى: أنَّ «خمسًا» مصدرٌ لـ «يغتسل»، أي: نائبٌ مناب مصدره في الانتصاب على أنَّه مفعولٌ مُطلَقٌ دالٌّ على عدد المصدر؛ نحو: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} [النُّور: 4] والأصل: فاجلدوهم جلدًا ثمانين، فحُذِف المصدر، وأُجيب عنه: ثمانين جلدةً، تمييزٌ). انتهى عجمي.
[8] في غير (ص) و(م): «مثَّله».
[9] {إلَّا القَوْمُ الظَّالِمُونَ}: سقط من (د).
[10] «لمَّا»: سقط من (د).
[11] في (د): «منه».
[12] «في»: سقط من (ص) و(م).
[13] في (ص): «بالمدِّ».
[14] قوله: «فإن قِيل: خاطب أوَّلًا الجماعة بقوله:... مُخاطَبٍ، وقد مرَّ نظيره» سقط من (م).
[15] في (م): «تاليه».
[16] في (ب): «بعض».
[17] في (ص): «الصَّلاة».
[18] «كلَّ يومٍ»: مثبتٌ من (ص).