إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله

516- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ: أَخْبَرَنَا) وللأَصيليِّ: ((حدَّثنا)) (مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ) بفتح العين وضمِّ [1] السِّين (الزُّرَقِيِّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الرَّاء، الأنصاريِّ (عَنْ أَبِي قَتَادَةَ) الحارث بن ربعيٍّ (الأَنْصَارِيِّ) السَّلميِّ رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم كَانَ يُصَلِّي وَهْوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) بتنوين «حاملٌ» وضمِّ همزة «أُمَامةَ» وتخفيف ميمها والنَّصب، والجملة اسميَّةٌ حاليَّةٌ، ورُوِي: ((حاملُ أمامة)) بالإضافة كـ {إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} [الطلاق: 3] بالوجهين، ويظهر أثر الوجهين في قوله: (بِنْتَ زَيْنَبَ) فيجوز فيها الفتح والكسر بالاعتبارين، وأمَّا قوله: (بِنْتِ رَسُولِ اللهِ) وفي روايةٍ: ((ابنة رسول الله)) (صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) فبجرِّ «بنت» خاصَّةً لأنَّها صفةٌ لـ «زينب» المجرورة قطعًا (وَ) هي _أي: أمامة_ بنتٌ (لأَبِي الْعَاصِ) مِقْسَمٍ؛ بكسر الميم وفتح السِّين، أو لَقِيطٍ [2] أو القاسم [3] أو مُهَشِّمٍ أو هُشَيْمٍ أو ياسرٍ، أقوالٌ، وأُسِرَ «يوم بدرٍ» كافرًا، ثمَّ أسلم وهاجر، وردَّ عليه النَّبيُّ [4] صلى الله عليه وسلم ابنته زينب وماتت معه، وأثنى عليه صلى الله عليه وسلم في مُصاهَرته، وتُوفِّي في خلافة أبي بكرٍ الصِّدِّيق رضي الله عنهما (بْنِ رَبِيعَةَ) بن عبد العزَّى (بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ) كذا وقع في رواية الأكثرين عن مالكٍ، والصَّواب ما رواه أبو مصعبٍ
ج1ص474
ومعن بن عيسى ويحيى ابن بُكَيْرٍ عن مالكٍ: الرَّبِيعَ؛ بلا هاءٍ، ونسبه مالكٌ إلى جدِّه لشهرته به، وكان حمله عليه الصلاة والسلام لأمامة على عنقه، كما رواه مسلمٌ من طريقٍ أخرى، وعبد الرَّزَّاق عن مالكٍ، ولأحمد من طريق ابن جريجٍ: «على رقبته» (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) وإنَّما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام لبيان الجواز، وهو جائزٌ لنا، وشرعٌ مستمرٌّ إلى يوم الدِّين، وهذا مذهبنا ومذهب أبي حنيفة وأحمد، وادَّعى المالكيَّة نسخه بتحريم العمل في الصَّلاة، وهو مردودٌ بأنَّ قصَّة أمامة كانت بعد قوله عليه الصلاة والسلام: «إنَّ في الصَّلاة لشغلًا» فإنَّ ذلك كان قبل الهجرة، وقصَّة أمامة بعدها قطعًا بمدَّةٍ مديدةٍ، وحمل مالكٍ لها _فيما رواه أشهب_ على صلاة النَّافلة مدفوعٌ بحديث مسلمٍ: «رأيت رسول الله [5] صلى الله عليه وسلم يؤمُّ النَّاس وأُمامة على عاتقه»، وحديث أبي داود: «بينا نحن ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظُّهر أو العصر، وقد دعاه بلالٌ للصَّلاة إذ خرج إلينا وأُمامة بنت أبي العاص بنت ابنته صلى الله عليه وسلم على عنقه، فقام في الصَّلاة وقمنا خلفه»، وفي «كتاب النَّسَب» لابن بكَّارٍ عن عمرو بن سليمٍ: أنَّ ذلك كان في صلاة الصُّبح، وهذا يقتضي أنَّه كان في الفرض، وأُجيب باحتمال أنَّه كان في النَّافلة الَّتي قبل الفرض، ورُدَّ: بأنَّ إمامته بالنَّاس [6] في النَّافلة ليست معهودةً، وبأنَّه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتنفَّل في المسجد، بل في بيته قبل أن يخرج، وإنَّما يخرج عند الإقامة، وحمل الخطَّابيُّ رحمة الله عليه ذلك على عدم التَّعمُّد منه عليه الصلاة والسلام لأنَّه عملٌ كثيرٌ في الصَّلاة، بل كانت أُمامة أَلِفته وأَنِست بقربه، فتعلَّقت به في الصَّلاة [7] ولم يدفعها عن نفسه، فإذا أراد أن يسجد وضعها عن [8] عاتقه حتَّى يكمل سجوده، فتعود إلى حالتها [9] الأولى فلا يدفعها، فإذا قام بقيت معه محمولةً، وعُورِض: بما رواه أبو داود من طريق المقبريِّ عن عمرو بن سليمٍ: «حتَّى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها، ثمَّ ركع وسجد، حتَّى إذا فرغ من سجوده وقام أخذها فردَّها في مكانها»، ولأحمد من طريق ابن جريجٍ: «وإذا قام حملها فوضعها على رقبته» فهذا صريحٌ في أنَّ فعل الحمل والوضع كان منه لا منها، والأعمال في الصَّلاة إذا قلَّت أو تفرَّقت لا تبطلها، والواقع هنا عملٌ غير متوالٍ لوجود الطَّمأنينة في أركان صلاته، ودعوى خصوصيَّته عليه الصلاة والسلام بذلك كعصمته من بول الصِّبية بخلاف غيره مردودةٌ بأنَّ الأصل عدم الخصوصيَّة، وكذا دعوى الضَّرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها لأنَّه عليه الصلاة والسلام لو تركها لبكت وشغلته في صلاته أكثر من شغله بحملها، قال النَّوويُّ: وكلُّها دعاوى باطلةٌ لا دليل عليها، وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشَّرع. انتهى.
ورواة هذا الحديث الخمسة كلُّهم مدنيُّون إِلَّا شيخ المؤلِّف، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦5996]، ومسلمٌ في «الصَّلاة»، وكذا أبو داود والنَّسائيُّ.
ج1ص475


[1] في (م): «فتح»، وليس بصحيحٍ.
[2] في (م): «لقيم»، وهو تحريفٌ.
[3] زيد في (ب) و(س): «أو لقيم».
[4] «النبيُّ»: ليس في (د).
[5] في (د): «النَّبيَّ».
[6] «بالنَّاس»: مثبتٌ من (د)، وفي (م): «في النَّاس».
[7] في (د): «الصَّلوات».
[8] في (م): «على».
[9] في (ص): «حالته».