إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري

349- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) بضمِّ المُوحَّدة (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وسقط لفظ «ابن مالكٍ» لابن عساكر (قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ) رضي الله عنه (يُحَدِّثُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم قَالَ: فُرِجَ) بضمِّ الفاء وكسر الرَّاء، أي: فُتِح (عَنْ سَقْفِ بَيْتِي) أضافه لنفسه؛ لأنَّ الإضافة تكون بأدنى مُلابَسةٍ، وإِلَّا فهو بيت أُمِّ هانئٍ، كما ثبت (وَأَنَا بِمَكَّةَ) جملةٌ حاليَّةٌ اسميَّةٌ (فَنَزَلَ جِبْرِيلُ) عليه السلام من الموضع المفروج في السَّقف، مبالغةً في المفاجأة (فَفَرَجَ) بفتحاتٍ، أي: شقَّ (صَدْرِي) ولأبي ذَرٍّ: ((عن صدري)) (ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) [1] لفضله على غيره من المياه، أو لأنَّه يقوِّي القلب (ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ) بفتح الطَّاء وسكون السِّين المهملة، وهي مؤنَّثةٌ، وتُذَكَّر على معنى الإناء (مِنْ ذَهَبٍ) لا يُقال: فيه استعمال آنية الذَّهب لنا [2]؛ لأنَّا نقول: إنَّ ذلك كان قبل التَّحريم؛ لأنَّه إنَّما وقع بالمدينة (مُمْتَلِئٍ) بالجرِّ صفةٌ لـ «طستٍ»، وذُكِّرَ على معنى: الإناء (حِكْمَةً وَإِيمَانًا) بالنَّصب فيهما على التَّمييز، أي: شيئًا يحصل بملابسته الحكمة والإيمان، فأُطْلِقا عليه تسميةً للشَّيء باسم مُسبَّبه، أو هو تمثيلٌ لينكشفَ بالمحسوس ما هو معقولٌ؛ كمجيءِ الموت في هيئة كبشٍ أملحَ، والحكمة _كما قاله النَّوويُّ_: عبارةٌ عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتملة على المعرفة بالله تعالى، المصحوبةِ بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحقِّ والعمل به، والصدِّ عن اتِّباع الهوى والباطل، وقِيلَ: هي النُّبوَّة، وقِيلَ: هي [3] الفهم عن الله تعالى. (فَأَفْرَغَهُ) أي: ما في الطَّست (فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبَقَهُ) أي: الصَّدرَ الشَّريفَ، فختم عليه كما يُختَم على الوعاء [4] المملوء، فجمع الله تعالى له أجزاءَ النُّبوَّة وختمها، فهو خاتم النَّبيِّين، وختم عليه فلم يجد عدوُّه سبيلًا إليه؛ لأنَّ الشَّيء المختوم عليه [5] محروسٌ، وإنَّما فُعِل به ذلك ليتقوَّى على استجلاء الأسماء الحسنى، والثُّبوت في المقام الأسنى، كما وقع له ذلك أيضًا في حال صباه لينشأ على أكمل الأخلاق، وعند المبعث ليتلقَّى الوحي بقلبٍ قويٍّ.
قال عليه السلام: (ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي) جبريلُ (فَعَرَجَ) أي: صعِد (بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ وابن عساكر: ((به)) على الالتفات أو التَّجريد، جرَّد من نفسه شخصًا وأشار إليه (فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا) وبينها وبين الأرض خمس مئة عامٍ، كما بين كلِّ سماءين إلى السَّابعة، وسقط لفظ «الدُّنيا» عند الأربعة (قَالَ جِبْرِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ) الدُّنيا: (افْتَحْ) أي: بابها، وفي رواية شريك عند المؤلِّف: ((فضرب بابًا من أبوابها)) (قَالَ) الخازن: (مَنْ هَذَا) الَّذي يقرع الباب؟ (قَالَ: جِبْرِيلُ) ولغير أبي ذَرٍّ: ((قال: هذا جبريل)) لم يقل: أنا؛ للنَّهي عنه (قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم [6]، فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ) للعروج به؟ وليس السُّؤال
ج1ص382
عن أصل [7] رسالته؛ لاشتهارها في الملكوت، ولأبي ذَرٍّ: ((أَأُرسل إليه؟)) بهمزتين؛ الأولى للاستفهام وهي مفتوحةٌ، والأخرى للتَّعدية وهي مضمومةٌ، وللكُشْمِيْهَنِيِّ كما في «الفتح»: ((أَوَأُرْسِلَ إليه؟ [8] ) ) بواوٍ مفتوحةٍ بين الهمزتين، وفي رواية شريكٍ: «قال: وقد [9] بُعِثَ إليه؟» (قَالَ) جبريل: (نَعَمْ) أُرْسِل إليه (فَلَمَّا فَتَحَ) الخازن (عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا) ضمير الجمع فيه يدلُّ على أنَّه كان معهما ملائكةٌ آخرون، ولعلَّه كان [10] كلَّما عَدَيَا سماءً تُشيُّعهما الملائكة حتَّى يصلا إلى سماءٍ أخرى، و«الدُّنيا» صفة «السَّماء» في موضع نصبٍ (فَإِذَا) بالفاء، وللأَصيليِّ وابن عساكر: ((إذا)) (رَجُلٌ قَاعِدٌ عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ) أشخاصٌ، جمع سوادٍ؛ كأزمنةٍ جمع زمانٍ (وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ) بكسر القاف وفتح المُوَحَّدة، أي: جهة (يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ) أي: جهة (يَسَارِهِ بَكَى) وللأربعة: ((شماله)) (فَقَالَ) أي: الرَّجل القاعِد: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالاِبْنِ الصَّالِحِ) أي: أصبت رَحْبًا [11] لا ضيقًا، وهي كلمةٌ تُقال عند تأنيس القادم، ولم يقل أحدٌ [12]: مرحبًا بالنَّبيِّ الصَّادق؛ لأنَّ الصَّلاح شاملٌ لسائر الخصال المحمودة الممدوحة [13] من الصِّدق وغيره، فقد جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنَّه قال: مرحبًا بالنَّبيِّ التَّامِّ في نبوَّتِه، والابنِ البارِّ في بنوَّتِه (قُلْتُ لِجِبْرِيلَ) عليه السلام (مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ) عليه السلام (وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ) الَّتي (عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ) [14] بفتح النُّون والسِّين المهملة، جمع نَسَمةٍ؛ وهي نفس الرُّوح، أي: أرواح بنيه (فَأَهْلُ الْيَمِينِ مِنْهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ) يُحتمَل أنَّ النَّار كانت في جهة شماله، ويُكشَفُ له عنها حتَّى ينظرَ إليهم، لا أنَّها في السَّماء؛ لأنَّ أرواحَهم في سِجِّين الأرض [15] السَّابعة، كما أنَّ الجنَّة فوق السَّماء السَّابعة في جهة يمينه كذلك (فَإِذَا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ [16] بَكَى، حَتَّى عَرَجَ بِي) جبريل، ولابن عساكر: ((به)) (إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْل مَا قَالَ الأَوَّلُ [17]، فَفَتَحَ).
(قَالَ) وفي روايةٍ: ((فقال)) (أَنَسٌ: فَذَكَرَ) أبو ذَرٍّ (أَنَّهُ) أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (وَجَدَ فِي السَّمَوَاتِ آدَمَ وَإِدْرِيسَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَإِبْرَاهِيمَ _صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِمْ_، وَلَمْ يُثْبِتْ) من الإثبات (كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ) أي: لم يعيِّن أبو ذَرٍّ لكلِّ نبيٍّ سماءً (غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ) نعم؛ في حديث أنسٍ عن مالك بن صعصعة عند الشَّيخين: «أنَّه وجد آدم في السَّماء الدُّنيا _كما مرَّ_، وفي الثَّانية: يحيى وعيسى، وفي الثَّالثة: يوسف، وفي الرَّابعة: إدريس، وفي الخامسة: هارون، وفي السَّادسة: موسى، وفي السَّابعة: إبراهيم» وفيه بحثٌ يأتي في بابه إن شاء الله تعالى [خ¦3207].
(قَالَ أَنَسٌ) ظاهره: أنَّ أنسًا لم يسمع من أبي ذَرٍّ هذه القطعة الآتية [18]، وهي: (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أي: مصاحبًا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم (بِإِدْرِيسَ) عليه السلام، يتعلَّق الجارُّ والمجرور في الموضعين بـ «مرَّ»، إلَّا أنَّ الباء الأولى للمصاحبة _كما مرَّ_، والثَّانية للإلصاق، أو بمعنى: «على» (قَالَ) إدريس [19]: (مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) لم يقل: والابن كآدم [20]؛ لأنَّه لم يكن من [21] آبائه صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ) وللأَصيليِّ: ((فقال)): (هَذَا إِدْرِيسُ) عليه السلام، قال عليه السلام [22]: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِمُوسَى) عليه السلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالأَخِ الصَّالِحِ) سقط قوله «وَالأَخِ الصَّالِحِ» في رواية الأربعة كما في الفرع، قال عليه السلام: (قُلْتُ) وفي رواية [23]: ((فقلت)): (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا مُوسَى، ثُمَّ مَرَرْتُ بِعِيسَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ) قال عليه السلام: (قُلْتُ) وفي روايةٍ: ((فقلت)): (مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا عِيسَى) وسقطت لفظة «هذا» عند أبي ذرٍّ، وليست «ثمَّ» هنا على بابها في التَّرتيب، إِلَّا إنْ قيل بتعدُّدِ المعراج لأنَّ الرِّوايات قد اتَّفقت على أنَّ المرور به كان قبل المرور بموسى، قال عليه السلام: (ثُمَّ مَرَرْتُ بِإِبْرَاهِيمَ) عليه السلام (فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَالاِبْنِ الصَّالِحِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا) يا جبريل؟ (قَالَ: هَذَا إِبْرَاهِيمُ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم).
(قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهريُّ: (فَأَخْبَرَنِي) بالإفراد (ابْنُ حَزْمٍ) بفتح الحاء المهملة وسكون الزَّاي، أبو بكر بن محمَّد بن عمرو بن
ج1ص383
حزمٍ الأنصاريُّ، قاضي المدينة وأميرها زمن الوليد، المتوفَّى سنة عشرين ومئةٍ عن أربعٍ وثمانين سنةً (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ) بفتح المهملة وتشديد الموحَّدة على المشهور، البدريَّ (الأَنْصَارِيَّ) وعند القابسيِّ: ((وأبا حَيَّة))؛ بمثنَّاةٍ تحتيَّةٍ، وغلط، ورواية أبي بكر بن حزمٍ عن أبي حبَّة منقطعةٌ لأنَّه استُشهِد بأُحُدٍ قبل مولد أبي بكرٍ بدهرٍ، بل قبل مولد أبيه محمَّدٍ أيضًا، ففي هذه الرِّواية وهمٌ لأنَّه إمَّا أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو أبوه [24] محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا [25] أنْ يُقال: إنَّ أبا بكرٍ رواه [26] عنه مُرسَلًا إذ قال: «أنَّ»، ولم يقل: «سمعت» ولا: «أخبرني» وحينئذٍ فلا وَهَمَ، واختُلِف في اسم أبي حبَّة بالموحَّدة [27]؛ فقيل: عامر بن عبد عمرو [28] بن عُمَير بن ثابتٍ، وقيل: مالكٌ، وأنكر الواحديُّ أن يكون في البدريِّين مَن يُكنَّى أبا حبَّة بالموحَّدة، قال في «الإصابة»: وروى عنه أيضًا عمَّار [29] بن أبي عمَّار، وحديثه عنه في «مسند ابن أبي شيبة وأحمد» وصحَّحه الحاكم وصرَّح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الَّذي ذكر ابن إسحاق أنَّه استُشِهَدَ بأُحدٍ، وله في «الطَّبراني» آخر من رواية عبد الله بن عمرو بن عثمان عنه، وسنده قويٌّ، إِلَّا أنَّ عبد الله بن عمرو بن عثمان لم يدركه، قال ابن حزمٍ: (كَانَا) أي: ابن عبَّاسٍ وأبو حبَّة (يَقُولَانِ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: ثُمَّ عرجَ بِي) بفتحاتٍ، أو بضمِّ الأوَّل وكسر الثَّاني (حَتَّى ظَهَرْتُ) أي: علوت (لِمُسْتَوًى) بواوٍ مفتوحةٍ، أي: موضعٍ مُشْرِفٍ يُستوَى عليه؛ وهو المصعد، واللَّام فيه للعلَّة أي: علوت لاستعلاء مستوًى، وفي بعض الأصول: ((بمستوًى)) بموحَّدةٍ بدل اللَّام (أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ) أي: تصويتها حالة كتابة الملائكة ما يقضيه الله تعالى ممَّا تنسخه من اللَّوح المحفوظ، أو ما شاء الله أن يكتب لما أراد الله تعالى من أمره وتدبيره، والله تعالى غنيٌّ عن الاستذكار بتدوين الكتب؛ إذ علمُه محيطٌ بكلِّ شيءٍ.
(قَالَ ابْنُ حَزْمٍ) عن شيخه: (وَ) قال (أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) عن أبي ذَرٍّ، قال الحافظ ابن حجرٍ: كذا جزم به [30] أصحاب «الأطراف»، ويُحتَمل أن يكون مُرْسَلًا من جهة ابن حزمٍ، ومن رواية أنسٍ بلا واسطةٍ: (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم: فَفَرَضَ اللهُ) زاد الأَصيليُّ: ((عزَّ وجلَّ)) (عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً) أي: في كلِّ يومٍ وليلةٍ كما عند مسلمٍ من حديث ثابتٍ عن أنس، لكن بلفظ: ((ففرض الله عليَّ)) وذِكْرُ الفرض عليه يستلزم الفرض على أمَّته وبالعكس، إِلَّا ما يُستثنَى من خصائصه (فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى) عليه الصلاة والسلام (فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. قَالَ) موسى: (فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ) أي: إلى الموضع الَّذي ناجيتَه فيه (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ) سقطت لفظة «ذلك» في رواية أبي ذرٍّ والأَصيليِّ وابن عساكر (فَرَاجَعني) و«للأربعة» وعزاها في «الفتح» للكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فراجعت)) والمعنى واحدٌ (فَوَضَعَ) أي: ربِّي (شَطْرَهَا) وفي رواية مالك بن صعصعة: «فوضع عنِّي عشرًا»، وفي رواية ثابتٍ: «فحطَّ عنِّي خمسًا»، وزاد فيها: ((أنَّ التَّخفيف كان خمسًا خمسًا)) قال الحافظ ابن حجرٍ: وهي زيادةٌ معتمدةٌ يتعيَّن حملُ ما في الرِّوايات عليها (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى، قُلْتُ) وللأَصيليِّ: ((فقلت)): (وَضَعَ [31] شَطْرَهَا، فَقَالَ) ولأبوي ذَرٍّ والوقت: ((قال)): (رَاجِعْ رَبَّكَ) وفي روايةٍ: ((ارجع إلى ربِّك)) (فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ) ذلك (فَرَاجَعْتُ) ربِّي، ولابن عساكر ((فرجعت)) (فَوَضَعَ) عنِّي (شَطْرَهَا) فيه شيءٌ على تفسير الشَّطر بالنِّصف؛ لأنَّه يلزم منه أن يكون وضع اثنتي عشْرة صلاةً ونصف صلاةٍ، وهو باطلٌ، فتفسيره بجزءٍ منها أولى، وأحسنُ منه الحمل على ما زاده ثابتٌ: «خمسًا خمسًا» كما مرَّ (فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ) أي: إلى موسى (فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ [32]، فَرَاجَعْتُهُ) تعالى (فَقَالَ) جلَّ وعلا: (هِيَ خَمْسٌ) بحسب الفعل (وَهيَ خَمْسُونَ) بحسب الثَّواب، قال تعالى: {مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} [الأنعام: 160] ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي [33]، ونسبها في «الفتح» لغير أبي ذَرٍّ: ((هنَّ خمسٌ وهنَّ خمسون)) واستدلَّ به على عدم فرضيَّة ما زاد على الخمس كالوتر، وفيه: جواز النَّسخ قبل الفعل خلافًا للمعتزلة، قال ابن المُنَيِّر: لكنَّ الكلَّ متَّفقون على أنَّ النَّسخ لا يُتصوَّر قبل البلاغ، وقد جاء به حديث الإسراء، فأشكل على الطَّائفتين، وتُعقِّب بأنَّ الخلاف مأثورٌ، نصَّ عليه ابن دقيق
ج1ص384
العيد في «شرح العمدة» وغيره. نعم؛ هو نسخٌ بالنِّسبة إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأنَّه كُلِّفَ بذلك قطعًا، ثمَّ نُسِخَ بعد أن بلَّغَه وقبل أن يفعل، فالنَّسخ في حقِّه صحيح التَّصوير. (لَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ) بمساواة ثواب الخمس الخمسين (لَدَيَّ) أو لا يُبدَّل القضاء المُبرَم، لا المعلَّق الَّذي يمحو الله منه ما يشاء ويثبت فيه ما يشاء، وأمَّا مراجعته عليه الصلاة والسلام ربَّه في ذلك فللعلم بأنَّ الأمر الأَوَّل ليس على وجه القطع والإبرام، قال عليه الصلاة والسلام: (فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ) وللأَصيليِّ: ((ارجع إلى ربِّك)) (فَقُلْتُ) ولأبي ذَرٍّ: ((قلت:)) (اسْتَحْيَيْتُ) وللأَصيليِّ: ((قد استحييت)) (مِنْ رَبِّي) وجه استحيائه: أنَّه لو سأل الرَّفع بعد الخمس لكان كأنَّه قد سأل رفع الخمس بعينها، ولاسيَّما وقد سمع قوله تعالى [34]: {مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ} [ق: 29] (ثُمَّ انْطَلَقَ بِي) بفتح الطَّاء واللَّام، وفي بعض النُّسخ: إسقاط ((بي)) والاقتصار على: ((ثمَّ انطلق)) (حَتَّى انْتَهَى بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى) و«للأربعة»: ((إلى السِّدرة المنتهى)) وهي في أعلى السَّموات، وفي «مسلمٍ»: ((أنَّها في السَّماء [35] السَّادسة)). فيحتمل أنَّ أصلها فيها ومعظمها في السَّابعة، وسمِّيت بالمنتهى لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحدٌ [36] إِلَّا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأنَّه ينتهي إليها ما يهبط من فوقها وما يصعد من تحتها، أو تنتهي إليها أرواح الشُّهداء، أو أرواح المؤمنين، فتصلِّي عليهم الملائكة المقرَّبون (وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حَبَايِلُ اللُّؤْلُؤِ) بحاءٍ مُهمَلةٍ فمُوحَّدةٍ، وبعد الألف مثنَّاةٌ تحتيَّةٌ ثمَّ لامٌ، كذا هنا في جميع الرِّوايات، وضُبِّب عليها في «اليونينيَّة» ثمَّ ضُرِب على التَّضبيب، وصُحِّح على لفظ «حبايل» ثلاث مرَّاتٍ، قِيلَ: معناه: أنَّ فيها عقودًا وقلائد من اللُّؤلؤ، ورُدَّ: بأنَّ الحبائل إنَّما تكون جمع حبالةٍ أو حبيلةٍ، وذكر غير واحدٍ من الأئمَّة: أنَّه تصحيفٌ، وإنَّما هي [37]: ((جنابذ)) كما عند المؤلِّف في «أحاديث الأنبياء» [خ¦3342] بالجيم والنُّون وبعد الألف مُوحَّدةٌ ثمَّ مُعجَمةٌ، جمع: جنبذةٍ؛ وهي: القبَّة (وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ) أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك [38].
ورواة هذا الحديث الستَّة ما بين مصريٍّ ومدنيٍّ، وفيه: رواية صحابيٍّ عن صحابيٍّ، والتَّحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والقول، وأخرجه المؤلِّف في «الحجِّ» مُختصَرًا [خ¦1636] وفي «بدء الخلق» [خ¦3207] وفي «الأنبياء» [خ¦3342] وفي [39] «باب {وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: 164]»، ومسلمٌ في «الإيمان»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة».
ج1ص385


[1] زيد في (ب) و(س): «وإنَّما اختاره عن غيره من المياه».
[2] «لنا»: مثبت من (ص) و(م).
[3] «هي»: ليس في (د).
[4] في (ص): «الإناء».
[5] «عليه»: ليس في (د).
[6] زيد في (د) و(م): «قال».
[7] في (د): «نفس».
[8] «إليه»: مثبت من (ص) و(م).
[9] في غير (ب) و(س): «قالوا: وقد»، ولم يُنَصَّ عليه، والمثبت موافقٌ للمصادر.
[10] في (ب): «كان».
[11] زيد في (د) و(م): «أي: سعة».
[12] «أحدٌ»: ليس في (م).
[13] «الممدوحة»: ليس في (ص).
[14] في هامش (ص): (قوله: «نسم بنيه»، قال ابن حجرٍ: يحتمل أنَّ النَّسم المرئيَّة هي الَّتي لم تدخل الأجساد، ومستقرُّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعلِم بما يصيرون إليه؛ فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى مَنْ عن يمينه، ويحزن إذا نظر إلى مَنْ عن شماله، بخلاف الَّتي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف الَّتي نُقِلت من الأجساد إلى مستقرِّها من الجنَّة أو من النَّار، فليست مرادةً أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويُعرَف أنَّ قوله: «نسم بنيه» عامٌّ مخصوصٌ أو عامٌّ أريد به الخصوص). انتهى المراد منه. تقرير.
[15] في هامش (ص): (قوله: «سجِّين الأرض»، يحتمل الإضافة والوصف، وعبارة الكرمانيِّ والشَّيخ زكريَّا: «أرواحهم في سجِّين»، قِيلَ: في الأرض السابعة. انتهى. قال البيضاوي: فقيل: من السجن لُقِّبَ به الكتابُ لأنَّه سبب الحبس، أو لأنَّه مطروح على ما قيل تحت الأرضين في مكانٍ وحشٍ، وقِيلَ: هو اسم المكان). انتهى عجمي.
[16] في (د): «يساره».
[17] في (د): «للأول».
[18] في (د): «الثَّانية».
[19] «إدريس»: ليس في (د).
[20] في (م): «كما قال آدم».
[21] في (د) و(ص): «في».
[22] «قال عليه السَّلام»: ليس في (د).
[23] «قلت وفي رواية»: ليس في (د).
[24] في غير (س): «أبو».
[25] قوله: «أن يُراد بابن حزمٍ: أبو بكرٍ، أو أبوه محمَّدٌ، فالأوَّل: لم يدرك أبا حبَّة، والثَّاني: لم يدركه الزُّهريُّ، إلَّا» سقط من (د).
[26] في (د): «أورده».
[27] «بالموحَّدة»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[28] في (د): «عبد الله»، وليس بصحيحٍ.
[29] في (د) و(ص): «عامر».
[30] «به»: مثبت من (د) و(س).
[31] في (د): «فوضع».
[32] قوله: «فَرَاجَعْتُ ربِّي، ولابن عساكر... فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ» سقط من (ص).
[33] في (د): «الحمُّويي» وليس بصحيحٍ.
[34] في هامش (ص): (قوله: وقد سمع قوله تعالى؛ أي: في الحديث، وأما في التِّلاوة فإنه {مَا يُبَدَّلُ} [ق: 29] بالميم). انتهى.
[35] «السَّماء»: مثبت من (م).
[36] زيد في (م): «من الأنبياء».
[37] في (د): «هو».
[38] قوله: «أي: تراب الجنَّة رائحته كرائحة المسك» سقط من (د).
[39] «في»: مثبت من (د).