إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا

3332- وبه قال: (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال: (حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلقٍ قال: (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران قال: (حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ) الجهنيُّ قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ) بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: (حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْو الصَّادِقُ) في قوله (الْمَصْدُوقُ) فيما وعده به الله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّ أَحَدَكُمْ) بكسر همزة «إنَّ» في الفرع كأصله على معنى «حدَّثنا فقال: إنَّ أحدكم» أو «إنَّ» وما بعدها محكيَّان بـ «حدَّثنا» على ما عُرِف من مذهبهم في جواز الحكاية بما فيه من معنى القول لا حروفه، وقول أبي البقاء: _لا يجوز إلَّا الفتح لأنَّ قبله «حدَّثنا»_ منقوضٌ بما ذُكِر، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْميهَنيِّ: ((وإنَّ خلق أحدكم)) (يُجْمَعُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه مبنيًّا للمفعول، أي: يُضَمُّ (فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا) بلياليها بعد الانتشار، وزاد أبو عوانة: «نطفةً»، فبيَّن أنَّ الَّذي يُجمَع هو النُّطفة وهو المنيُّ، وذلك أنَّ ماء الرَّجل إذا لاقى ماء المرأة بالجماع وأراد الله تعالى أن يخلق من ذلك الجنين هيَّأ أسباب ذلك، لأنَّ في رحم المرأة قوَّتين، قوَّة انبساطٍ عند ورود منيِّ الرَّجل حتَّى ينتشر في جسد [1] المرأة، وقوَّة انقباضٍ بحيث لا يسيل من فرجها مع كونه منكوسًا، ومع كون المنيِّ ثقيلًا بطبعه. وفي منيِّ الرَّجل قوَّة الفعل، وفي منيِّ المرأة قوَّة الانفعال، فعند الامتزاج يصير منيُّ الرَّجل كالأنفحة للَّبن، وفي «النَّهاية»: يجوز أن يريد بالجمع مكث النُّطفة في الرَّحم لتتخمَّر فيه حتَّى تتهيَّأ للتَّصوير (ثُمَّ يَكُونُ) أي: يصير (عَلَقَةً) دمًا غليظًا جامدًا (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان، والمعنى: أنَّها تصير بتلك [2] الصِّفة مدَّة الأربعين (ثُمَّ يَكُونُ)
ج5ص323
يصير (مُضْغَةً) قطعة لحمٍ، سُمِّيت بذلك، لأنَّها بقدر ما يمضغه الماضغ (مِثْلَ ذَلِكَ) الزَّمان (ثُمَّ يَبْعَثُ اللهُ إِلَيْهِ) في الطَّور الرَّابع حين يتكامل بنيانه وتتشكَّل أعضاؤه (مَلَكًا) وهو المُوكَّل بالرَّحم، أي: يأمره (بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ) يكتبها من القضايا المقدَّرة في الأزل (فَيَكْتُبُ) الملك الكتابة المعهودة في صحيفته [3] أو بين عينيه (عَمَلَهُ) هل هو صالحٌ أو فاسدٌ؟ (وَأَجَلَهُ) أهو طويلٌ أو قصيرٌ؟ (وَرِزْقَهُ) أهو حلالٌ أو حرامٌ؟ قليلٌ أو كثيرٌ؟ والثَّلاثة نصبٌ بـ «يكتب» ولأبي ذرٍّ: ((فيُكتَب)) بضمِّ التَّحتيَّة وفتح الفوقيَّة [4] مبنيًّا للمفعول ((عملُه وأجلُه ورزقُه)) برفع الثَّلاثة على النِّيابة عن [5] الفاعل (وَ) هو (شَقِيٌّ) باعتبار ما يُختَم له (أَوْ سَعِيدٌ؟) باعتبار ما يُختَم له. كما دلَّ عليه بقيَّة [6] الحديث، والمراد: أنَّ الملك يكتب إحدى الكلمتين. كأن يكتب مثلًا: عمل هذا الجنين صالحٌ، وأجله ثمانون سنةً، ورزقه حلالٌ، وهو سعيدٌ. قال الحافظ ابن حجرٍ: وحديث ابن مسعودٍ بجميع طرقه يدلُّ على أنَّ الجنين يتقلَّب في مئةٍ وعشرين يومًا في ثلاثة أطوارٍ، كلُّ طورٍ منها في أربعين (ثُمَّ) بعد تمامها (يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ) من المعاصي، والباء زائدةٌ، والأصل: يعمل عمل أهل النَّار، لأنَّ قوله: «عمل» إمَّا مفعولٌ مطلقٌ، أو مفعولٌ به، وكلاهما مستغنٍ عن الحرف، فزيادة الباء للتَّأكيد، أو ضمَّن [7] «يعمل» معنى [8]: «يتلبَّس» في عمله بعمل أهل النَّار (حَتَّى مَا يَكُون) رفعٌ على أنَّ «حتَّى» ابتدائيَّةٌ، ويجوز النَّصب بـ «حتَّى»، و«ما» نافيةٌ غير مانعةٍ لها من العمل (بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا) أي: [9] النَّار (إِلَّا ذِرَاعٌ) تمثيلٌ بقرب حالة الموت، وضابط ذلك الحسِّيِّ: الغرغرةُ الَّتي جُعِلت علامةً لعدم قبول التَّوبة (فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ) الَّذي كتبه الملك عليه وهو في بطن أمِّه عقب ذلك من غير مهلةٍ [10] (فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) عند ذلك (فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ) وموضع «عليه» نُصِبَ على الحال، أي: يسبق المكتوب واقعًا عليه. والمراد بسبق الكتاب: سبق ما تضمَّنه على حذف مضافٍ، أو المراد: المكتوب، والمعنى: أنَّه يتعارض عمله في اقتضاء الشَّقاوة والمكتوب في اقتضاء السَّعادة، فيتحقَّق مقتضى المكتوب، فعبَّر عن ذلك بالسَّبق، لأنَّ السَّابق يحصل مراده دون المسبوق (وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ) من الطَّاعات (حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ) وفي الحديث: أنَّ الأعمال حَسَنها وسيِّئها أماراتٌ وليست بموجباتٍ، وأنَّ مصير الأمور في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به القدر في الابتداء إلى غير ذلك ممَّا يتعلَّق بالأصول والفروع ممَّا يأتي [11] _إن شاء الله تعالى_ الإلمام بشيءٍ منه في «القدر» [خ¦6594] بعون الله تعالى.
ج5ص324


[1] في (د): «جسم».
[2] في (ص): «مثل».
[3] في غير (د) و(م): «صحيفةٍ».
[4] في (د): «الموحَّدة»: وليس بصحيحٍ.
[5] في غير (د): «على».
[6] «بقيَّة»: مثبتٌ من (د).
[7] زيد في (د): «معنى»: ولعلَّه سبق نظرٍ.
[8] في (م): «بمعنى».
[9] زيد في (م): «بين».
[10] في (ب): «مهملةٍ» وهو تحريفٌ.
[11] في (م): «سيأتي».