إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كل كلْم يكلمه المسلم في سبيل الله

237- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) أي: ابن موسى المروزيُّ المعروف: بمَرْدُويَه؛ بفتح الميم وسكون الرَّاء وضمِّ المُهمَلة وسكون الواو وفتح المُثنَّاة التَّحتيَّة (قَالَ: أَخْبَرَنَا) ولابن عساكر: ((حدَّثنا)) (عَبْدُ اللهِ) بن المُبارَك (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عينٌ ساكنةٌ، ابن راشدٍ (عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ) بكسر المُوَحَّدة المُشدَّدة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَليهِ وَسَلَّم) أنَّه (قَالَ: كُلُّ كَلْمٍ) بفتح الكاف وسكون اللَّام (يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ) بضمِّ أوَّله وسكون ثانيه وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول، ويجوز بناؤه للفاعل، أي: كلُّ جرحٍ يُجرَحه، وأصله: يُكلَم به، فحُذِف الجارُّ وأُضيف إلى الفعل توسُّعًا، وللقابسيِّ وابن عساكر في نسخةٍ: ((كلُّ كَلْمَةٍ يُكْلَمها)) أي: كلُّ جراحةٍ يُجرَحها المسلم (فِي سَبِيلِ اللهِ) قيدٌ يخرج به: ما إذا وقع الكَلْم في غير سبيل الله، وزاد المؤلِّف في «الجهاد» [خ¦2803]: «والله أعلم بمن يُكلَم في سبيله» (يَكُونُ) أي: الكَلْم (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي رواية الأَصيليِّ وأبي ذَرٍّ: ((تكون)) بالمُثنَّاة الفوقيَّة (كَهَيْئَتِهَا) قال الحافظ ابن حجرٍ: أعاد الضَّمير مُؤنَّثًا لإرادة الجراحة. انتهى. وتعقَّبه العينيُّ فقال: ليس كذلك، بل باعتبار الكلمة لأنَّ الكَلْم والكَلْمة مصدران، والجراحة اسمٌ لا يُعبَّر به عن المصدر (إِذْ) بسكون الذَّال، أي: حين (طُعِنَتْ) قال الكرمانيُّ: المطعون: هو المسلم وهو مُذَّكرٌ، لكن لمَّا أُريد «طُعِن بها» حذف الجارَّ ثمَّ أوصل الضَّمير المجرور بالفعل، وصار المنفصل متَّصلًا، وتعقَّبه البرماويُّ بأنَّ التَّاء علامةٌ لا ضميرٌ [1]، فإن أراد الضَّمير المستتر فتسميته متَّصلًا طريقةٌ، والأجود أنَّ الاتِّصال والانفصال وصفٌ للبارز، وفي بعض أصول «البخاريِّ» كـ «مسلمٍ»: ((إذا طُعِنْتَ)) بالألف بعد الذَّال، وهي ههنا [2] لمُجرَّد الظَّرفيَّة، أو هي [3] بمعنى «إذ»، وقد يتقارضان، أو لاستحضار صورة الطَّعن لأنَّ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع نحو: {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا} [فاطر: 9] يكون بما في معنى المضارع كما فيما نحن فيه (تَفَجَّرُ دَمًا) بفتح الجيم المُشدَّدة، وقال البرماويُّ كالكرمانيِّ: هو [4] بضمِّ الجيم من الثُّلاثيِّ، وبفتحها مُشدَّدةً من التَّفعُّل، قال العينيُّ: أشار بهذا إلى جواز الوجهين، لكنَّه مبنيٌّ على مجيء الرِّواية بهما، وأصله: تتفجَّر، فحُذِفت [5] التَّاء الأولى تخفيفًا (اللَّوْنُ) ولأبي ذَرٍّ: ((واللَّون)) (لَوْنُ الدَّمِ) يشهد لصاحبه بفضله على بذل نفسه، وعلى ظالمه بفعله (وَالْعَرْفُ عَرْفُ) بفتح العين المُهمَلة [6] وسكون الرَّاء، أي: الرِّيح ريح (الْمِسْكِ) لينتشر في أهل الموقف إظهارًا لفضله، ومن ثمَّ لا يُغسَل دم الشَّهيد في المعركة ولا يُغسَّل، ولأبي ذَرٍّ: ((عرف مسكٍ [7] ) )، فإن قلت: ما وجه إدخال هذا الحديث في هذه التَّرجمة؟ أُجيب بأنَّ المسك طاهرٌ وأصله نجسٌ، فلمَّا تغيَّر خرج عن حكمه، وكذا الماء إذا تغيَّر خرج عن حكمه، أو أنَّ دم الشَّهيد لمَّا انتقل بطيب الرَّائحة من النَّجاسة، حتَّى حُكِمَ له في الآخرة بحكم المسك الطَّاهر وجب أن ينتقل الماء الطَّاهر بخبث الرَّائحة إذا حلَّت [8] فيه نجاسةٌ من حكم الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الحكم المذكور في دم الشَّهيد من أمور الآخرة، والحكم في الماء بالطَّهارة والنَّجاسة من أمور الدَّنيا فكيف يُقاس عليه؟ انتهى. أو [9] أنَّ مُراد المؤلِّف تأكيد مذهبه، أنَّ الماء لا ينجس بمُجرَّد المُلاقاة ما لم يتغيَّر، فاستُدِلَّ بهذا الحديث على أنَّ تبدَّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغيُّر صفة الدَّم بالرَّائحة الطَّيِّبة أخرجه من الذَّمِّ إلى المدح، فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة يخرجه عن صفة الطَّهارة إلى النَّجاسة، وتُعقِّب بأنَّ الغرض إثبات انحصار التَّنجُّس بالتَّغيُّر [10]، وما ذُكِرَ يدلُّ على أنَّ التَّنجُس [11] يحصل بالتَّغيُّر، وهو وفاقٌ، لا أنَّه لا يحصل إلَّا به، وهو موضع [12] النِّزاع، وبالجملة فقد وقع للنَّاس أجوبةٌ عن هذا الاستشكال [13]، وأكثرها بل كلُّها مُتعقَّبٌ، والله أعلم.
وسيأتي مزيد البحث في هذا الحديث _إن شاء الله تعالى_ في «باب الجهاد» [خ¦2803].
ورواته الخمسة ما بين مروزيٍّ وبصريٍّ ويمانيٍّ، وفيه: التَّحديث والإخبار والعنعنة، وأخرجه المؤلِّف أيضًا في «الجهاد» [خ¦2803]، وكذا مسلمٌ [14].
ج1ص303


[1] في (م): «الضَّمير».
[2] في (د): «هنا»، وفي (م): «وهو هنا».
[3] في (د): «إذ هي»، وفي (م): «إذ هو».
[4] «هو»: سقط من (د) و(م).
[5] في غير (م): «فحذف».
[6] «المُهمَلة»: سقط من (س).
[7] «ولأبي ذَرٍّ: عرف مسكٍ»: مثبتٌ من (م).
[8] في (م): «دخلت».
[9] في (م): «و».
[10] في (د): «بالتَّغيير».
[11] في (م): «التَّنجيس».
[12] في (م): «موضوع».
[13] في (م): «الإشكال».
[14] «وكذا مسلم»: سقط من (م).