إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله

2877- 2878- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسنديُّ قال: (حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو) بفتح العين، الأزديُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ) إبراهيم بن الحارث، وزاد أبو ذرٍّ: ((هو الفَزَاريُّ)) بفتح الفاء والزَّاي (عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَنْصَارِيِّ) أبي طُوَالة _بضمِّ الطَّاء المهملة وتخفيف الواو_ وليس بينه وبين سابقه زائدة بن قدامة كما زعم أبو مسعودٍ في «الأطراف» وأقرَّه المزِّيُّ عليه، فقد أخرجه الإمام أحمد وغيره كالبخاريِّ، ليس فيه زائدة عن أبي طوالة، وقد ثبت سماع أبي إسحاق من أبي طوالة أنَّه (قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَةِ مِلْحَانَ) بكسر الميم وسكون اللَّام، بعدها حاءٌ مهملةٌ فألفٌ فنونٌ، أمِّ حرامٍ خالة أنسٍ (فَاتَّكَأَ عِنْدَهَا) فنام (ثُمَّ ضَحِكَ) بعد أن استيقظ من نومه (فَقَالَتْ) أمُّ حرامٍ: (لِمَ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: نَاسٌ) أي: أضحكني ناس (مِنْ أُمَّتِي، يَرْكَبُونَ الْبَحْرَ الأَخْضَرَ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَثَلُهُمْ) في الدُّنيا أو في الجنَّة (مَثَلُ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ) ولأبي ذَرٍّ: ((فقال)) (اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ) إلى النَّوم، ثمَّ استيقظ (فَضَحِكَ،
ج5ص82
فَقَالَتْ لَهُ مِثْلَ [1] ) أي: مثل قولها الأوَّل: لِمَ تضحك؟ (أَوْ) قالت: (مِمَّ ذَلِكَ؟) أي: الضَّحك (فَقَالَ لَهَا مِثْلَ ذَلِكَ) «ناسٌ من أمَّتي يركبون» إلى آخره، لكن قيل في هذا: «يركبون البرَّ» وهو الظَّاهر [2] (فَقَالَتِ: ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ) الَّذين يركبون البحر (وَلَسْتِ مِنَ الآخِرِينَ) الَّذين يركبون البرَّ (قَالَ) أبو طُوَالة: (قَالَ أَنَسٌ: فَتَزَوَّجَتْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ) وفي رواية إسحاق عن أنسٍ في أوَّل «الجهاد» [خ¦2788] وكانت أمُّ حرامٍ تحت عبادة بن الصَّامت، فدخل عليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وظاهر هذه [3] أنَّها كانت حينئذٍ زوجتَه، بخلاف الأولى. وأُجيبَ: بأنَّها كانت إذ ذاك زوجتَه، ثمَّ طلَّقها، ثمَّ راجعها بعد ذلك، قاله ابن التِّين، وقيل: إنَّما [4] تزوَّجها بعد ذلك، وهذا أولى لموافقة محمَّد بن يحيى بن حبَّان عن أنسٍ: على أنَّ عُبادة تزوَّجها بعدُ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في «باب ركوب البحر» [خ¦2894]، ويحمل قوله في رواية إسحاق: «وكانت تحت عبادة» على أنَّه [5] جملةٌ معترضةٌ، أراد الرَّاوي وصفها به غير مقيَّدٍ بحالٍ من الأحوال، وظهر من رواية غيره أنَّه إنَّما تزوجها بعد ذلك، قاله في «الفتح» (فَرَكِبَتِ الْبَحْرَ مَعَ بِنْتِ قَرَظَةَ) بالقاف والرَّاء والظَّاء المعجمة المفتوحات، فاختةَ امرأةِ معاويةَ بن أبي سفيانَ، وكان أخذها معه لمَّا غزا قبرص [6]في البحر سنة ثمانٍ [7] وعشرين، وهو أوَّل من ركب البحر للغزاة في خلافة عثمان رضي الله عنهما، وقَرَظَة: هو ابن عبد [8] عمرو [9] بن نوفل بن عبد منافٍ، وليس هو قَرَظَة بن كعبٍ الأنصاريَّ (فَلَمَّا قَفَلَتْ) أي: رجعت (رَكِبَتْ دَابَّتَهَا، فَوَقَصَتْ بِهَا) بفتح الواو (فَسَقَطَتْ عَنْهَا فَمَاتَتْ). الوقصُ: كسر العنق، يقال: وَقَصْتُ عُنقَه أقِصُها وَقْصًا، ووقصت به راحلته، كقولك: خذ الخطام وخذ بالخطام، ولا يقال: وقصت العنق نفسها، ولكن يقال: وقص الرَّجل فهو موقوصٌ.
ج5ص83


[1] في (د): «مثله».
[2] في (ب) و(س): «ظاهرٌ».
[3] في (ب): «هذا».
[4] في (م): «إنَّه».
[5] «على أنَّه»: مثبتٌ من (ب) و(د1) و(س).
[6] في (س): «قبرس».
[7] في (م): «ثمانية».
[8] «عبد»: سقط من (د).
[9] في (م): «عمر».