إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إنما أخشى عليكم من بعدي ما يفتح عليكم

2842- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ) بكسر السِّين المهملة وتخفيف النُّون، العوقيُّ الباهليُّ الأعمى قال: (حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ) هو ابن سليمان قال: (حَدَّثَنَا هِلَالٌ) هو ابن أبي [1] ميمونة الفهريُّ (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ)
ج5ص64
بالمهملة المخفَّفة (عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ) وفي طريق معاذ بن فَضَالة، عن هشامٍ، عن هلالٍ في «باب الصَّدقة على اليتامى» [خ¦1465] جلس ذات يومٍ على المنبر وجلسنا حوله (فَقَالَ: إِنَّمَا أَخْشَى عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. ثُمَّ ذَكَرَ زَهْرَةَ الدُّنْيَا) أي: حُسْنها وبهجتها الفانية (فَبَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا) أي: ببركات الأرض (وَثَنَّى بِالأُخْرَى) أي: بزهرة الدُّنيا (فَقَامَ رَجُلٌ) لم أعرف [2] اسمه (فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟) بفتح الواو، أي: أتصير النِّعمة عقوبةً؟ (فَسَكَتَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قُلْنَا: يُوحَى إِلَيْهِ، وَسَكَتَ النَّاسُ كَأَنَّ عَلَى رُؤوسِهِمِ الطَّيْرَ) كأنَّهم يريدون صيدَه، فلا يتحرَّكون مخافة أن يطير (ثُمَّ إِنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (مَسَحَ عَنْ وَجْهِهِ الرُّحَضَاءَ) بضمِّ الرَّاء وفتح الحاء المهملة والضَّاد المعجمة ممدودًا: العَرَقُ الَّذي أدرَّه عند نزول الوحي عليه (فَقَالَ: أَيْنَ السَّائِلُ آنِفًا)؟ بمدِّ الهمزة وكسر النُّونِ، الآن (أَوَ خَيْرٌ هُوَ؟) بفتح الواو والهمزة؛ استفهامٌ على سبيل الإنكار، أي: المال هو خيرٌ، قالها (ثَلَاثًا: إِنَّ الْخَيْرَ) الحقيقيَّ (لَا يَأْتِي إِلَّا بِالْخَيْرِ) وهذا ليس بخيرٍ حقيقيٍّ لما فيه من الفتنة، والاشتغال عن كمال الإقبال إلى الآخرة (وَإِنَّهُ كُلَّمَا) بفتح اللَّام، ولأبي ذرٍّ: ((كلُّ ما)) بضمِّها (يُنْبِتُ الرَّبِيعُ) بضمِّ التَّحتيَّة، من الإنبات، و«الرَّبيعُ»: رفعٌ على الفاعليَّة، وهو الجدول الَّذي يُستقى به (مَا يَقْتُلُ) قتلًا (حَبَطًا) بفتح الحاء المهملة والموحَّدة والطَّاء المهملة، منصوبٌ على التَّمييز، وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، وسقط قوله «ما» لأبي ذَرٍّ وحده، وقوله: ((حبطًا)) له ولأبي الوقت والأَصيليِّ (أَوْ يُلِمُّ) بضمِّ أوَّله وكسر ثانيه وتشديد ثالثه، أي: يقرب أن يقتل (كُلَّمَا أَكَلَتْ) ضبَّب على: ((كلَّما)) في «اليونينيَّة» وكتب على [3] الحاشية صوابه: ((إلَّا آكلة الخُضَر)) بضمِّ الخاء وفتح الضَّاد المعجمتين، و«آكلة»: بمدِّ الهمزة، والاستثناء مفرَّغٌ، والأصل: كلَّما ينبت الرَّبيع ما يقتل آكِلهُ إلَّا الدَّابة الَّتي تأكل الخُضَر فقط، أكلت _أي: آكلة الخضر_ (حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ) ولأبي ذَرٍّ: ((حتى إذا امتدَّت)) (خَاصِرَتَاهَا) شبعًا (اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ فَثَلَطَتْ) بفتح المثلَّثة واللَّام المخفَّفة والطَّاء المهملة، آخره فوقيَّةٌ، أي: ألقت بعرها سهلًا رقيقًا (وَبَالَتْ) فزال عنها الحبط، وإنَّما تحبط الماشية لأنَّها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ بطونها، فيعرض لها المرض فتهلك (ثُمَّ رَتَعَتْ) وهذا مَثَلٌ ضربه للمقتصد في جمع الدُّنيا المؤدِّي حقَّها النَّاجي من وبالها، كما نجت آكلة الخُضَر (وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ) بفتح الخاء وكسر الضَّاد المعجمتين، أي: من حيث المنظر وأنَّثه مع أنَّ المال مذكَّرٌ [4] باعتبار أنَّه زهرة الدُّنيا، فالتَّأنيث وقع على التَّشبيه، أو التَّاء للمبالغة، كراوية وعلَّامة (حُلْوَةٌ) أي: من حيث الذَّوق (وَنِعْمَ) أي: المال (صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ [5] أَخَذَهُ بِحَقِّهِ) بأن جمعه من حلالٍ (فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ) جميع أنواع الخير، ومنها الجهاد، وهو موضع التَّرجمة. وقد روى النَّسائيُّ والتِّرمذيُّ _وقال: حسنٌ_ وابن حبَّان في «صحيحه»، وصحَّحه الحاكم من حديث خُرَيم _بالرَّاء مصغَّرًا_ ابن فَاتِكٍ _بالفاء والفوقيَّة المكسورة_ ورفعه: «من أنفق نفقةً في سبيل الله كُتِبت له بسبع مئة ضعفٍ» وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة وغيره مرفوعًا: «مَن أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة درهمٍ، ومَن غزا في سبيل الله بنفسه، وأنفق في وجه ذلك فله بكلِّ درهمٍ سبع مئة ألف درهمٍ، ثمَّ تلا هذه الآية: {وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261] (وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ) ولأبي ذَرٍّ عن الكُشْمِيهَنِيِّ زيادة: ((وابن السَّبيل)) (وَمَنْ لَمْ يَأْخُذْهُ) أي: المال (بِحَقِّهِ) ولأبي ذَرٍّ: ((يأخذها)) أي: زهرة الدُّنيا (فَهْوَ كَالآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ) لأنَّه كلَّما نال منه شيئًا؛ ازدادت رغبته، واستقلَّ ما عنده، ونظر إلى ما فوقه، وسقط لأبي ذَرٍّ لفظ «الَّذي» (وَيَكُونُ) ماله (عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) بأن يُنطِقَ الله الصَّامت منه بما فعل، أو يمثِّل [6] مثاله [7].
وهذا الحديث قد سبق في «باب الصَّدقة على اليتامى» من «كتاب الزَّكاة» [خ¦1465] ويأتي إن شاء الله تعالى بمنِّه وعونه [8] في «الرِّقاق» [خ¦6427].
ج5ص65


[1] «أبي»: سقط من (م).
[2] في (د): «لم يُعرف».
[3] في (ب) و(س): «في».
[4] في (م): «يُذكَّر».
[5] «لمن»: ليس في (م).
[6] في (ص): «بمثل».
[7] في (د): «مثله».
[8] في (د): «وكرمه».