إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت

2802- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ) ولأبي ذرٍّ: ((هو ابن قيسٍ)) (عَنْ جُنْدبِ ابْنِ سُفْيَانَ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون وفتح الدَّال وضمِّها، ابن عبد الله بن سفيان رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ) أي: أمكنة الشَّهادة، قيل: كان في غزوة أُحُد (وَقَدْ دَمِيَتْ إِصْبَعُهُ) بفتح الدَّال، أي: جُرِحَت أصبعه، فظهر [1] منها [2] الدَّم (فَقَالَ) مخاطبًا لها لما توجَّعت على سبيل الاستعارة أو حقيقةً على سبيل المعجزة تسليةً لها: (هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ) بفتح الدَّال وسكون التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، صفةٌ للأصبع، والمستثنى فيه أعمُّ عام الصِّفة، أي: ما أنت بأصبعٍ موصوفةٍ بشيءٍ إلَّا بأن دَميتِ، فتثبَّتي، فإنَّكِ ما ابتُلِيتِ بشيءٍ من الهلاك والقطع إلَّا أنَّك دميتِ، ولم يكن ذلك هدرًا (وَ) لكنَّه (فِي سَبِيلِ اللهِ) ورضاه (مَا لَقِيتِ) بسكون التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، ولغير أبي ذرٍّ: ((دميتْ)) ((لقيتْ)) بسكون الفوقيَّة، وهذا ممَّا تعلَّق به الملحدون في الطَّعن، فقالوا: هذا شعرٌ نطق به، والقرآن ينفي عنه أن يكون شاعرًا. وأجيب: بأنَّه رجزٌ، والرَّجز ليس بشعرٍ على مذهب الأخفش، وإنَّما يقال لصاحبه: فلانٌ الرَّاجز، لا الشَّاعر؛ إذ الشِّعر لا يكون إلَّا بيتًا تامًّا مقفًّى على أحد أنواع العروض المشهورة، وبأنَّ الشِّعر لا بدَّ فيه من قصد ذلك، فما لم يكن مصدره عن نيَّةٍ له ورويَّةٍ [3] فيه، وإنَّما هو اتِّفاق كلامٍ يقع موزونًا ليس منه، فالمنفيُّ صنعة الشاعريَّة لا غير.
وهذا الحديث أخرجه المؤلِّف أيضًا في «الأدب» [خ¦6146]، ومسلمٌ في «المغازي»، والتِّرمذيُّ في «التَّفسير»، والنَّسائيُّ في «اليوم واللَّيلة».
ج5ص43


[1] في (د): «قطَرَ».
[2] «منها»: ليس في (ص).
[3] في (م): «دُرْبَةٍ».