إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب: إذا وقف أو أوصى لأقاربه ومن الأقارب؟

(10) هذا (بابٌ) بالتَّنوين (إِذَا وَقَفَ) شخصٌ (أَوْ أَوْصَى لأَقَارِبِهِ، وَمَنِ الأَقَارِبُ؟) استفهامٌ، وقد اختُلف في ذلك، فقال الشَّافعيَّة [1]: لو أوصى لأقارب نفسه لم نُدخل [2] ورثته بقرينة الشَّرع، لأنَّ الوارث لا يُوصَى له عادة، وقيل: يدخلون لوقوع الاسم عليهم، ثمَّ يبطل نصيبهم لعدم إجازتهم لأنفسهم، ويصحُّ الباقي لغيرهم، ويدخل في الوصيَّة لأقارب زيدٍ ورحِمِه [3] الوارثُ وغيره، والقريبُ والبعيدُ والمسلمُ والكافرُ والذَّكرُ والأنثى والخنثى [4] والفقير والغنيُّ، لشمول الاسم لهم، ويستوي في الوصيَّة للأقارب [5] قرابةِ الأب والأمِّ ولو كان الموصي عربيًّا لشمول الاسم، وقيل: لا تدخل قرابة الأمِّ إن كان الموصي عربيًّا؛ لأنَّ العرب لا تعدُّها قرابةً، ولا تفتخر بها، وهذا ما صحَّحه في «المنهاج» كـ «أصله»، لكنْ قال الرَّافعيُّ في «شرحَيه»: الأقوى الدُّخول، وصحَّحه في أصل «الرَّوضة» وإن أوصى لأقرب أقارب زيدٍ، دخل الأبوان والأولاد، كما يدخل غيرهم عند عدمهم؛ لأنَّ أقربهم هو المنفرد بزيادة القرابة، وهؤلاء كذلك وإن لم يطلق عليهم أقارب عرفًا. وقال أحمد كالشَّافعيَّة إلَّا أنَّه أخرج الكافر. وقال أبو حنيفة: القرابة: كلُّ ذي رحمٍ محرمٍ من قِبَل الأب أو الأمِّ. ولكن يبدأ بقرابة الأب قبل الأم، وقال أبو يوسف ومحمَّد: مَن جمعَهم أبٌ منذ الهجرة من قبل أبٍ أو أمٍّ من غير تفصيلٍ، زاد زفر: ويقدَّم مَن قَرُب وهو روايةٌ عن أبي حنيفة أيضًا، وأقلُّ من يدفع له ثلاثة، وعند محمَّد اثنان، وعند أبي يوسف واحد، ولا يصرف للأغنياء عندهم إلَّا أن يشترط ذلك. وقال مالك: يختص بالعصبة، سواء كان يرثه أم لا، ويبدأ بفقرائهم حتَّى يغنَوا ثم يعطي الأغنياء.
(وَقَالَ ثَابِتٌ) ممَّا أخرجه مسلم (عَنْ أَنَسٍ) رضي الله عنه (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَبِي طَلْحَةَ) زيد بن سهلٍ الأنصاريِّ الخزرجيِّ، مشهورٌ بكنيته، لمَّا نزلت هذه الآية {لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران: 92] قال أبو طلحة: أرى ربَّنا يسألنا من أموالنا، فأُشهدك يا رسول الله أنِّي جعلت أرضي بيرحاء لله، قال: فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (اجْعَلْهَا) أي: بيرحاء، ولأبي ذرٍّ: ((اجعله)) (لِفُقَرَاءِ أَقَارِبِكَ، فَجَعَلَهَا لِحَسَّانَ) هو ابن ثابتٍ شاعرُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم (وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ) وكانا من بني أعمامه، فيه: أنَّ الصَّدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين غير ورثةٍ، ولو أوصى لفقراء أقاربه لم يعطَ مكفِيٌّ بنفقة قريبٍ أو زوجٍ، ولو أوصى لجماعةٍ من أقرب أقارب زيد فلا بدَّ من الصَّرف إلى ثلاثةٍ من الأقربين.
(وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ) محمَّد بن عبد الله بن المثنَّى، ممَّا وصله المؤلِّف في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦4555] مختصرًا: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبِي) عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس [6] (عَنْ) عمِّه (ثُمَامَةَ) بضمِّ المثلَّثة وتخفيف الميم، ابن عبد الله بن أنسٍ (عَنْ) جدِّه (أَنَسٍ مِثْلَ) ولأبي ذَرٍّ: ((بمثل)) (حَدِيثِ ثَابِتٍ) السَّابق قريبًا (قَالَ: اجْعَلْهَا لِفُقَرَاءِ قَرَابَتِكَ.
ج5ص12
قَالَ أَنَسٌ: فَجَعَلَهَا) أبو طلحة (لِحَسَّانَ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَكَانَا أَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنِّي) زاد في «تفسير سورة آل عمران» [خ¦4554] في غير رواية أبي ذرٍّ: ((ولم يجعل لي منها شيئًا))، ولأبي ذرٍّ هنا عن الحَمُّويي والمُستملي: ((إليه أقرب منِّي)) بالتَّقديم والتَّأخير. قال البخاريُّ أو شيخه _وهو الصَّواب كما وقع التَّصريح به في «سنن أبي داود»_ (وَكَانَ قَرَابَةُ حَسَّانَ وَأُبَيٍّ) بن كعب [7] (مِنْ أَبِي طَلْحَةَ، وَاسْمُهُ) أي: أبي طلحة (زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ) بفتح الميم وتخفيف النُّون وإضافة «زيد» إلى «مناة» وليس بين «زيد» و«مناة» لفظ ابن، لأنَّه اسمٌ مركَّبٌ منهما، قاله الكرمانيُّ، و«حرام»: بحاءٍ وراءٍ مهملتين و«عَمرو»: بفتح العين كالآتي (ابْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ) لأنَّه اختتن بالقدُّوم أو ضرب وجه رجل ٍبقدُّوم فنجره، فقيل له: النَّجَّار (وَحَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامٍ) بمهملتين (فَيَجْتَمِعَانِ) أي: أبو طلحة وحسَّان (إِلَى حَرَامٍ وَهْوَ الأَبُ الثَّالِثُ) لهما، فهو جدُّ أبيهما (وَحَرَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ [8] بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، فَهْوَ) بالفاء، ولأبي ذَرٍّ: ((وهو)) أي: حرام بن عمرو (يُجَامِعُ حَسَّانَ وأَبَا طَلْحَةَ) على ما لا يخفى، والَّذي في «اليونينيَّة»: ((حسَّانُ)) بالرَّفع مصحَّحًا عليه [9]، وقد تبيَّن أنَّ قوله: و«حرام بن عمرو» مسوقٌ لفائدة كونه يجامعهما. نعم، ما بعد ذلك إلى النَّجار مستغنًى عنه بما سبق فليُتأمَّل (وَأُبَيٌّ) بالرَّفع، جملةٌ مستأنفَةٌ، أي: وأبيٌّ يجامعهما (إِلَى سِتَّةِ آبَاءٍ) من آبائه (إِلَى عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ) ويوضِّح ذلك ما زاده في رواية أبي ذرٍّ عن المُستملي والكُشْمِيهَنِيِّ حيث قال [10]: ((وَهْوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ)) (فَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ) الجدُّ السَّادس لأُبيِّ بن كعب السَّابع للآخرين (يَجْمَعُ) الثَّلاثة (حَسَّانَ وَأَبَا طَلْحَةَ وَأُبَيًّا) هذا ما ظهر لي من شرح ذلك مع ما فيه من التَّكرار، وإنَّما يستقيم على ثبوت الواو قبل «أبا طلحة» من قوله: «فهو يجامع حسَّان أبا طلحة»، لكنِّي لم أرها ثابتةً في شيءٍ من النُّسَخِ الَّتي وقفت عليها. نعم، في الفرع كشطٌ في موضعها يشبه أنَّها كانت ثابتةً، ثمَّ أزيلت وأُصحلِت النَّصبة الَّتي على «حسَّان» بضمَّةٍ علامة للرفع وصُحِّحَ عليها، وحينئذٍ فيكون قوله: «هو» ضمير الشَّأن مبتدأً، خبره الجملة الفعليَّة، و«حسَّان»: رفع على الفاعليَّة، أي: حسَّان يجامع أبا طلحة في حرامٍ و«أبيُّ» بالرَّفع جملةٌ مستأنفةٌ أو عطفٌ على «حسَّان» أي: وأبيٌّ يجامع أبا طلحة [11] إلى ستَّة آباء، ثمَّ رأيتُ الواو بعد «حسَّان» قبل «أبا طلحة» ثابتةً في بعض النُّسخ، وفي نسخةٍ: ((حسَّانُ)) بالرَّفع أيضًا، ونَصَبَ تاليَيْه [12]، والضَّمير للشَّأن، أي: حسَّان يجامع أبا طلحة إلى حرام، ويجامع أبيًّا إلى ستَّة آباءٍ، وجُوِّزَ رفعُ الثَّلاثة. قال ابن الدَّمامينيِّ كالزَّركشيِّ: وهو صوابٌ أيضًا. انتهى. أي: حسَّان وأبو طلحة وأبيُّ يجامع كلٌّ منهما الآخر، وإنَّما كان حسَّان وأُبيٌّ أقرب إلى أبي طلحة من أنسٍ؛ لأنَّ الَّذي يجمع أبا طلحة وأنسًا النَّجَّار، لأنَّ أنسًا هو ابن مالك بن النَّضْر _بفتح النُّون وسكون الضَّاد المعجمة_ ابن ضَمضَم _بفتح الضادَين [13] المعجمتَين_ ابن زيد بن حَرَام _بمهملتين_ ابن عامر بن غَنْم _بفتح الغين المعجمة وسكون النُّون_ ابن عديِّ بن النَّجَّار، وأبو طلحة وأُبيُّ [14] بن كعبٍ كما مرَّ من بني مالك بن النَّجَّار، فلذا كان أبيُّ بن كعبٍ أقرب إلى أبي طلحة من أنسٍ، وقول الكرمانيِّ وتبعه العينيُّ: إنَّما كانا أقرب إليه منه لأنَّهما يبلغان إلى عمرو بن مالك بواسطة ستَّة أنفسٍ، وأنسٌ يبلغ إليه بواسطة اثني عشر نفسًا، ثمَّ ساقا نسبه إلى عديٍّ، فقالا: ابن عمرو بن مالك بن النَّجَّار فيه نظرٌ، لأنَّ عديًّا المذكور في نسب أنسٍ هو أخو مالكٍ والد عمرٍو فلا اجتماع لهم فيه، ولئن سلَّمنا ثبوت عمرو بن مالك في هذا كما ذكرا؛ فأنسٌ إنَّما يبلغ إليه بتسعة أنفسٍ لا باثني عشر، فليُتأمَّل.
(وَقَالَ بَعْضُهْمْ) أراد به أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة: (إِذَا أَوْصَى لِقَرَابَتِهِ فَهْوَ إِلَى آبَائِهِ) الذين كانوا (فِي الإِسْلَامِ).
ج5ص13


[1] في (م): «الشَّافعي».
[2] في (د): «تدخل» كذا في أسنى المطالب.
[3] في أسنى المطالب «أو رحمه».
[4] «والخنثى»: سقط من (د).
[5] في (م): «لأقارب».
[6] هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس، انظر ترجمته في كتب الرجال.
[7] «بن كعب»: سقط من (د1) و(م).
[8] قوله: «بن عمرو... بن عدي»: سقط من (د).
[9] «مصحَّحًا عليه»: ليس في (ص)، وزيد فيها: «وأبيُّ كذا في «الفرع» أيضًا».
[10] في (د): «موضعهما»، وفي (م): «قاله».
[11] قوله: «في حرام... أبا طلحة» سقط من (د).
[12] في (د1) و(ص): «تاليه».
[13] في (ب): «الضَّاد».
[14] «وأبيُّ»: سقط من غير (ب) و(س).