إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع

2666- وبه قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) قال في «مقدمة الفتح»: جزم ابن السَّكن بأنَّه ((محمَّد بن سلام)) ونسبه الأَصيليُّ في بعضها كذلك، وقد صرَّح البخاريُّ بالرِّواية عن محمَّد بن سلام عن أبي معاوية في «النِّكاح» [خ¦5206] وغيره [خ¦7376] قال: (أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمَّد بن خازم _بمعجمتين_ الضَّرير الكوفيُّ (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي وائل (عَنْ عَبْدِ اللهِ) بن مسعود (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى) محلوف (يَمِينٍ) سمَّاه يمينًا مجازًا للملابسة بينهما، والمراد ما شابه [1] أن يكون محلوفًا عليه، وإلَّا؛ فهو قبل اليمين ليس محلوفًا عليه، فيكون من مجاز الاستعارة (وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ) كاذب، والواو للحال (لِيَقْتَطِعَ بِهَا) باليمين (مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ) أو ذمِّيٍّ أو معاهَد، بأن يأخذه بغير حقٍّ، بل بمجرَّد يمينه المحكوم بها في ظاهر [2] الشَّرع، والتقييد بالمسلم جرى على الغالب، وفي «مسلم» من حديث إياس بن ثعلبة الحارثيِّ: «من اقتطع حقَّ امرئ مسلم بيمينه؛ حرَّم الله عليه الجنَّة وأوجب له النَّار» قالوا: وإن كان شيئًا يسيرًا؟ قال: «وإن كان قضيبًا من أراكٍ»، ففيه: أنَّه لا فرق بين المال وغيره (لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) اسم فاعل من غَضِبَ، يقال: رجل غضبان وامرأة غضبى، والغضب من المخلوقين شيء يداخل قلوبهم، وأمَّا غضب الخالق تعالى فهو
ج4ص402
إنكاره على من عصاه وسخطه عليه ومعاقبته له، قاله في «النِّهاية». والحاصل: أنَّ الصِّفات الَّتي لا يليق وصفه تعالى بها على الحقيقة تُؤَوَّل [3] بما يليق به تعالى، فتُحمَل على آثارها ولوازمها، كحمل الغضب على العذاب، والرَّحمة على الإحسان، فيكون ذلك من صفات الأفعال، أو يُحمَل عن أنَّ المراد بالغضب مثلًا إرادة الانتقام، وبالرَّحمة إرادة الإنعام والإفضال، فيكون من صفات الذَّات.
2667- (قَالَ) أي: ابن مسعود: (فَقَالَ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ) الكنديُّ: (فِيّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي) ولأبوي الوقت وذرٍّ عن الحَمُّويي والكُشْمِيهَنِيِّ: ((كان ذلك بيني)) (وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ) اسمه: الجَفْشيْش _بجيم مفتوحة ففاء ساكنة فشينين معجمتين، بينهما تحتيَّة ساكنة_ وسقط لأبي ذَرٍّ «من اليهود» (أَرْضٌ) زاد مسلم: «باليمن» (فَجَحَدَني، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟) تشهد لك باستحقاقك ما ادّعيته (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: لَا) بيِّنة لي (قَالَ: فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِلْيَهُودِيِّ: احْلِفْ) ولأبي ذَرٍّ عن المُستملي: ((قال: احلف)) (قَالَ) الأشعث: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ) بالنَّصب بـ «إذًا» (وَيَذْهَبَ بِمَالِي [4] ) بنصب «يذهب» عطفًا على سابقه، وفي الفرع كأصله: ((يحلفُ ويذهبُ)) برفعهما أيضًا على لغة من لا ينصب بـ «إذًا»، ولو وُجِدَت شرائط عملها التِّي هي التَّصدُّر والاستقبال وعدم الفصل، كما حكاه سيبويه (قَالَ: فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى) ولأبي ذَرٍّ: ((عَزَّ وَجَلَّ)): ({إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} [آل عمران: 77] إِلَى آخِرِ الآيَةِ) من سورة آل عمران.
فإن قلت: كيف يطابق نزول هذه الآية قوله: «إذًا يحلف ويذهب بمالي». أُجيبَ: باحتمال كأنَّه قيل للأشعث: ليس لك عليه إِلَّا الحلف، فإن كذب فعليه وباله، وفيه دليل على أنَّ الكافر يحلف في الخصومات كما يحلف المسلم.
وهذا الحديث سبق في «الخصومات» [خ¦2416].
ج4ص403


[1] في (ب) و(س): «شأنه».
[2] في (د): «على»، وفي نسخة في هامشها كالمثبت.
[3] في (ل): «فتؤوَّل»، وفي هامشها: (قوله: «فتُؤوَّل بما...» إلى آخره: الفاء في خبر «إنَّ» قال الأشمونيُّ: إذا دخل شيء من نواسخ الابتداء على المبتدأ الذي اقترن خبره بالفاء أزال الفاء إن لم يكن «إنَّ» أو «أنَّ» أو «لكنَّ» بإجماع المحقِّقين، وإن كان الناسخ «إنَّ» أو «أنَّ» أو «لكنَّ» جاز بقاء الفاء، نصَّ على ذلك _في «إنَّ» و«أن»_ سيبويه وهو الصحيح الذي ورد نصُّ القرآن المجيد به، كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} [الأحقاف: 13]، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِلءُ الأَرْضِ ذَهَبًا} [آل عمران: 91] ) . انتهى المراد منه فراجعه.
[4] في (د): «مالي».