إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: ما بال أناس يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله؟!

2561- وبه قال: (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيدٍ، أبو رجاء البغلانيُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام، زاد في نسخةٍ: ((عن عُقيلٍ))_بضمِّ العين_ ((ابن خالد بن عَقيلٍ)) بفتح العين (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ) بن الزُّبير (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ) إليها (تَسْتَعِينُهَا فِي) مال (كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ: ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ) سادتك [1] (فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ) وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((عن كتابتك)) (وَيَكُونَ) نُصِب عطفًا على المنصوب السَّابق (وَلَاؤُكِ لِي) وجواب الشَّرط قوله: (فَعَلْتُ) وظاهره: أنَّ عائشة طلبت أن يكون الولاء لها إذا أدَّت جميع مال الكتابة، وليس ذلك مرادًا، وكيف تطلب ولاء من أعتقه غيرها، وقد أزال هذا الإشكال ما وقع في رواية أبي أسامة عن هشامٍ [خ¦2563] حيث قال بعد قوله: أن أعدَّها لهم عَدَّةً واحدةً وأُعتِقك، ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فتبيَّن أنَّ غرضها أن تشتريها شراءً صحيحًا ثمَّ تعتقها؛ إذ العتق فرعُ ثبوت الملك.
(فَذَكَرَتْ ذَلِكَ) الذي قالته عائشة (بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا فَأَبَوْا) فامتنعوا أن يكون الولاء لعائشة (وَقَالُوا: إِنْ شَاءَتْ) أي [2]: عائشة (أَنْ تَحْتَسِبَ) الأجر (عَلَيْكِ) عند الله (فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ) نُصِب عطفًا على «أن تحتسبَ» (وَلَاؤُكِ لَنَا) لا لها (فَذَكَرَتْ) بريرة (ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) وفي «الشُّروط» [خ¦2729]: فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالسٌ، فقالت: إنِّي قد عرضت ذلك عليهم فأبوا إلَّا أن يكون الولاء لهم، فسمع النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأخبرت عائشة النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) وسقط لفظ «لها» في رواية أبي ذرٍّ: (ابْتَاعِي) ها (فَأَعْتِقِي) ها؛ بهمزةٍ قطع (فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَ [3]: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟) قال ابن خزيمة: أي: ليس في حكم الله جوازها أو وجوبها [4]، لا أنَّ كلَّ من شرط شرطًا لم ينطق به الكتاب باطلٌ؛ لأنَّه قد يشترط في البيع الكفيل، فلا يبطل الشَّرط، ويُشترَط في الثَّمن شروطٌ من أوصافه أو نجومه ونحو ذلك فلا يبطل، فالشُّروط المشروعة صحيحةٌ، وغيرها باطلٌ (مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ) عَزَّ وَجَلَّ (فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ) ولأبي ذرٍّ: ((وإن اشترط)) (مِئَةَ مَرَّةٍ) ولأبي ذرٍّ عن المُستملي: ((مئة شرطٍ)) توكيدٌ؛ لأنَّ العموم في قوله: «من اشترط» دالٌّ على بطلان جميع الشُّروط المذكورة، فلا حاجة إلى تقييدها بالمئة، فلو زادت عليها [5]؛ كان الحكم كذلك؛ لما دلَّت عليه الصِّيغة (شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ) ليس «أفعل» التَّفضيل فيهما على بابه، فالمراد: أنَّ شرط الله هو الحقُّ والقويُّ، وما سواه واهٍ؛ كما مرَّ.
ج4ص330


[1] في (س): «ساداتك».
[2] «أي»: ليس في (ص).
[3] «قال»: سقط من (ص).
[4] في (ص): «جوازه أو وجوبه».
[5] في (د1) و(ص) و(ل): «على المئة».