إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم

2545- وبه قال: (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) عبد الرَّحمن العسقلانيُّ، الفقيه العابد قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج [1] قال: (حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ) هو ابن حَبَّان _بفتح الحاء المُهمَلة وتشديد المُوحَّدة_ الأسديُّ الكوفيُّ (قَالَ: سَمِعْتُ الْمَعْرُورَ) بفتح الميم وسكون العين المُهمَلة وبضمِّ الرَّاء الأولى، ولأبي ذرٍّ: ((سمعت معرور)) (ابْنَ سُوَيْدٍ) الأسديَّ، أبا أميَّة الكوفيَّ، عاش مئةً وعشرين سنةً [2] (قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جنادة (الْغِفَارِيَّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) زاد في «الإيمان» [خ¦30] من وجهٍ آخر عن شعبة: بالرَّبذة؛ وهو موضعٌ بالبادية على ثلاث مراحل من المدينة [3] (وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ) من بُرُود اليمن، ولا تُسمَّى حُلَّةً إلَّا إذا كانت ثوبين من جنسٍ واحدٍ (وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ) مثلها، ولم يُسَمَّ الغلام (فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ) بضمير المفعول، وسقط لأبي ذرٍّ، والمعنى: سألناه عن السَّبب في إلباسه غلامه مثل لبسه؛ لأنَّه على [4] خلاف المعهود (فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ) بفتح المُوحَّدة الأولى وسكون الثَّانية، أي: وقع بيني وبينه سبابٌ _بالتَّخفيف_ وهو من السَّبِّ _بالتَّشديد_ و [5] عند الإسماعيليِّ: ((شاتمت)) (رَجُلًا) قيل: هو بلالٌ المؤذِّن مولى أبي بكرٍ، وزاد مسلمٌ: من إخواني، وزاد المؤلِّف في «الإيمان» [خ¦30]: فعيَّرته بأمِّه (فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟) زاد في «الإيمان» [خ¦30]: «إنَّك امرؤٌ فيك جاهليَّةٌ»، أي: خصلةٌ من خصال الجاهليَّة، وفيه دليلٌ [6] على جواز تعدية «عيَّرت» بالباء [7]، وقد أنكره ابن قتيبة، وتبعه غيره، وقالوا: إنَّما يُقال: عيَّرته أمَّه، وأثبت آخرون أنَّها لغةٌ، والحديث حجَّةٌ لهم في ذلك (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (إِنَّ إِخْوَانَكُمْ) أي: مماليككم إخوانُكم، خبر مبتدأٍ محذوفٍ، واعتبار الأخوَّة إمَّا من جهة
ج4ص320
آدم، أي: إنَّكم متفرِّعون من أصلٍ واحدٍ، أو من جهة الدِّين (خَوَلُكُمْ) بفتح الخاء المعجمة والواو، أي: خَدَمُكم، سُمُّوا بذلك لأنَّهم يتخوَّلون الأمور، أي: يصلحونها، ومنه الخوليُّ لمن يقوم بإصلاح [8] البستان، أو التَّخويل: التمليك (جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ) أي: ملككم (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ) ملكه، ولأبي ذرٍّ: ((يديه)) بالتَّثنية (فَلْيُطْعِمْهُ) على سبيل النَّدب (مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ) على سبيل النَّدب أيضًا (مِمَّا يَلْبَسُ) أي: من جنس كلٍّ منهما، والمراد: المواساة، لا المساواة من كلِّ وجهٍ، نعم؛ الأخذ بالأكمل _وهو المساواة؛ كما فعل أبو ذرٍّ_ أفضلُ، فلا يستأثر المرء على عياله وإن كان جائزًا، قال النَّوويُّ: يجب على السَّيِّد نفقة المملوك وكسوته بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواءٌ كان من جنس نفقة السَّيِّد ولباسه أو فوقه، حتَّى لو قَتَّر السَّيِّد على نفسه تقتيرًا خارجًا عن عادة أمثاله؛ إمَّا زهدًا، أو شحًّا؛ لا يحلُّ له التَّقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلَّا برضاه (وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ) أي: من العمل (مَا يَغْلِبُهُمْ) لصعوبته أو عظمته، وهذا على سبيل الوجوب، قال الله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] أي: إلَّا ما تسعه قدرتها؛ فضلًا ورحمة وإرشادًا وتعليمًا لنا كيف نفعل فيما ملَّكَنَا تعالى (فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ) ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((ممَّا يغلبهم))، وسقط «ما يغلبهم» في «كتاب الإيمان»؛ كما مرَّ [9] [خ¦30] وأمَّا قول الحافظ ابن حجرٍ هنا: قوله: «فإن كلَّفتموهم»، أي: ما يغلبهم، وحُذِف للعلم به؛ فسهوٌ، نعم هو صحيحٌ بالنِّسبة لما في «كتاب الإيمان» كما مرَّ؛ يعني: إن كلَّفتم العبيد جنس ما يطيقونه؛ فإن استطاعوه فذاك، وإلَّا (فَأَعِينُوهُمْ) عليه.
وهذا الحديث قد سبق في «باب المعاصي من أمر الجاهليَّة» في «كتاب الإيمان» [10] [خ¦30].
ج4ص321


[1] زيد في (ص): «الكوفيُّ»، وهو خطأٌ.
[2] قوله: «ابْنَ سُوَيْدٍ الأسديَّ... مئةً وعشرين سنةً» سقط من (م).
[3] في (ص): «بالمدينة».
[4] «على»: ليس في (ص).
[5] زيد من (ص): «هو».
[6] في (ص) و(م): «دلالةٌ».
[7] في (م): «بالياء»، وهو تصحيفٌ.
[8] في (ص): «لمن يصلح شأن».
[9] «الإيمان كما مرَّ»: (م)، و«كما مرَّ»: ليس في (د1).
[10] زيد في (م): «الله أعلم»، وفي (د1): بياضٌ مقدار ثلاث كلماتٍ.