إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: الرهن يركب بنفقته ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونًا

2511- وبه قال: (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكَينٍ قال: (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ) بن أبي زائدة (عَنْ عَامِرٍ) هو الشَّعبيُّ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الرَّهْنُ) أي: الظَّهر المرهون (يُرْكَبُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه مبنيًّا للمفعول (بِنَفَقَتِهِ) أي: يُركَب ويُنفَق عليه (وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا) بفتح الدَّال المهملة وتشديد الرَّاء، قال الكرمانيُّ وتبعه
ج4ص297
العينيُّ وغيره: مصدرٌ بمعنى: الدَّارَّة، أي: ذات الضَّرع، وقال الحافظ ابن حجرٍ: هو من إضافة الشَّيء إلى نفسه، وتعقَّبه العينيُّ: بأنَّ إضافة الشَّيء إلى نفسه لا تصحُّ إلَّا إذا وقع في الظَّاهر فيُؤوَّل، وإذا كان المراد بـ «الدَّرِّ» الدَّارَّة؛ فلا يكون من إضافة الشَّيء إلى نفسه؛ لأنَّ اللَّبن غير الدَّارَّة، واحتجَّ به الإمام؛ حيث قال: يجوز للمرتهن الانتفاع بالرَّهن إذا قام بمصلحته ولو لم يأذن له المالك، وأجمع الجمهور: على أنَّ المرتهن لا ينتفع من الرَّهن بشيءٍ، قال ابن عبد البرِّ: هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يردُّه أصولٌ مُجمَعٌ عليها، وآثارٌ ثابتةٌ لا يُختَلف في صحَّتها، ويدلُّ على نسخه حديث ابن عمر، أي: الماضي في «أبواب المظالم» [خ¦2435]: «لا تُحلب ماشيةُ امرئٍ بغير إذنه». انتهى. وقال إمامنا الشَّافعيُّ: يُشْبِه أن يكون المرادُ من رهن ذات دَرٍّ وظهرٍ لم يمنعِ الرَّاهنُ من درِّها وظهرها، فهي محلوبةٌ ومركوبةٌ له كما كانت قبل الرَّهن. انتهى. فيجوز للرَّاهن [1] انتفاعٌ لا ينقص المرهون؛ كركوبٍ وسكنى واستخدامٍ ولبسٍ وإنزاء فحلٍ لا ينقصانه، وقال الحنفيَّة ومالكٌ وأحمد في روايةٍ عنه: ليس للرَّاهن ذلك؛ لأنَّه ينافي حكم الرَّهن؛ وهو الحبس الدَّائم، واحتجَّ الطَّحاويُّ في «شرح الآثار»: بأنَّ هذا الحديث مُجمَلٌ لم يُبيِّن فيه من الذي يركب ويشرب اللَّبن، فمن أين جاز لهم أن يجعلوه للرَّاهن دون أن يجعلوه للمرتهن؟ إلَّا أن يعاونه [2] دليلٌ من كتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، قال: ومع ذلك فقد روى هُشَيمٌ هذا الحديث بلفظ: «إذا كانت الدَّابَّة مرهونةً؛ فعلى المرتهن علفُها وثمن الذي يشرب [3]، وعلى الذي يشرب نفقتُها، ويَرْكَبُ»، فدلَّ هذا الحديث أنَّ المَعْنِيَّ بالرُّكوب وشرب اللَّبن في الحديث الأوَّل هو المرتهن لا الرَّاهن، فجُعِل ذلك له، وجُعِلت النَّفقة عليه بدلًا ممَّا يتعوَّض منه ممَّا [4] ذكرنا، وكان هذا عندنا في الوقت الذي كان الرِّبا مباحًا، فلمَّا حُرِّم الرِّبا حُرِّمت أشكاله، ورُدَّت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللَّبن في الضَّرع، فدخل في ذلك النَّهي عن النَّفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضَّرع، وتلك النَّفقة غير موقوفٍ [5] على مقدارها، واللَّبن أيضًا كذلك، فارتفع بنسخ الرِّبا أن تجب النَّفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا [6] منها، وباللَّبن الذي يحتلبه ويشربه، وتُعقِّب: بأنَّ النَّسخ لا يثبت بالاحتمال والتَّاريخ في هذا متعذِّرٌ، والله أعلم.
ج4ص298


[1] «فيحوز للراهن»: سقط من (م).
[2] في (د): «يقارنه».
[3] في شرح معاني الآثار والعمدة : «ولبن الدر يُشرب».
[4] في (د): «لما».
[5] في غير (ب) و(س): «فغير».
[6] في (د): «يجب له عوضٌ».