إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: هكذا أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف

2419- وبه قال: (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ قال: (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة، ابن أنسٍ، الأصبحيُّ (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ الزُّهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْر) بن العوَّامِ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [1] بْنِ عَبْدٍ) بالتَّنوين، غير مضافٍ لشيءٍ (الْقَارِيِّ) بتشديد التَّحتيَّة؛ نسبةً [2] إلى القارة؛ بطنٌ من خزيمة بن مدركة، وليس منسوبًا إلى القراءة، وكان عبد الرَّحمن هذا من كبار التَّابعين، وذُكِر في الصَّحابة؛ لكونه أُتي به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وهو صغيرٌ؛ كما [3] أخرجه البغويُّ في «مُعجَم الصَّحابة» بإسنادٍ [4] لا بأس به (أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ) بالحاء المهملة والزَّاي، الأسديَّ، وله ولأبيه صحبةٌ، وأسلما يوم الفتح (يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ) وغلط من قال: «سورة الأحزاب» (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ) بفتح الهمزة وسكون العين وفتح الجيم، ولأبي ذرٍّ في نسخةٍ: ((أن أُعَجِّل عليه)) بضمِّ الهمزة وفتح العين وتشديد الجيم المكسورة، أي: أن أخاصمه وأظهر بوادر غضبي عليه (ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ) قال العينيُّ كالكرمانيِّ: أي: من القراءة. انتهى. وفيه نظرٌ؛ فإنَّ في «الفضائل» في «باب أُنزِل القرآن على سبعة أحرفٍ» [خ¦4992] من رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ: فكدت أُساوره في الصَّلاة، فتصبَّرت حتَّى سلَّم، فيكون المراد هنا: حتَّى انصرف من الصَّلاة (ثُمَّ لَبَّبْتُهُ) بتشديد المُوحَّدة الأولى وسكون الثَّانية (بِرِدَائِهِ) [5] جعلته في عنقه وجررته به؛ لئلَّا ينفلت، وإنَّما فعل ذلك به [6] اعتناءً بالقرآن، وذبًّا عنه، ومحافظةً على لفظه [7] كما سمعه من غير عدول إلى ما تجوِّزه العربيَّة، مع ما كان عليه من الشِّدَّة في الأمر بالمعروف (فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم)، وفي رواية عُقَيلٍ عن ابن شهابٍ: فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ) زاد عُقَيلٌ: سورة الفرقان (عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِي: أَرْسِلْهُ) أي: أطلق هشامًا؛ لأنَّه كان ممسوكًا معه [8] (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لَهُ) أي: لهشامٍ: (اقْرَأْ، فَقَرَأَ) زاد عُقَيلٌ: القراءة التي سمعته يقرأ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ) قال عمر: (ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام (لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ) كما أقرأني (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام: (هَكَذَا أُنْزِلَتْ) ثمَّ قال عليه الصلاة والسلام تطييبًا لعمر؛ لئلَّا ينكر تصويب الشَّيئين المختلفين: (إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ) أي: أوجهٍ من الاختلاف، وذلك إمَّا في الحركات [9] بلا تغييرٍ في المعنى والصُّورة، نحو: البُخْلِ [10] والبَخَلِ [11] ويُحسَب بوجهين، أو بتغييرٍ في المعنى فقط؛ نحو: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ} [البقرة: 37]
ج4ص236
{وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ} [يوسف: 45] و{{أَمَهٍ}} [12]، وإما في الحروف بتغيير المعنى لا الصُّورة؛ نحو: {تَتْلُو} و{تَبْلُو} [يونس: 30] و{نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً} [يونس: 92] و{نُنْجِيكَ بِبَدَنِكَ} [13] [يونس: 92] أو عكس ذلك؛ نحو: {بَسْطَةً} [البقرة: 247] و {بَصطَةً} [البقرة: 247] و{السِّرَاطَ} و{الصِّرَاطَ} [الفاتحة: 6] أو بتغييرهما؛ نحو: {أَشَدَّ مِنكُمْ} و{مِنهُمْ} [غافر: 21] و{يَأْتَلِ} و{يتألَّ} [النُّور: 22] و{{فامضوا إلى ذكر الله}} [الجمعة: 9] وإمَّا في التَّقديم والتَّأخير؛ نحو: {فَيَقتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} [التَّوبة: 111] {{وجاءت سكرة الحق بالموت [14]}} [ق: 19] أو في الزِّيادة والنُّقصان؛ نحو: {أَوْصَى} و{وَصَّى} [البقرة: 132] و{الذَّكَرَ وَالأُنْثَى} [اللَّيل: 3] فهذا ما يرجع إليه صحيح القراءات وشاذِّها، وضعيفها ومُنكَرها، لا يخرج شيءٌ عنه، وأمَّا نحو اختلاف الإظهار والإدغام والرَّوم والإشمام ممَّا يُعبَّر عنه بالأصول؛ فليس من الاختلاف الذي يتنوَّع فيه اللَّفظ أو المعنى؛ لأنَّ هذه الصِّفات المتنوِّعة في أدائه لا تُخرِجه عن أن يكون لفظًا واحدًا، ولئن فُرِض؛ فيكون من الأوَّل، ويأتي _إن شاء الله تعالى بعونه سبحانه_ مزيدٌ لذلك في «فضائل القرآن»، وفي كتابي الذي جمعته في «فنون القراءات الأربعة عشر» من ذلك ما يكفي ويشفي (فَاقْرَؤُوا مِنْهُ) أي: من المُنزَّل بالسَّبعة (مَا تَيَسَّرَ) فيه إشارةٌ إلى الحكمة في التَّعدُّد، وأنَّه للتَّيسير على القارئ، ولم يقع في شيءٍ من الطُّرق فيما علمت تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشامٌ من سورة الفرقان، نعم؛ يأتي _إن شاء الله تعالى_ ما اختُلِف في ذلك من دون الصَّحابة، فمن بعدهم في هذه السُّورة في «باب الفضائل» [خ¦4992] والغرض من الحديث هنا قوله: «ثمَّ لبَّبته بردائه»، ففيه مع إنكاره عليه بالقول إنكاره عليه [15] بالفعل.
وقد أخرج المؤلِّف هذا الحديث في «فضائل القرآن» [خ¦4992] و«التَّوحيد» [خ¦7550] وفي «استتابة المرتدِّين» [خ¦6936]، ومسلمٌ في «الصَّلاة» وكذا أبو داود، وأخرجه التِّرمذيُّ في «القراءة»، والنَّسائيُّ في «الصَّلاة» وفي «فضائل القرآن».
ج4ص237


[1] في (ص): «عبد الله»، وفي هامشها (نسخة: عبد الرَّحمن).
[2] في (م): «منسوبٌ».
[3] «كما»: ليس في (د).
[4] في (د): «بسندٍ».
[5] في (ب): «برداته»، وهو تصحيفٌ.
[6] «به»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[7] في (د): «اللَّفظ»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[8] في (د) و(م): «منه».
[9] في (ص): «بالحركات».
[10] في (م): «العجل».
[11] «والبَخَل»: ليس في (س).
[12] ليس في (ب)، وفي (ص): «أمدٍ»، وهو تحريفٌ.
[13] زيد في (ب): «لتكون لمن خلفك»، وقوله: «{بِبَدَنِكَ}»: ليس في (س).
[14] في (د): «{الْمَوْتِ بِالْحَقِّ}»، وهي القراءة المتواترة.
[15] «بالقول إنكاره عليه»: ليس في (م).