إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

باب المزارعة بالشطر ونحوه

(8) (باب الْمُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ) وهو [1] النِّصف (وَنَحْوِهِ، وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ) هو ابن الجدليِّ الكوفيُّ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق: (عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ) محمَّد بن عليِّ بن الحسين، الباقر، أنَّه (قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ
ج4ص176
هِجْرَةٍ) أي: مهاجريٍّ (إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ) الواو بمعنى: «أو»، وقوله في «الفتح»: _عاطفةٌ على الفعل لا على المجرور، أي: يزرعون على الثُّلث ويزرعون على الرُّبع_ تعقَّبه في «عمدة القاري»: بأنَّه لا يُقال: الحرف يُعطَف على الفعل، وإنَّما الواو بمعنى: «أو»، فإذا أبقيناها على أصلها؛ يكون فيه حذفٌ تقديره: وإلَّا يزرعون على الرُّبع، ولا يضرُّ تفرُّد قيسٍ الكوفيِّ بروايته هذا عن أبي جعفر المدنيِّ [2] عن المدنيِّين الرَّاوين عنه، فإنَّ انفراد الثِّقة الحافظ غير مؤثِّرٍ على أنَّه لم ينفرد به، فقد وافقه غيره في بعض معناه؛ كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_ قريبًا (وَزَارَعَ عَلِيٌّ) هو ابن أبي طالبٍ، فيما وصله ابن أبي شيبة من طريق عمرو بن صُلَيعٍ [3] عنه (وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ) وهو سعد بن أبي وقَّاصٍ (وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ) فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة أيضًا من طريق موسى بن طلحة (وَعُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) فيما وصله أيضًا ابن أبي شيبة من طريق خالدٍ الحذَّاء (وَالْقَاسِمُ) بن محمَّدٍ فيما وصله عبد الرَّزَّاق (وَعُرْوَةُ بن الزُّبَيْر) فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا (وَآلُ أَبِي بَكْرٍ) الصِّدِّيق (وَآلُ عُمَرَ) بن الخطَّاب (وَآلُ عَلِيٍّ) بن أبي طالبٍ فيما وصله ابن أبي شيبة أيضًا، وآلُ الرَّجل: أهلُ بيته (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ، فيما وصله سعيد بن منصورٍ.
(وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ) بن يزيد النَّخعيُّ، أبو بكرٍ الكوفيُّ، فيما وصله ابن أبي شيبة: (كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ) بن قيسٍ، النَّخعيَّ الكوفيَّ، وهو أخو الأسود بن يزيد [4] وابن أخي علقمة بن قيسٍ (فِي الزَّرْعِ) زاد ابن أبي شيبة فيه: وأحمله إلى علقمة والأسود [5]، فلو رأيا به بأسًا لنهياني عنه (وَعَامَلَ عُمَرُ) بن الخطَّاب رضي الله عنه (النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ) بكسر الهمزة (عُمَرُ بِالْبَذْرِ) بالذَّال المعجمة (مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ) من عندهم (فَلَهُمْ كَذَا) وهذا وصله ابن أبي شيبة، عن أبي خالدٍ الأحمر، عن يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عمر... فذكر نحوه [6]، وهذا مُرسَلٌ، وأخرجه البيهقيُّ من طريق إسماعيل بن أبي حكيم عن عمر بن عبد العزيز قال: لمَّا استُخلِف عمر أجلى أهل نجرانَ وأهل فَدَكٍ [7] وتيماءَ [8] وأهلَ خيبرَ، واشترى عُقُرَهم [9] وأموالهم، واستَعملَ يعلى بن أميَّة [10] فأعطى البياض _يعني: بياض الأرض_ على إن كان البذر والبقر والحديد من عمر؛ فلهم الثُّلث، ولعمر [11] الثُّلثان، وإن كان منهم فلهم الشَّطر، وله الشَّطر [12]، وأعطى النَّخل والعنب على أنَّ لعمر [13] الثُّلثين، ولهم الثُّلث، وهذا مُرسَلٌ أيضًا فيتقوَّى أحدهما بالآخر، وكأنَّ المصنِّف أبهم المقدار بقوله: «فلهم كذا» لِما وقع فيه من الاختلاف؛ لأنَّ غرضه منه [14] أنَّ عمر أجاز المعاملة بالجزء، وفي إيراد البخاريِّ هذا الأثر وغيره في هذه التَّرجمة ما يقتضي أنَّه يرى أنَّ المزارعة والمخابرة بمعنًى واحدٍ، وهو [15] وجهٌ عند الشَّافعيَّة، والآخر أنَّهما مختلفا المعنى، فالمزارعة: العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها، والبذر من المالك، والمخابرة مثلها، لكنَّ البذر من العامل.
(وَقَالَ الْحَسَنُ) البصريُّ: (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا) عليها (فَمَا خَرَجَ) منها (فَهْوَ بَيْنَهُمَا) وهذا وصله سعيد بن منصورٍ فيما قاله الحافظ ابن حجرٍ، قال العينيُّ: لم أجده بعد الكشف (وَرَأَى ذَلِكَ) الذي قاله الحسن (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ، قال ابن حجرٍ: وصله عبد الرَّزَّاق وابن أبي شيبة نحوه، قال العينيُّ: لم أجده عندهما (وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى الْقُطْنُ عَلَى النِّصْفِ) بضمِّ التَّحتيَّة وسكون الجيم وفتح الفوقيَّة مبنيًّا للمفعول، و«القطنُ»: رفع نائبٍ عن الفاعل، وهذا موصولٌ فيما قاله الحافظ [16] ابن حجرٍ عند عبد الرَّزَّاق، ومثل القطن العصفر ولقاط الزَّيتون والحصاد وغير ذلك ممَّا هو مجهولٌ، فأجازه جماعةٌ من التَّابعين، وهو قول أحمد قياسًا على القِراض؛ لأنَّه يعمل بالمال على جزءٍ منه معلوم لا يدري مبلغه (وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النَّخعيُّ ممَّا وصله الأثرم (وَابْنُ سِيرِينَ) محمَّدٌ ممَّا وصله ابن أبي شيبة (وَعَطَاءٌ) هو ابن أبي رباحٍ (وَالْحَكَمُ) بن عتيبة فيما وصله عنهما ابن أبي شيبة _كما قاله في «الفتح»_ وقال في «عمدة القاري»: لم أجد ذلك عنده (وَالزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم ابن شهابٍ (وَقَتَادَةُ) فيما وصله عنه ابن أبي شيبة: (لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ الثَّوْبَ) أي: الغزل للنَّسَّاج ينسجه، وإطلاق الثَّوب عليه من
ج4ص177
باب المجاز، ولأبي ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ والمُستملي: ((الثَّورَ)) (بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ) أي: يكون الثُّلث أو الرُّبع ونحوه للنَّسَّاج، والباقي لمالك [17] الغزل (وَقَالَ مَعْمَرٌ) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما، ابن راشدٍ، ممَّا وصله عبد الرَّزَّاق عنه، وفي نسخةٍ بـ «اليونينيَّة» وفرعها: ((معتمرٌ)) بالفوقيَّة، فليُنظَر [18]: (لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الْمَاشِيَةُ) ولأبوي ذرٍّ والوقت والأَصيليِّ وابن عساكر: ((تُكرَى الماشية)) (عَلَى الثُّلُثِ أو الرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: ثلث الكراء الحاصل منها، أي: بأن يكريها لحمل طعامٍ [19] مثلًا إلى مدَّةٍ معلومةٍ على أن يكون ذلك بينهما أثلاثًا أو أرباعًا، ورأيت بهامش «اليونينيَّة» ما لفظه [20]: وعند الحافظ أبي ذرٍّ على قوله: ((إلى أجلٍ مسمُّى)) علامة المُستملي والكُشْمِيْهَنِيِّ، وهو يدلُّ على أنَّه عندهما دون الحَمُّويي، وهو ثابتٌ على ما تراه [21] في روايته في هذا الأصل، وكذلك [22] كلُّ ما أشار إليه في المواضع المعلم عليها، فاعلم ذلك وأمعن النَّظر فيه.
ج4ص178


[1] «وهو»: ليس في (ص).
[2] في (د): «المدينيِّ»، وهو تحريفٌ.
[3] في هامش (ص): (قوله: «صُلَيعٍ» بمهملتين مُصغَّرًا، صحابيٌّ صغيرٌ). انتهى. «تقريب».
[4] في هامش (ص): (واعلم أنَّ كلَّ شيءٍ قصدت به قصدَ قبيلةٍ أو أمٍّ لم ينصرف في المعرفة، وانصرف في النَّكرة، وما قُصِدَ به قصدَ حَيٍّ أو أبٍ؛ انصرف في المعرفة والنَّكرة، تقول: هذه تميمُ، وهذه أسدُ، فلا ينصرف إن أردت القبيلة، وإن أردت الحيَّ انصرف، فقلت: هذه تميمٌ، وطيِّئٌ، وتغلبٌ). انتهى.
[5] قوله: «وأحمله إلى علقمة والأسود»: ليس في (م).
[6] في هامش (ص): (قوله: «نحوه»: ولفظه _كما في «الفتح»_: «إن جاؤوا بالبقر والحديد من عندهم؛ فلهم الثُّلثان، وإن جاءهم عمر بالبذر من عنده فله الشَّطر»). انتهى.
[7] في هامش (ص): (قوله: «وفَدَكٍ»: بفتح أوَّله وثانيه، معروفةٌ، بينها وبين المدينة يومان). انتهى «ترتيب».
[8] في هامش (ص): (قوله: «وتَيماء» بفتح أوَّله والمدِّ: من أمَّهات القرى على البحر، يُخرَج منها إلى الشَّام). انتهى. «ترتيب».
[9] في (د1) و(ص) و(ل) و(م) : «عقدهم»، وفي هامش (ص): (قوله: «واشترى عقدهم»: بصورة الدَّال المهملة، كذا بخطِّه، وفي «الفتح» بالرَّاء: جمع «عقارٍ»، وهو أولى؛ لما في «القاموس»: والعُقْرة للمَوات، وكَلأٌ عَقَارٌ كـ «سَحَابٍ» و«رُمَّانٍ»). انتهى.
[10] في (د): «منية»، وهو تحريفٌ.
[11] في (د): «وله».
[12] «وله الشَّطر»: مثبتٌ من (د) و(س).
[13] في (ب) و(س): «له».
[14] «منه»: ليس في (ص).
[15] في (د): «وهذا».
[16] «الحافظ»: ليس في (د).
[17] في (د): «الناسج»، وليس بصحيحٍ.
[18] قوله: «وفي نسخةٍ باليونينيَّة... فليُنظَر»: ليس في (د) و(م).
[19] في (د): «الطَّعام».
[20] «ورأيت بهامش «اليونينيَّة» ما لفظه»: ليس في (د).
[21] في (د1) و(ص): «ترى».
[22] في (ب) و(د) و(س): «وكذا».