إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه

2324- وبه قال: (حَدَّثَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((حدَّثني)) (مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمُوحَّدة والشِّين المعجمة المُشدَّدة المفتوحتين، العبديُّ البصريُّ أبو بكرٍ بندارٌ قال: (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو محمَّد بن جعفرٍ البصريُّ قال: (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ سَعْدٍ) بسكون العين، ولأبي ذرٍّ زيادة: ((ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوفٍ الزُّهريِّ)) قاضي المدينة، أنَّه (قال: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن الزُّهريَّ المدنيَّ، أحد الأعلام، يُقال: اسمه: عبد الله، ويُقال: إسماعيل، وهو عمُّ سعد بن إبراهيم السَّابق (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) أنَّه (قَالَ: بَيْنَمَا) بالميم (رَجُلٌ) لم يُسَمَّ (رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ) وجواب «بينما» قوله: (الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ) أي: البقرة، وزاد في «المناقب» في «فضل أبي بكرٍ» من طريق أبي اليمان [خ¦3663]: فتكلَّمت (فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا) أي: للرُّكوب بقرينة قوله: «راكبٌ» (خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ) وفي «ذكر بني إسرائيل» من طريق عليٍّ عن [1] سفيان [خ¦3471]: «بينا رجلٌ يسوق بقرةً إذ ركبها فضربها فقالت: إنَّا لم نُخلَق لهذا، إنَّما خُلِقنا للحرث»، فقال النَّاس: سبحان الله! بقرةٌ تتكلَّم؟! (قَالَ) النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: (آمَنْتُ بِهِ) أي: بنطق البقرة، وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3471]: «فإنِّي أومن بهذا» والفاء فيه جزاء [2] شرطٍ محذوفٍ، أي: فإذا كان النَّاس يستغربونه ويعجبون منه؛ فإنِّي لا أستغربه وأؤمن به (أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ) فإن قلت: ما فائدة ذكر «أنا» وعطف ما بعده عليه، وهلَّا عطف على المستتر في «أؤمن» مستغنيًا عنه بالجارِّ والمجرور؟ أجيب: بأنَّه لو لم يذكر «أنا» لاحتمل أن يكون «وأبو بكرٍ» عطفًا على محلِّ «إنَّ» واسمها والخبر
ج4ص173
محذوفٌ، فلا يدخل في معنى التَّأكيد، وتكون هذه الجملة واردةً على التَّبعيَّة ولا كذلك في هذه الصُّورة، قاله [3] في «شرح المشكاة». واستدلَّ بقوله [4]: «إنَّما خُلِقت للحراثة [5]» على أنَّ الدَّوابَّ لا تُستعمَل إلَّا فيما جرت به العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون قولها: «إنَّما خُلِقت للحرث [6]» إشارةً [7] إلى تعظيم ما خُلِقت له، ولم ترِد الحصر في ذلك؛ لأنَّه غير مرادٍ اتِّفاقًا؛ لأنَّ من جملة ما خُلِقت له أنَّها [8] تُذبَح وتُؤكَل بالاتِّفاق، قال ابن بطَّالٍ: في هذا الحديث حجَّةٌ على من منع أكل الخيل مستدلًّا بقوله تعالى: {لِتَرْكَبُوهَا} [النَّحل: 8] فإنَّه لو كان ذلك دالًّا على منع أكلها؛ لَدَلَّ هذا الخبر على منع أكل البقر؛ لقوله في الحديث: «إنَّما خُلِقت للحرث»، وقد اتَّفقوا على جواز أكلها، فدلَّ على أنَّ المراد بالعموم المستفاد من صيغة «إنَّما» في قولها [9]: «إنَّما خُلِقت للحرث»: عمومٌ مخصوصٌ.
(وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً) هو معطوفٌ على الخبر الذي قبله [10] بالإسناد المذكور (فَتَبِعَهَا) أي: الشَّاة (الرَّاعِي) لم يُسَمَّ، وإيراد المصنِّف للحديث في «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3471] فيه إشعارٌ بأنَّه عنده ممَّن كان قبل الإسلام، نعم وقع كلام الذِّئب لأهبان بن أوسٍ كما عند أبي نُعيمٍ في «الدَّلائل» (فَقَالَ الذِّئْبُ) ولأبي ذرٍّ: ((فقال له الذئب))، وفي «ذكر بني إسرائيل» [خ¦3471]: وبينما رجلٌ في غنمه إذ عدا الذِّئب فذهب منها بشاةٍ، فَطَلَب [11] حتَّى كأنَّه استنقذها منه، فقال له الذِّئب: هذا استنقذتها منِّي، واستُشكِل هذا التَّركيب، وخرَّجه ابن مالكٍ في «التَّوضيح» على ثلاثة أوجهٍ؛ أحدها: أن يكون منادًى محذوفًا منه حرف النِّداء، واعترضه البدر الدَّمامينيُّ: بأنَّه ممنوعٌ أو قليلٌ. الثَّاني: أن يكون في موضع نصبٍ على الظَّرفيَّة مشارًا به إلى اليوم، أي: هذا اليوم استنقذتها منِّي. الثَّالث: في موضع نصبٍ على المصدريَّة، أي: هذا الاستنقاذ استنقذتها منِّي، وقد وهم الزَّركشيُّ في «التَّنقيح»، وتبعه البدر الدَّمامينيُّ في «المصابيح»، والبرماويُّ في «اللَّامع الصَّبيح» [12]، فذكروا هذه الكلمة المستشكلة [13] في رواية هذا الباب ناقلين ما ذكرته عن ابن مالكٍ في توجيهها، وليس لها ذكرٌ في هذا الباب أصلًا، والله أعلم. ولفظ رواية الحديث المذكور في «المناقب» [خ¦3663]: «بينما راعٍ في غنمه؛ عدا عليه الذِّئب، فأخذ منها شاةً، فطلبه الرَّاعي، فالتفت إليه الذِّئب فقال»: (مَنْ لَهَا) أي: للشَّاة (يَوْمَ السَّبعِ) بضمِّ الموحَّدة ويجوز فتحها وسكونها: المفترس من الحيوان، وجمعه: أسبعٍ وسباعٍ؛ كما في «القاموس» (يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟) أي: إذا أخذها السَّبُع لم تقدر على خلاصها منه، فلا يرعاها حينئذٍ غيري، أي: إنَّك تهرب منه وأكون أنا قريبًا منه أراعي ما يفضل لي منها، أو أراد: من لها عند الفتن حين تُترَك بلا راعٍ نهبةً للسِّباع، فجعل السَّبُع لها راعيًا إذ هو منفردٌ بها، أو أراد [14]: يوم أكلي لها يُقال: سَبَعَ الذِّئبُ الغنمَ، أي: أكلها، وقال ابن العربيِّ: هو بالإسكان، والضَّمِّ تصحيفٌ، وقال ابن الجوزيِّ: هو بالسُّكون، والمحدِّثون يروونه بالضَّمِّ، وقال في «القاموس»: والسَّبْع _، أي: بسكون المُوحَّدة_: الموضع الذي يكون فيه الحشر، أي: من لها يوم القيامة، ويعكِّر [15] على هذا قول الذِّئب: لا راعي لها غيري، والذِّئب لا يكون راعيًا يوم القيامة، أو يوم السَّبْع [16] عيدٌ لهم في الجاهليَّة، كانوا يشتغلون فيه بلهوهم عن كلِّ شيءٍ، قال: ورُوِي: بضمِّ الباء. انتهى. أي: يغفل الرَّاعي عن غنمه [17] فيتمكَّن الذِّئب منها، وإنَّما قال: «ليس لها راعٍ غيري» مبالغةً في تمكُّنه منها.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم لمَّا تعجَّب النَّاس؛ حيث قالوا: سبحان الله؛ ذئبٌ يتكلَّم كما في «ذكر [18] بني إسرائيل» [خ¦3471]: (آمَنْتُ بِهِ) أي: بتكلُّم الذِّئب (أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ) أي: ابن عبد الرَّحمن الرَّاوي بالسَّند المذكور: (ومَا هُمَا) أي: العمران (يَوْمَئِذٍ فِي الْقَوْمِ) أي: لم يكونا حاضرين، فيحتمل أن يكون أُهبان_على تقدير أن يكون هو صاحب القصَّة_ لمَّا أَخْبَرَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كان العمران حاضرين فصدَّقاه، ثمَّ أَخْبَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النَّاس بذلك وهما غائبان [19]؛ فلذا قال عليه الصلاة والسلام: «فإنِّي أؤمن بذلك وأبو بكرٍ وعمر»، أو أَطْلَقَ ذلك لِما اطَّلع عليه من أنَّهما يصدِّقان بذلك إذا سمعاه، ولا يتردَّدان فيه كغيره من قواعد العقائد، وقال التُّوربشتيُّ: إنَّما أراد عليه الصلاة والسلام تخصيصهما بالتَّصديق الذي بلغ عين اليقين، وكُوشِف صاحبه بالحقيقة التي ليس وراءها للتَّعجُّب
ج4ص174
مجالٌ. انتهى. ونطق البقر والذِّئب جائزٌ عقلًا؛ أعني: النُّطق اللَّفظيَّ والنَّفسيَّ معًا، غير أنَّ النَّفسيَّ يُشترَط [20] فيه العقل، وخلقه في البقرة [21] والذِّئب جائزٌ، وكلُّ جائزٍ أخبر به صاحب المعجزة أنَّه واقعٌ علمنا عقلًا أنَّه واقعٌ، ولا يُحمَل توقُّف المتوقِّفين على أنَّهم شكُّوا في الصِّدق، ولكن استبعدوه استبعادًا عاديًّا، ولم يعلموا علمًا مكينًا [22] أنَّ خرق العادة في زمن النُّبوَّات يكاد [23] يكون عادةً، فلا عجب إذًا.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في «المناقب» [خ¦3663] وفي «بني إسرائيل» [خ¦3471] ومسلمٌ [24] في «الفضائل»، والتِّرمذيُّ في «المناقب» مُقطَّعًا [25].
ج4ص175


[1] في (م): «بن»، وهو تحريفٌ.
[2] في (د): «جواب».
[3] في (د) و(ص) و(م): «قال»، والمثبت هو الصَّواب.
[4] في (ب) و(س): «بقولها».
[5] في (ب) و(س): «خُلِقنا للحرث»، وكذا في المواضع اللَّاحقة.
[6] في (م): «للحراثة».
[7] في غير (ب) و(س): «الإشارة».
[8] في (ص): «إنَّما».
[9] في (د): «قوله».
[10] زيد في (د): «هو».
[11] في غير (ص) و(م): «فطلبه»، والمثبت موافقٌ لما في «الصَّحيح».
[12] «الصَّبيح»: ليس في (د) و(م).
[13] في (د): «المشكلة».
[14] قوله: «من لها عند الفتن حين تُترَك بلا راعٍ نهبةً للسِّباع، فجعل السَّبُع لها راعيًا؛ إذ هو منفردٌ بها، أو أراد»: ليس في (م).
[15] في (ص) و(ل): «أو يعكِّر»، وفي هامشهما: (قوله: «أو يعكِّر» كذا بخطِّه، والأنسب الواو). انتهى.
[16] في هامش (ص): (قوله: «السَّبُع»، قال بعضهم: إنَّما هو «السَّيع» بمُثنَّاةٍ من تحتٍ، أي: يوم الضَّياع، يُقال: أسيعت وأضيعت بمعنًى). انتهى. «مصابيح».
[17] «عن غنمه»: ليس في (د).
[18] في (د): «كما ذُكِرَ في».
[19] في (ص) و(ل): «غائبين»، وفي هامشهما: (قوله: «وهما غائبين» كذا بخطِّه، وصوابه: غائبان). انتهى.
[20] في (م): «يشترك»، وهو تحريفٌ.
[21] في (ب) و(د1): «البقر».
[22] في (د): «يقينًا»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[23] زيد في (ب) و(س): «أن».
[24] «ومسلمٌ»: ليس في (د) و(م).
[25] في (د1) و(م): «منقطعًا»، ولعلَّ المثبت هو الصَّواب.