إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين.

2297- وبه قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى ابْنُ بُكَيْرٍ) نسبه لجدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله المخزوميُّ قال: (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعدٍ الإمام (عَنْ عُقَيْلٍ) بضمِّ العين، ابن خالدٍ، أنَّه قال: (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلمٍ: (فَأَخْبَرَنِي) الفاء عاطفةٌ على محذوفٍ، تقديره: أخبرني فلانٌ بكذا فأخبرني (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام: (أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ) بكسر القاف، أي: لم أعرف (أَبَوَيَّ) أبا بكرٍ وأمَّ رومان، وزاد أبو ذرٍّ عن الكُشْمِيْهَنِيِّ هنا: ((قطُّ))_بتشديد الطَّاء المهملة المضمومة_ للنَّفي في الماضي
ج4ص151
(إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ) بكسر الدَّال المهملة [1]، والنَّصب على نزع الخافض، أي: يدينان بدين الإسلام [2] (وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ) سليمان بن صالحٍ المروزيُّ، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله [3]: ((سَلَمُوْيَه))_بفتح المهملة واللَّام وضمِّ الميم وسكون الواو وفتح التَّحتيَّة، آخره تاء تأنيثٍ_ قال الحافظ ابن حجرٍ: وهذا التَّعليق قد سقط من رواية أبي ذرٍّ، وساق الحديث عن عُقَيلٍ وحده: (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللهِ) بن المبارك (عَنْ يُونُسَ) بن يزيد (عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً) تفسيرٌ لقوله: «طرفي النَّهار» وهو منصوبٌ على الظَّرف (فَلَمَّا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ) بإيذاء [4] المشركين، وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه حال كونه (مُهَاجِرًا قِبَلَ الْحَبَشَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة، أي: إلى جهة الحبشة؛ ليلحق بمن سبقه من المسلمين، فسار (حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ) بفتح المُوحَّدة وسكون الرَّاء بعدها كافٌ، و«الغِماد» بكسر الغين المعجمة وتخفيف الميم، ولأبي ذرٍّ: ((بِرك)) بكسر المُوحَّدة. قال في «المطالع»: وبكسر المُوحَّدة وقع للأَصيليِّ والمُستملي والحَمُّويي، قال: وهو موضعٌ بأقاصي [5] هجر، وقيل: اسم موضعٍ باليمن، وقيل: وراء مكَّة بخمس ليالٍ (لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ) بفتح الدَّال المهملة وكسر الغين المعجمة وفتح النُّون المُخفَّفة، ولأبي ذرٍّ: ((الدُّغُنَّة))؛ بضمِّ الدَّال والغين وتشديد النُّون، كذا في الفرع وأصله لأبي ذرٍّ [6]، وعند المروزيِّ: ((الدَّغَنَة)) بفتح الدَّال والغين والنُّون المُخفَّفة، قال الأَصيليُّ: وكذا رواه لنا المروزيُّ، وقيل: إنَّ ذلك كان لاسترخاءٍ في لسانه، والصَّواب فيه الكسر، وهو اسم أمِّه، واسمه: الحارث بن يزيد؛ كما عند البَلاذُريِّ [7]، وحكى السُّهيليُّ: مالكٌ، وعند الكرمانيِّ أنَّ ابن إسحاق سمَّاه ربيعة بن رُفيعٍ، وهو وَهْمٌ من الكرمانيِّ؛ لأنَّ ربيعةَ المذكور آخرُ يُقال له: ابن الدُّغنة أيضًا، لكنَّه سُلَمِيٌّ [8]، والذي هنا من القارة فافترقا (وَهْوَ سَيِّدُ الْقَارَةِ) بالقاف وتخفيف الرَّاء؛ قبيلةٌ مشهورةٌ من بني الهُون _بضمِّ الهاء وسكون الواو_ ويُوصفون بجودة الرَّمي، واسم ابن الدَّغنة؛ قال مغلط، أي: اسمه مالكٌ، وعند البلاذُريِّ في حديث «الهجرة»: إنَّه الحارث بن يزيد، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو أولى، ووَهِم من زعم أنَّه ربيعة بن رفيعٍ.
(فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه: (أَخْرَجَنِي قَوْمِي) أي: تسبَّبوا في إخراجي (فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ) بفتح الهمزة وسينٍ مهملةٍ مكسورةٍ وبعد التَّحتيَّة حاءٌ مهملةٌ، أي: أسير (فِي الأَرْضِ) فإن قلت: حقيقة السِّياحة ألَّا يقصد موضعًا بعينه، ومعلومٌ أنَّه قصد التَّوجُّه إلى أرض الحبشة؛ أجيب: بأنَّه عمَّى عن [9] ابن الدَّغنة جهة مقصده؛ لكونه كان [10] كافرًا، ومن المعلوم أنَّه لا يصل إليها من الطَّريق التي قصدها حتَّى يسير في الأرض وحده زمانًا فيكون سائحًا (فَأَعْبُدَ) بالفاء، ولأبي ذرٍّ: ((وأعبد)) (رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ) بفتح أوَّل الأوَّل، وضمِّ أوَّل الثَّاني، مبنيًّا للفاعل، والثَّاني للمفعول (فَإِنَّكَ تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة، أي: تعطي النَّاس ما لا يجدونه عند غيرك، قيل: والصَّواب: «المُعدَم» بدون الواو، أي: الفقير؛ لأنَّ المعدوم لا يكسب، وأجيب: بأنَّه لا يمتنع أن [11] يُطلَق على المُعدَم المعدومُ؛ لأنَّه كالمُعدَم الميت الذي لا تصرُّف له، وقال الزَّركشيُّ: وتكسب العديم، أي: الفقير، «فعيلٌ» بمعنى «فاعلٍ»، وهذا أحسن من الرِّواية السَّابقة أوَّل الكتاب في حديث خديجة [خ¦3]: «تكسب المعدوم». انتهى. ولم أقف على شيءٍ من النُّسخ كما ادَّعاه، ولعلَّه وقف عليها في نسخةٍ كذلك (وَتَصِلُ الرَّحِمَ) أي: القرابة (وَتَحْمِلُ الْكَلَّ) بفتح الكاف وتشديد اللَّام: الذي لا يستقلُّ بأمره، أو الثِّقْل _بكسر المُثلَّثة وسكون القاف_ (وَتَقْرِي الضَّيْفَ) بفتح المُثنَّاة الفوقيَّة من الثُّلاثيِّ، أي: تهيِّئ له طعامه ونُزله (وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ) أي: حوادثه، وإنَّما قال: «نوائب الحقِّ» لأنَّها تكون في الحقِّ والباطل، وهذا [12] كقول خديجة رضي الله عنها للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لمَّا أخبرها بأوَّل مجيء المَلَك له (وَأَنَا [13] لَكَ
ج4ص152
جَارٌ) أي: مجيرٌ لك، مؤمِّنك ممَّن أخافك منهم (فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ) استُشكِل بأنَّ القياس أن يُقال: «رجع أبو بكرٍ معه» عكس المذكور كما لا يخفى، وأُجيب: بأنَّه من باب إطلاق الرُّجوع، وإرادة لازمه [14] الذي هو المجيء، أو هو من قبيل المشاكلة؛ لأنَّ أبا بكرٍ كان راجعًا، أو أطلق الرُّجوع باعتبار ما كان قبله بمكَّة، وفي «باب الهجرة» [خ¦3905]: فرجع، أي: أبو بكرٍ وارتحل معه ابن الدَّغنة، وهو الأصل، والمراد في الرِّوايتين _كما قال ابن حجرٍ_: مُطلَق المصاحبة.
(فَطَافَ) أي: ابن الدَّغنة (فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ) أي: ساداتهم (فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ) بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه مبنيًّا للفاعل، ولأبي ذرٍّ: ((لا يُخرَج)) بضمِّ أوَّله وفتح [15] ثالثه، مبنيًّا للمفعول (وَلَا يُخْرَجُ) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذرٍّ [16] _بفتح أوَّله وضمِّ ثالثه_ [17] (أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا) بضمِّ التَّاء وكسر الرَّاء، والهمزة للاستفهام الإنكاريِّ (يكْسِبُ الْمَعْدُومَ) بفتح الياء [18] وضمِّها كما في الفرع وأصله [19]، والجملة في محلِّ نصبٍ صفةٌ لـ «رجلًا»، وما بعده عطفٌ عليه (وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ) بالذَّال المعجمة بعد الفاء، أي: أمضَوا (جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ) ورضُوا به (وَآمَنُوا) بمدِّ الهمزة وفتح الميم المُخفَّفة، أي: جعلوا (أَبَا بَكْرٍ) في أمنٍ ضدَّ الخوف (وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ) دخلت الفاء على شيءٍ محذوفٍ، قال الكرمانيُّ: تقديره: ليعبد ربَّه [20]، فليعبد ربَّه، قال العينيُّ: لا معنى لِمَا ذكره؛ لأنَّه لا يفيد زيادة [21] شيءٍ، بل تصلح الفاء أن تكون جزاء شرطٍ تقديره: مُرْ أبا بكرٍ إذا قَبِلَ ما يُشتَرط عليه؛ فليعبد ربَّه في داره (فَلْيُصَلِّ) بالفاء، وفي نسخةٍ بالفرع وأصله [22]: ((وليصلِّ)) (وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ) إشارةٌ إلى ما ذكر من الصَّلاة والقراءة (وَلَا يَسْتَعْلِنْ) لا يجهر (بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ) بفتح التَّحتيَّة وكسر الفوقيَّة، أي: يُخرِج (أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا) من دينهم إلى دينه (قَالَ ذَلِكَ) الذي شرطه كفَّار قريشٍ (ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ) بكسر الفاء، أي: جعل، وفي «الهجرة» [خ¦3905]: فلبث (أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه (يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ، وَلَا الْقِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا) أي: ظهر (لأَبِي بَكْرٍ) رضي الله عنه رأيٌ في أمره؛ بخلاف [23] ما كان يفعله (فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ) بكسر الفاء ممدودًا: ما امتدَّ من جوانبها، وهو أوَّل مسجدٍ بُنِي في الإسلام (وَبَرَزَ) ظهر أبو بكرٍ (فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ) بالمُثنَّاة الفوقيَّة بعد التَّحتيَّة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((فينْقصَف)) بالنُّون السَّاكنة بدل الفوقيَّة [24] وتخفيف الصَّاد (عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ) أي: يزدحمون عليه حتَّى يسقط بعضهم على بعضٍ فيكاد ينكسر، وأطلق «يتقصَّف» مبالغةً (يَعْجَبُونَ) زاد الكُشْمِيْهَنِيِّ: ((منه)) (وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً) بتشديد الكاف، أي: كثير البكاء (لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ) وفي «الهجرة» [خ¦3905]: لا يملك عينيه، أي: لا يملك إسكانهما عن البكاء من رقَّة قلبه (حِينَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَفْزَعَ) بالفاء السَّاكنة وبعدها زايٌ، أي: أخافَ (ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) لِمَا يعلمون من رقَّة قلوب النِّساء والشَّباب أن يميلوا إلى دين الإسلام (فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا) بالرَّاء السَّاكنة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((أجزنا)) بالزَّاي بدل الرَّاء (أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ) بفتح أوَّله وكسر ثالثه (أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا) ولأبي ذرٍّ: ((أن يُفتَن)) بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، مبنيًّا للمفعول، ((أبناؤُنا ونساؤُنا)) بالرَّفع نائبًا عن الفاعل (فَأْتِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى) امتنع (إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ) المذكور من الصَّلاة والقراءة، أي: يجهر (فَسَلْهُ) بسكون اللَّام من غير [25] همزٍ، فعل أمرٍ (أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ) عهدك له (فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ) بضمِّ النُّون وسكون الخاء المعجمة وكسر الفاء وفتح الرَّاء، أي: ننقض عهدك (وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ) أي: لا نسكت على الإنكار عليه خوف نسائنا وأبنائنا.
(قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها: (فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ) له: (قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي
ج4ص153
عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ) مع أشراف قريشٍ (فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ) الذي شرطوه (وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ [26] ذِمَّتِي) عهدي (فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ) مبنيًّا للمفعول، أي: غُدِرْتُ (فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ له، قال أبُو بَكْرٍ) الصِّدِّيق [27] رضي الله عنه: (إِنِّي) ولأبي ذرٍّ: ((فإنِّي)) (أَرُدُّ إليْكَ جِوارَكَ، وأرْضَى بِجِوَارِ اللهِ) أي: بأمانة الله وحمايته، وفيه قوَّة يقين الصِّدِّيق رضي الله عنه (ورسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فقال: رسولُ اللهُ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: قَدْ أُرِيتُ) بضمِّ الهمزة مبنيًّا للمفعول (دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً) بفتح السِّين المهملة والخاء المعجمة بينهما مُوحَّدةٌ ساكنةٌ، ولأبي ذرٍّ: ((سبَخة))؛ بفتح المُوحَّدة: أرضًا تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلَّا بعض الشَّجر، قال في «المصابيح» كـ «التَّنقيح»: وإذا وُصِفت به الأرض؛ كُسِرت الباء (ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ) بمُوحَّدةٍ مُخفَّفةٍ، تثنية لابةٍ (وَهُمَا الْحَرَّتَانِ) بتشديد الرَّاء بعد الحاء المفتوحة المهملة، والحَرَّة: أرضٌ بها حجارةٌ سودٌ، وهذا مُدرَجٌ من تفسير الزُّهريِّ (فَهَاجَرَ) بالفاء، ولأبي الوقت: ((وهاجر)) (مَنْ هَاجَرَ) من المسلمين (قِبَلَ الْمَدِينَةِ) بكسر القاف وفتح المُوحَّدة (حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ) رضي الله عنه حال كونه (مُهَاجِرًا) أي: طالبًا للهجرة من مكَّة (فَقَالَ لَهُ [28] رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم: عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الرَّاء وسكون السِّين المهملة، أي: على مهلك من غير عجلةٍ (فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي) _بضمِّ الياء مبنيًّا للمفعول_ في الهجرة (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ _بأبِي أَنْتَ_؟) مبتدأٌ خبره: «بأبي [29]» أي: مُفدًّى بأبي، أو «أنت» تأكيدٌ لفاعل «ترجو»، و«بأبي» قسمٌ (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (نَعَمْ) أرجو ذلك. (فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ) أي: منعها من الهجرة (عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ) بفتح السِّين المهملة وضمِّ الميم، زاد في «الهجرة» [خ¦3905]: وهو الخبط، وهو مُدرَجٌ فيه من تفسير الزُّهريِّ (أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة من جهة أنَّ المجير ملتزمٌ للمُجار ألَّا يُؤذَى من جهة من أجار منه، وكأنَّه ضمن ألَّا يُؤذَى وأن تكون العهدة عليه في ذلك، وقد ساق المؤلِّف الحديث هنا على لفظ يونس عن الزُّهريِّ، وساقه في «الهجرة» [خ¦3905] على لفظ عُقَيلٍ؛ كما سيأتي _إن شاء الله تعالى_.
وقد سبق صدر [30] هذا الحديث في أبواب «المساجد» في «باب المسجد يكون في الطَّريق» [خ¦476] والله أعلم.
ج4ص154


[1] «المهملة»: ليس في (د).
[2] قوله: «المهملة، والنَّصب على نزع الخافض، أي: يدينان بدين الإسلام» ليس في (د1) و(م).
[3] «وأصله»: ليس في (د) و(م).
[4] في (ب) و(س): «بأذى».
[5] في (د): «بأقصى».
[6] «وأصله، لأبي ذرٍّ»: ليس في (م).
[7] في هامش (ص): (قوله: «البَلاذُريِّ»: بالفتح وضمِّ الذَّال المعجمة؛ نسبةً إلى البلاذر المعروف). انتهى «لب».
[8] في (م): «أسلميٌّ»، وهو تحريفٌ.
[9] في (ص): «على».
[10] «كان»: ليس في (ب).
[11] في (ص): «أنَّه».
[12] في (د): «وهو».
[13] في (د): «وإنِّي»، وفي نسخةٍ في هامشها كالمثبت.
[14] في (م): «الأزمنة»، وهو تحريفٌ.
[15] في (د): «وضمِّ»، وليس بصحيحٍ.
[16] قوله: «بضمِّ أوَّله وفتح ثالثه، ولأبي ذرٍّ»: سقط من (د).
[17] زيد في (د) و(م): «أو العكس كما مرَّ».
[18] في (د): «أوَّله».
[19] «وأصله»: ليس في (د) و(م).
[20] «ليعبد ربَّه»: سقط من (م).
[21] في غير (ب) و(س): «إفادة»، والمثبت موافقٌ لما في «عمدة القاري» (12/ 175).
[22] «وأصله»: ليس في (د1) و(ص) و(م).
[23] في (د): «خلاف».
[24] «بدل الفوقيَّة»: ليس في (د).
[25] في (ص): «بغير».
[26] في (ب): «لي»، والمثبت موافقٌ لما في «اليونينيَّة».
[27] «الصِّدِّيق»: ليس في (د).
[28] «له»: ليس في (د).
[29] في غير (ب) و(د) و(س) المطبوع: «أبي».
[30] «صدر»: ليس في (د) و(م).