إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه

2078- وبه قال: (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) السلميُّ قال: (حَدَّثَنَا يَحْيَى [1] بْنُ حَمْزَةَ) بالحاء المهملة والزَّاي، الحضرميُّ قاضي دمشق، قال [2]: (حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ) بضمِّ الزَّاي وفتح الموحَّدة، محمَّد بن الوليد بن عامر (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلمٍ (عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ) بتصغير الأوَّل، ابن عتبة بن مسعودٍ، أحد الفقهاء السَّبعة (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) يحدِّثُ [3] (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّم) أنَّه (قَالَ: كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ) وفي رواية أبي صالحٍ عن أبي هريرة عند النَّسائيِّ: «إنَّ رجلًا لم يعمل خيرًا قطُّ، وكان يُداين الناس» (فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا؛ قَالَ لِفِتْيَانِهِ) لخدمه: (تَجَاوَزُوا عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فيقول لرسوله: خذ ما تيسَّر، واترك ما عسر وتجاوز» (لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ) وعند النَّسائيِّ: «فلمَّا هلك؛ قال الله تعالى له: هل عملت خيرًا قطُّ؟ قال: لا إلَّا أنَّه كان لي غلامٌ، وكنت
ج4ص22
أداين النَّاس، فإذا بعثته يتقاضى؛ قلت له: خذ ما تيسَّر واترك ما عسر، وتجاوز لعلَّ الله يتجاوز عنَّا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك»، وفي حديث أبي اليسر: «من أنظر معسرًا أو وضع له؛ أظلَّه الله في ظلِّ عرشه»، وقد أمر الله تعالى بالصَّبر على المعسر، فقال: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] أي: فعليكم تأخيرٌ إلى ميسرةٍ، لا كفعل الجاهليَّة إذا حلَّ الدَّين؛ يطالب إمَّا بالقضاء وإمَّا بالرِّبا، فمتى علم صاحب الحق عُسْرَ المديان؛ حرمت عليه مطالبته وإن لم يثبت عسره عند الحاكم، وقد حكى القرافيُّ وغيره: أنَّ إبراءه أفضل من إنظاره، وجعلوا ذلك ممَّا استُثني من قاعدة كون الفرض أفضل من النَّافلة، وذلك أنَّ إنظاره واجبٌ وإبراءه مستحبٌّ، وقد انفصل عنه الشَّيخ تقيُّ الدِّين السُّبكيُّ: بأنَّ الإبراء يشتمل على الإنظار اشتمال الأخصِّ على الأعمِّ؛ لكونه تأخيرًا للمطالبة، فلم يفضل ندبٌ [4] واجبًا، وإنَّما فضل واجبٌ _وهو الإنظار الذي تضمَّنه الإبراء وزيادة؛ وهو خصوص الإبراء_ واجبًا آخر؛ وهو مجرد الإنظار، ونازعه ولده التَّاج في «الأشباه والنظائر» في ذلك فقال: وقد يُقال: الإنظار: هو تأخير الطَّلب مع بقاء العلقة، والإبراء: زوال العلقة، فهما قسمان لا يشتمل أحدهما على الآخر، فينبغي أنَّ يقال: إن الإبراء يحصِّل مقصود الإنظار [5] وزيادة، قال: وهذا كلُّه بتقدير تسليم [6] أنَّ الإبراء أفضل، وغاية ما استدلَّ به عليه بقوله تعالى: {وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 280] وهذا [7] يحتمل أن يكون افتتاح كلام، فلا يكون دليلًا على أنَّ الإبراء أفضل، ويتطرَّق من هذا إلى أنَّ الإنظار أفضل؛ لشدَّة ما يقاسيه المُنْظِر من ألم الصَّبر [8] مع تشوُّف القلب، وهذا فضلٌ ليس في الإبراء الذي انقطع فيه اليأس، فحصلت فيه راحةٌ من هذه الحيثيَّة ليست في الإنظار، ومن ثَمَّ قال صلى الله عليه وسلم: «من أنظر معسرًا كان له بكلِّ يومٍ صدقةٌ» رواه أحمد، فانظر كيف وزَّع أجره على الأيَّام، يكثر بكثرتها، ويقلُّ بقلَّتها، ولعلَّ سرَّه ما أبديناه، فالمُنظِر ينال كلَّ يومٍ عوضًا جديدًا، ولا يخفى أنَّ هذا لا يقع بالإبراء، فإنَّ أجره وإن كان وافرًا [9] لكنَّه ينتهي بنهايته. انتهى.
ج4ص23


[1] في (ص): «حمَّاد»، وهو خطأٌ.
[2] «قال»: ليس في (د).
[3] «يحدِّث»: ليس في (ص) و(م).
[4] كذا في (م) و(د)، وفي (ص): «نقل» وفي (ب) و(س): «مندوب».
[5] زيد في (د1): «لشدَّة ما يناسبه».
[6] في (د1): «كلُّه بتسليم».
[7] في (د): «وهو».
[8] في (ص): «الإنظار».
[9] في (د): «أوفر».