إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري

حديث: آخى النبي بين سلمان وأبي الدرداء

1968- وبالسَّند قال: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالمعجمة المُشدَّدة بعد المُوحَّدة العبديُّ البصريُّ بندارٌ [1] قال: (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) المخزوميُّ القرشيُّ قال: (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بضمِّ العين المهملة وفتح الميم وإسكان التَّحتيَّة آخره سينٌ مهملةٌ، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعودٍ (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضمِّ الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان المُثنَّاة التَّحتيَّة وفتح الفاء (عَنْ أَبِيهِ) أبي [2] جُحَيفة وهب بن عبد الله السُّوائيِّ أنَّه (قَالَ: آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ) بن عبد الله [3] الفارسيِّ، ويُقال له: سلمان ابن [4] الإسلام وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل: من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيِّين» ثلاث مئةٍ وخمسين سنةً، ويُقال: إنَّه أدرك عيسى بن مريم، وقيل: بل أدرك وصيَّ عيسى، وكان أوَّل مشاهده الخندق، وقال ابن عبد البرِّ: يقال: إنَّه شهد بدرًا (وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عُوَيمرٍ أو عامر بن قيسٍ الأنصاريِّ، أوَّل مشاهده أحدٌ (فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) في عهده صلى الله عليه وسلم، وكان أبو الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمانُ (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة _بفتح الخاء المعجمة_ بنت أبي حَدْرَدٍ الأسلميَّة الصَّحابيَّة الكبرى، وليست أمَّ الدَّرداء الصُّغرى المُسمَّاة هُجَيمة (مُتَبَذِّلَةً) بضمِّ الميم وفتح المُثنَّاة الفوقيَّة والموحَّدة وكسر المعجمة المُشدَّدة، أي: لابسةً ثياب البِذْلة بكسر الموحَّدة وسكون المعجمة، أي: المِهْنة وزنًا ومعنًى، أي: تاركةً لِلِباس الزِّينة، وللكُشْمِيْهَنِيِّ: ((مُبْتَذِلةً)) بميمٍ مضمومةٍ فمُوحَّدةٍ ساكنةٍ ففوقيَّةٍ مفتوحةٍ فمُعجَمةٍ مكسورةٍ.
(فَقَالَ) سلمان (لَهَا: مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء مبتذلةً؟ (قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وللدَّارقطنِّي من وجهٍ آخر: عن محمَّد بن عونٍ: «في نساء الدُّنيا» وزاد ابن خزيمة: «يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل» (فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) زاد التِّرمذيُّ:
ج3ص399
فرحَّب بسلمان (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) وقرَّبه إليه ليأكل (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (كُلْ، قَالَ) أبو الدَّرداء: (فَإِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذيُّ: فقال: كُلْ؛ فإنِّي صائمٌ، وعلى هذا فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان (قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء: (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) أراد سلمان أن يصرف أبا الدَّرداء عن رأيه فيما يصنعه من جهد [5] نفسه في العبادة وغير ذلك ممَّا شَكَتْه إليه زوجتُه (قَالَ: فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء معه، فإن قلت: لم يذكر في هذا الحديث قَسَمًا من سلمان حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة؛ حيث قال: من أقسم على أخيه؟ قلت: أجاب ابن المُنيِّر بأنَّه إمَّا لأنَّه في طريقٍ آخر، وإمَّا لأنَّ القَسَم في هذا السِّياق مُقدَّرٌ قبل لفظ: ما أنا بآكلٍ؛ كما قُدِّر في قوله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71] وتعقَّبه في «المصابيح» بأنَّه يحتاج إلى إثبات الطَّريق الذي وقع فيه [6] القسم، والاحتمال ليس كافيًا في ذلك، وتقدير قَسَمٍ هنا تقدير ما لا دليل عليه، فلا يُصار إليه. انتهى. وقد وقع في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشَّارٍ شيخ المؤلِّف _كما أفاده في «الفتح»_: «فقال: أقسمت عليك لتفطرنَّ» وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقُطنيُّ من طريق عليِّ بن مسلمٍ وغيره، والطَّبرانيُّ من طريق أبي بكرٍ وعثمان ابني أبي شيبة والعبَّاس بن عبد العظيم [7]، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة، كلُّهم عن جعفر ابن عونٍ به، فكأنَّ محمَّد بن بشَّارٍ لم يذكر هذه الجملة لمَّا حدَّث [8] به المؤلِّف، وبلغ المؤلف ذلك [9] من غيره، فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة.
(فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ) أي: أوَّله (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) حال كونه (يَقُومُ) يعني: يصلِّي، وقد روى الطَّبرانيُّ هذا الحديث من وجهٍ آخر عن محمَّد بن سيرين مُرسَلًا، فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء، ولفظه: كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها (قَالَ) سلمان له: (نَمْ فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان: (نَمْ. فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ) عند السَّحر (قَالَ) له (سَلْمَانُ: قُمِ الآنَ) فقام أبو الدَّرداء وسلمان وتَوضَّأا (فَصَلَّيَا، فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذيُّ وابن خزيمة: «وإنَّ لضيفك عليك حقًّا» (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة: «فأعط»، وللدَّارقطنيِّ: فصم وأفطر ونَمْ وائتِ أهلك (فَأَتَى) أبو الدَّرداء (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ) الذي قاله سلمان (لَهُ) عليه الصلاة والسلام (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ سَلْمَانُ) وللتِّرمذيِّ: «فأتيا» بالتَّثنية، وفيه: أنَّه لا يجب إتمام صوم التَّطوُّع إذا شرع فيه كصلاته واعتكافه لئلَّا يغيِّر الشُّروع حكم المشروع فيه، ولحديث التِّرمذيِّ _وصحَّحه الحاكم_: «الصَّائم [10] المتطوِّع أمير نفسه، إن شاء صام، وإن شاء أفطر» ويُقاس بالصَّوم الصَّلاة ونحوها، لكن يُكرَه الخروج منه لظاهر قوله تعالى [11]: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمَّد: 33] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه؛ كما يأتي قريبًا _إن شاء الله تعالى_إلَّا بعذر كمساعدة ضيفٍ في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه منه أو عكسه، فلا يُكرَه الخروج منه، بل يُستَحبُّ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذيِّ: «وإن لضيفك عليك حقًّا»، أمَّا إذا لم يعزَّ على أحدهما امتناع الآخر من ذلك فالأفضل عدم خروجه منه، ذكره في «المجموع»، وإذا خرج منه؛ قال المتولِّي: لا يُثاب على ما مضى لأنَّ العبادة لم تتمَّ، وحكى عن الشَّافعيِّ: أنَّه يُثاب عليه، وهو الوجه إن خرج منه بعذرٍ، ويُستحَبُّ قضاؤه، سواء خرج بعذرٍ أم [12] بغيره، وهذا مذهب الشَّافعيَّة والحنابلة والجمهور، وقال المالكيَّة: يجب القضاء في صوم النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذرٍ من مرضٍ أو غيره، فلو شرع في صوم نفلٍ وجب عليه إتمامه، وحرم عليه الفطر من غير عذر، ولو حلف عليه شخصٌ بالطَّلاق الثَّلاث فإنَّه يحنِّثه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء إلَّا في كوالدٍ وشيخٍ وإن لم يحلفا، وفي حكايات أهل الطَّريق: أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوةً فعرض الطَّعام على تلميذه، فقال: إنِّي على نيِّةٍ، وأبى أن يأكل، فقال له الشَّيخ: كُلْ وأنا أضمن لك أجر سنةٍ، فأبى، فقال الشَّيخ: دعوه؛ فإنَّه سقط من عين الله، فنسأل [13] الله العافية. وقال الحنفيَّة: يلزمه القضاء مطلقًا أفسد عن قصدٍ أو [14] غير قصدٍ بأن عرض الحيض للصَّائمة المتطوِّعة. لا خلاف بين
ج3ص400
أصحابنا في ذلك، وإنَّما اختلاف الرِّواية في نفس الإفساد: هل يُباح أو لا؟ ظاهر الرِّواية: لا إلَّا لعذرٍ [15]، ورواية «المنتقى» يُباح بلا عذرٍ، ثمَّ اختلف المشايخ على ظاهر الرِّواية: هل الضِّيافة عذرٌ أو لا؟ قيل: نعم، وقيل: لا، وقيل: عذرٌ قبل الزَّوال لا بعده، إلَّا إذا كان في عدم الفطر بعده عقوقٌ لأحد الوالدين لا غيرهما، حتَّى لو حلف عليه رجلٌ بالطَّلاق الثَّلاث ليفطرنَّ [16] لا يفطر؛ لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمَّد: 33] وقوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27] الآية سيقت [17] في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القُرَب التي لم تُكتَب عليهم، والقدر المؤدِّي عمل كذلك، فوجب صيانته عن الإبطال بهذين النَّصَّين، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال، وأُجيب بأنَّ المراد: لا تحبطوا الطَّاعات بالكبائر أو بالكفر والنِّفاق، والعجب والرِّياء، والمنِّ والأذى ونحوها، وهذا غير الإبطال الموجب للقضاء، وقد قال ابن المُنيِّر من المالكيِّة في «الحاشية»: ليس في تحريم الأكل في صوم النَّفل من غير عذرٍ إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله [18] تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد: 33] إلَّا أنَّ الخاصَّ يُقدَّم على العامِّ كحديث سلمان ونحوه، فمذهب الشَّافعيَّة في هذه المسألة أظهر.
وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما ذكرته، ممَّا يطول استقصاؤه ولا يخفى على متأمِّلٍ، وأخرجه المؤلِّف في «الأدب» [خ¦6139]، وكذا التِّرمذيُّ.
ج3ص401


[1] في هامش (ص): (قوله: «بندار»: قال الكرمانيُّ: البندار الحافظ، وإنَّما لُقِّب ببندارٍ؛ لأنَّه كان بندار الحديث. انتهى. شيرازي في «الألقاب»، قال أبو داود: كتبت عن بندار نحوًا من خمسين ألف حديثٍ). انتهى «طبقات الحفَّاظ».
[2] «أبي»: سقط من (د) و(ص) و(م).
[3] «ابن عبد الله»: ليس في (د).
[4] «ابن»: ليس في (د).
[5] في (د): «جهة».
[6] في (د): «فيها».
[7] في (ب): «المطَّلب»، وليس بصحيح.
[8] في (ص): «حدَّثه».
[9] في (د) و(م): «ذلك المؤلِّف».
[10] «الصائم»: مثبتٌ من (ب) و(س).
[11] «تعالى»: مثبتٌ من (م).
[12] في غير (ص) و(م): «أو».
[13] في (د) و(م): «نسأل».
[14] زيد في (د): «عن».
[15] في غير (ب) و(د) و(س): «بعذرٍ».
[16] في (ب) و(س): «لتفطرنَّ».
[17] في (ب) و(س): «سبقت».
[18] في (د): «في قوله».